امي واختي حكايات اسما السيد 1

جوزي كان مسافر مع أمه وأخته، كان المفروض إني أفضل أنا مع العيال وأروح أرض أهلي أطلع البطاطس، عشان على حسب كلامهم “الست لازم تساند جوزها”. سكتّ، وسيبتهم يسافروا. كل اللي عملته إني أجريت مكالمة واحدة قبل ما الطيارة تقلع. وتاني يوم، جوزي كان بيعيط عشان كروته البنكية بطلت تشتغل…
من غير ما يتخيل إني كنت كلمت محامية بالفعل.
الجزء الأول
— بكرة أنا مسافر الغردقة مع أمي وأختي. إنتِ ممكن تاخدي العيال وتروحي بيهم الفيوم، وتستغلي الفرصة وتطلعي البطاطس من أرض أهلك.
قال أحمد الجملة وهو بيضحك، كأنه بيقول لي على أحلى خطة في الدنيا.
حطيت الكوباية على الترابيزة وبصيت له كام ثانية من غير ما أرد.
أنا وأحمد كنا متجوزين بقالنا 14 سنة.
عندنا طفلين؛ عمر عنده 12 سنة، وملك عندها 9 سنين.
وطول السنين اللي فاتت، كنت فاكرة إني عارفة كل الطرق اللي جوزي ممكن يكون بيها أناني.
لكن طلعت غلطانة.
أنا نورهان، عندي 39 سنة، وبشتغل محاسبة في شركة مقاولات في الجيزة.
أنا مش من النوع اللي بيحب النظام زيادة عن اللزوم، لكن الحياة علمتني أبقى منظمة غصب عني.
أنا اللي كنت بدفع مصاريف مدرسة العيال، وقسط الشقة، وتأمين العربية، ومعظم مصاريف البيت.
أما أحمد، فكان شغال مندوب مبيعات في معرض عربيات، وبيحط مبلغ ثابت في البيت كل شهر.
ولسنين، الموضوع ده كان ماشي.
لحد ما أحمد بدأ يهتم بكروتي البنكية أكتر من اللازم.
في الأول، لقيته بيفتش في شنطتي.
وبعدها بدأت آخد بالي إنه بيتعمد يقف ورايا وأنا بدفع في السوبر ماركت.
وفي ليلة، دخلت المكتب فجأة، لقيته قاعد قدام الكمبيوتر وصفحة البنك مفتوحة قدامه.
— إنت بتعمل إيه؟
أحمد قفل الصفحة بسرعة.
— بدور على إيصال تأمين العربية.
بصيت له من غير ما أتكلم.
الإيصال كان موجود في ملف في الصالة.
وهو كان عارف ده كويس.
وأنا كمان كنت عارفة.
بس ما عملتش مشكلة.
بعد يومين، غيرت كل كلمات السر وأرقام الـPIN بتاعتي.
وبرضه ما قلتش حاجة.
التفسير الحقيقي ظهر يوم الخميس، لما حماتي سعاد وأخت جوزي داليا جم عندنا على العشا.
سعاد قعدت تشرب القهوة وقالت:
— أحمد تعبان جدًا يا نورهان. محتاج يفصل شوية ويرتاح.
داليا ضحكت وقالت:
— بصراحة، إحنا ممكن نسافر إحنا التلاتة كام يوم. نقضيها سوا كعيلة، من غير عيال، ومن غير مسؤوليات، ومن غير حد قاعد يحسب كل جنيه.
فهمت فورًا هي تقصد مين.
بصيت لهم وقلت:
— وأنا أعمل إيه في الوقت ده؟
سعاد ابتسمت نفس الابتسامة الهادية اللي كنت عارفة إنها دايمًا بتسبق كلمة مستفزة.
— إنتِ عندكم أرض في الفيوم. خدي العيال وروحي هناك. الجو الريفي هيبسطهم. وبعدين عندك بطاطس لازم تتطلع، والأرض محتاجة تتنضف، والخضار يتظبط… الشغل في الأرض بيريّح الأعصاب.
بصيت لها باستغراب.
— يعني أحمد هيروح الغردقة وأنا هروح أشتغل في الأرض؟
داليا ردت بمنتهى البرود:
— ما تبصيلهاش كده. إنتِ أصلًا بتحبي تنجزي الحاجات وتنظميها.
لفيت وشي ناحية أحمد.
— وإنت موافق على الكلام ده؟
أحمد ما بصليش في عيني.
فضل ساكت شوية وبعدين قال:
— يعني… أنا فعلًا محتاج أغيّر جو وأفصل شوية.
ما رديتش.
بالليل، بعد ما أحمد نام، دخلت الأوضة وفتحت الدرج اللي كنت بحط فيه كارت احتياطي مش بستخدمه غير نادر جدًا.
الكارت اختفى.
وقفت مكاني ثواني.
وبعدين قفلت الدرج بهدوء.
تاني يوم رجعت البيت بدري.
وأول ما دخلت، لقيت أحمد قاعد على مكتبي وبيكتب حاجة في نوتة.
أول ما شافني، قفل النوتة بسرعة.
بس مش بالسرعة الكفاية.
أنا شفت.
أربع مجموعات أرقام.
تاريخ انتهاء.
وثلاث أرقام في الآخر.
بيانات كارت البنك بتاعي.
ما عملتش خناقة.
ما صرختش.
وما سألتهوش حتى.
استنيت لحد ما خرج من البيت.
وبمجرد ما الباب اتقفل وراه، مسكت موبايلي واتصلت بالبنك.
— لو سمحت، أنا عايزة أوقف كل الكروت بتاعتي وأطلع بدلهم. في احتمال إن حد استخدم بياناتهم من غير إذني.
بعد ما قفلت المكالمة، حسيت براحة غريبة.
لأول مرة من فترة طويلة، حسيت إني أنا اللي ماسكة زمام الأمور.
يوم الأحد بالليل، أحمد خلّص شنطته.
باس العيال، وقبل ما يدخل ينام، بصلي وهو بيضحك وقال:
— إنتِ مع البطاطس بتاعتك، وأنا مع البحر. كل واحد يرتاح بطريقته.
ابتسمت له.
ابتسامة هادية جدًا.
هو لسه ما كانش يعرف.
ما كانش يعرف إن خلال أقل من 24 ساعة، هيتعلم درس عمره ما هينساه.
هيعرف يعني إيه يستهين بالست اللي شايلة مصاريف البيت.
وهيكتشف إن الكروت اللي كان فاكر إنها تحت سيطرته… ما بقتش في إيده.
لكن ده مش كل حاجة.
لأن في نفس الوقت اللي كان أحمد بيجهز شنطته عشان يسافر، كنت أنا بعمل مكالمة تانية…
مكالمة مع محامية.
واللي حصل بعدها كان أسوأ بكتير مما أحمد كان ممكن يتخيل…لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
@أبرز المعجبين
الساعة كانت حوالي عشرة ونص الصبح لما موبايلي رن.
كنت وقتها في الفيوم، قاعدة تحت المظلة الصغيرة قدام بيت أهلي، وعمر وملك بيلعبوا بعيد عني، والعمال في الأرض بيجمعوا البطاطس ويحطوها في الشكاير.
بصيت للشاشة.
أحمد.
سيبته يرن.
مرة.
مرتين.
تلات مرات.
وفي الرابعة رديت.
— أيوه يا أحمد؟
صوته جه متوتر وعصبي:
— نورهان… إنتِ عملتي إيه في الكروت؟
بصيت قدامي ناحية الأرض وقلت بهدوء:
— كروت إيه؟
— الكروت يا نورهان! كارت البنك مش شغال، والتاني اترفض، وحتى الكارت الاحتياطي بيقول موقوف!
سكتّ لحظة.
وبعدين قلت:
— آه… دول.
— يعني إيه “آه دول”؟! أنا واقف في الفندق ومش عارف أدفع!
سمعت صوت داليا في الخلفية:
— قول لها تفتحهم حالًا يا أحمد!
وبعدها صوت حماتي:
— هي أكيد عاملة الحركة دي عند!
ابتسمت.
— أحمد، الكروت دي باسمي.
— ما أنا عارف إنها باسمك! بس إحنا متجوزين!
— والجواز بيديك الحق تاخد كارت من درجي من غير إذني؟
سكت.
ثانيتين كاملين.
قلت:
— ولا بيديك الحق تنقل بيانات كروتي في نوتة؟
صوته اتغير.
— إنتِ بتقولي إيه؟
— بقول اللي شوفته بعيني.
— نورهان، ما تكبريش الموضوع.
ضحكت ضحكة قصيرة.
— أنا؟ أنا اللي بكبر الموضوع؟
صوت سعاد ظهر فجأة:
— هاتيلي التليفون يا أحمد.
وبعد ثانية سمعتها بتقول:
— اسمعي يا نورهان، إحنا في سفر، ومش وقت الحركات العبيطة دي. افتحي الكروت، ولما نرجع ابقوا اتخانقوا براحتكم.
— لا.
قالتها بهدوء شديد.
لدرجة إنها سكتت.
— نعم؟
— قلت لا يا طنط. مش هفتح أي كارت.
— وإحنا ندفع الفندق إزاي؟
— بنفس الطريقة اللي كنتوا متوقعين إني أدفع بيها مصاريف العيال وأنا في الأرض.
— إنتِ مرات ابني، والست لازم تساند جوزها.
بصيت ناحية الشكاير اللي العمال بيرصوها.
— وأنا ساندته 14 سنة. واضح إن الدور جه عليه يسند نفسه.
قفلت المكالمة.
فضلت باصة للموبايل ثواني.
قلبي كان بيدق بسرعة رغم إن صوتي طول المكالمة ما اهتزّش.
لأن الحقيقة إن وقف الكروت ما كانش أهم حاجة عملتها.
المكالمة الأهم حصلت قبل سفر أحمد بيوم.
لما كلمت المحامية منى، صاحبة زميلتي القديمة.
كنت حكيت لها كل حاجة.
عن المصاريف.
عن الكارت المختفي.
عن بيانات حسابي اللي أحمد كان بيدور عليها.
وعن حساب التوفير اللي كنت بحوش فيه من مرتبي من سنين.
منى سألتني سؤال واحد:
— الحساب ده باسم مين؟
— باسمي أنا.
— وأحمد معاه توكيل؟
— لأ.
— يعرف يدخل عليه؟
سكتّ.
— حاول.
منى قالت بجدية:
— يبقى أول حاجة تأمني حساباتك ومستنداتك، وتحتفظي بأي دليل على محاولات الوصول لفلوسك. وثاني حاجة، ما تعمليش أي تصرف مالي مش فاهمة أثره القانوني. وإحنا هنراجع كل حاجة بهدوء.
لكن كان عندي حاجة تانية ما قلتهاش لأحمد.
حاجة اكتشفتها بالصدفة قبل سفره بثلاثة أيام.
وأنا بدور على عقد تأمين العربية، لقيت ظرف أبيض مستخبي بين أوراق أحمد.
فتحته.
وكان جواه كشف حساب.
في الأول افتكرته حساب عادي.
لكن الاسم المكتوب عليه خلاني أقعد على الكرسي.
أحمد محمود.
حساب أنا عمري ما سمعت عنه.
وبدأت أبص في الأرقام.
تحويلات صغيرة كل شهر.
وبعدين تحويلات أكبر.
فلوس بتتحول بانتظام من حساب المصاريف المشترك لحساب تاني.
جمعت الأرقام بالموبايل.
مرة.
واتنين.
وتلاتة.
المبلغ كان كبير.
كبير لدرجة إن إيدي بردت وأنا ماسكة الورقة.
اتصلت بالمحامية تاني.
— منى… أنا لقيت حاجة.
صورت لها المستندات اللي تخصني والحساب المشترك وبعتها لها.
بعد ساعة رجعت كلمتني.
— نورهان، ما تواجهيهوش دلوقتي. احتفظي بكل حاجة تخص حساباتك وحقوقك، ولا توقعي على أي ورقة.
— ليه؟
سكتت ثواني وقالت:
— لأن الموضوع شكله أكبر من رحلة الغردقة.
في نفس اللحظة، موبايلي رن تاني.
أحمد.
المرة دي رديت.
ما لحقش حتى يقول ألو.
صرخ:
— الفندق بيقول الحجز نفسه فيه مشكلة!
قطبت حواجبي.
— وأنا مالي؟
— الحجز كان المفروض يتخصم من الكارت!
— الكارت اللي خدته من غير إذني؟
سكت.
وبعدين قال بعصبية:
— أنا هرجع يا نورهان.
— براحتك.
— ولما أرجع، إحنا لازم نتكلم.
بصيت للظرف اللي كنت حطاه جنبي.
جواه نسخ الأوراق اللي هراجعها مع المحامية.
وقلت:
— أكيد.
ثم أضفت:
— بس المرة دي مش هنتكلم لوحدنا.
— قصدك إيه؟
— لما ترجع هتعرف.
قفلت.
لكن أحمد ما استناش لحد ما يرجع.
بعد ساعتين تقريبًا، وصلتني رسالة منه.
صورة.
أول ما فتحتها، حسيت معدتي اتقبضت.
كان مصور ورقة قديمة.
وتحت الصورة كتب:
“قبل ما تدخلي محامين بينا… اسألي أبوكي الأول الأرض اللي في الفيوم اتسجلت باسم مين.”
فضلت باصة للرسالة.
مرة.
واتنين.
وبعدين رفعت عيني ناحية أرض أهلي قدامي.
الأرض اللي كنت بنزلها من وأنا طفلة.
الأرض اللي أبويا كان دايمًا يقول لي:
— دي أمانك يا نورهان.
قمت من مكاني واتجهت ناحية البيت.
لقيت أبويا قاعد جوه.
حطيت الموبايل قدامه.
أول ما شاف الصورة…
وشه اتغير.
قلت:
— بابا… الورقة دي إيه؟
ما ردش.
— أحمد يقصد إيه إن الأرض اتسجلت باسم حد تاني؟
أبويا نزل عينه للأرض.
ولأول مرة في حياتي شوفته عاجز يبصلي.
قلت بصوت بدأ يهتز:
— بابا… الأرض باسم مين؟
رفع عينه ناحيتي أخيرًا.
وقال جملة خلت كل اللي حصل مع أحمد قبلها يبدو بسيط جدًا:
— نورهان… أنا كنت فاكر إن أحمد قالك.
اتجمدت مكاني.
— قال لي إيه؟
أبويا بلع ريقه.
— من سنتين… أحمد جه لي بورق وقال إنك موافقة.
حسيت الدنيا بتلف بيا.
— موافقة على إيه؟
أبويا رد:
— إننا نعمل له توكيل عشان يخلص إجراءات تخص الأرض.
مسكت طرف الترابيزة.
— وإنت عملتله؟
أبويا ما ردش.
لكن سكوته كان كفاية.
وفي اللحظة دي فهمت إن أحمد ما كانش بيفتش على كارت بنك وبس.
وما كانش موضوعه رحلة الغردقة.
ولا حتى الفلوس اللي كان بيحولها.
جوزي كان بيخطط لحاجة من ورايا من فترة طويلة.
والأسوأ…
إنه قبل ما يسافر بساعات، كان فاكر إن خطته نجحت.
لكن اللي أحمد ما يعرفوش…
إن المحامية منى كانت بالفعل بدأت تدور ورا الورق.
وبعد أقل من ساعة، اتصلت بيا وقالت:
— نورهان، لقيت حاجة لازم تشوفيها بنفسك.
— تخص الأرض؟
ردت:
— تخص الأرض… والشقة كمان.
سكتُّ.
منى كملت:
— وتعالي لوحدك. لأن بعد اللي لقيته، أنا مش واثقة إن أحمد كان ناوي يرجع من الغردقة ويعيش معاكي أصلًا.
يتبع…
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




