حامل ولكن حكايات اسما السيد 2

ر أسبوع كامل. سبعة أيام بالعدد. سبعة أيام وآسر بيصحى كل صباح على نفس الإحساس… إن البيت ناقص صوت. ناقـص نفس. ناقص وجود. كان يدخل من باب ، يفتح النور، ثم يقف لثواني كأنه مستني يسمع ليلى بتنادي عليه من جوه: — آسر… اتأخرت ليه؟ لكن محدش بينادي. المطبخ مرتب. الصالون ساكت. بارد من ناحيتها. حتى ريحة عطرها بدأت تختفي من الأوضة. وفي كل ليلة، كان يمسك الموبايل ويفتح محادثتها. يكتب. ويمسح. “وحشتيني.” يمسح. “أنا آسف.”
يمسح. “ارجعي.” يمسح. وفي النهاية… مايبعتش حاجة. لأن كلمة واحدة كانت بتطارده: متأخر. في صباح اليوم الثامن، دخل آسر الشركة قبل أي حد تقريبًا. مكتب كبير في الدور الأخير. زجاج من الأرض للسقف. القاهرة كلها تحت رجليه. زمان كان المنظر ده بيديله إحساس بالقوة. النهارده… كان بيخنقه. حط مفاتيحه على المكتب. فتح اللابتوب. لكن عينه وقعت على كرسي نادين المقابل لمكتبه. كرسي كانت تقعد عليه ساعات. تتكلم. تضحك. تحكيله. وهو يحكيلها. فجأة… افتكر سؤال أمه. “لو ليلى كانت بتعمل مع راجل تاني اللي إنت كنت بتعمله مع نادين… كنت هتقبل؟” يومها ماعرفش يرد. ولحد اللحظة دي… مافيش رد غير: لأ. الباب خبط. دخلت السكرتيرة. — صباح الخير يا أستاذ آسر. — صباح النور. — مدام نادين بره، بتقول عندها
اجتماع مع حضرتك. رفع عينه. — مفيش اجتماع. ترددت. — هي بتقول ضروري. سكت لحظة. ثم قال: — خليها تدخل. بعد أقل من دقيقة، دخلت نادين. كانت لابسة بدلة رسمية، شعرها مربوط، وكأن اللي حصل في الحفل مجرد موقف عابر. قفلت الباب وراها. — إنت مختفي من وقت الحفلة. آسر ما ردش. فتحت حقيبتها، وطلعت ملف. — عندنا اجتماع مع المستثمرين الخميس، وكنت محتاجة موافقتك على… قاطعها: — اقعدي. نظرت له. وببطء جلست. آسر شبك صوابعه قدامه. — عايز
أسألك سؤال. ابتسمت نصف ابتسامة. — اتفضل. — إحنا كنا إيه لبعض؟ اتغيرت ملامحها. — تقصد إيه؟ — السؤال واضح. ضحكت بخفة مصطنعة. — زملاء. فضل باصص لها. نظرتها اهتزت. — وأصحاب. — بس؟ صمتت. آسر مال للخلف. — نادين، بلاش نلف. قالت بسرعة: — أنا مش فاهمة إنت عايز توصل لإيه. — الرسائل بعد نص الليل كانت شغل؟ ما ردتش. — لما كنتِ بتقوليلي “وحشتني”، كان شغل؟ — آسر… — لما كنا بنقعد لوحدنا بعد الاجتماعات بالساعات، ده كان شغل؟ شدت فكها. — إنت كمان كنت بتقعد. — عارف. — يبقى ماتحاولش تطلعني أنا المذنبة. — مش بحاول. ردها فاجأها. قال بهدوء: — أنا غلطان أكتر منك. رفعت حاجبيها. — أكتر؟ — لأن أنا اللي متجوز. سكتت. قال: — كان واجبي أحط حدود. — حدود؟ ضحكت
بسخرية. — دلوقتي افتكرت الحدود؟ — أيوه. — بعد ما ليلى مشيت؟ — أيوه. مالت للأمام. — يعني لو ماكانتـش مشيت، كنت هتفضل سايبني أقرب؟ ما ردش فورًا. وهنا نادين ابتسمت. — شوفت؟ آسر ضغط شفايفه. — يمكن. قالت بسرعة: — مش يمكن. أكيد. وقف. اتجه للنافذة. — وده سبب كفاية يخلي اللي بينا يخلص. قامت من مكانها. — يخلص؟ استدار لها. — من النهارده، مفيش كلام شخصي بينا. — آسر… — مفيش رسايل برا الشغل. — استنى. — مفيش سفر لوحدنا. اتسعت
عيناها. — إنت بتتكلم كأن أنا كنت بجبرك على حاجة! — ماقولتش كده. — أمال إيه؟! رفع صوته لأول مرة: — بقول إني كنت غبي! سكتت. صدره كان بيطلع وينزل. — كنت غبي لما افتكرت إن طالما ما لمستكيش يبقى ماعملتش حاجة غلط. نادين بصت له. وعيناها بدأت تلمع. — وإنت فعلًا شايف إنك ما لمستنيش؟ تجمد. لحظة. ثانية. آسر قرب خطوة. — تقصدي إيه؟ ضحكت بمرارة. — نسيت دبي؟ سكت. وفي اللحظة دي… رجعت له ليلة كان بيحاول يدفنها من وقت الحفلة. دبي. قبل
شهرين. بعد مؤتمر طويل. كان هو ونادين قاعدين في لاونج الفندق. شرب قهوة. هي كانت متوترة. حكتله عن علاقتها القديمة. وبعدها سألته: — إنت مبسوط مع ليلى؟ كان المفروض يوقفها. كان المفروض يقول: “دي مراتي، ومش هتكلم عنها بالشكل ده.” لكنه قال: — مش عارف. نادين سكتت. ثم حطت إيدها فوق إيده. هو ما شالش إيده فورًا. كانت لحظة قصيرة. ثواني. لكنها كانت كفاية. ثم قربت منه. وكأنها هتقبله. وقتها آسر قام فجأة. وقال: — لأ. ورجع أوضته. يومها أقنع نفسه إنه
“وقف الغلط”. لكنه لم يسأل نفسه: ليه الغلط وصل للمرحلة دي أصلًا؟ رجع للحاضر. قال بصوت منخفض: — ما حصلش بينا حاجة. نادين ضحكت. — على حسب تعريفك للحاجة. — ماقبلتكيش. — بس ما بعدتنيش من حياتك بعدها. الجملة أصابته في مكان حساس. لأنه فعلًا… بعد يومين، رجعوا يتكلموا عادي. رسائل. اجتماعات. ضحك. كأن اللحظة لم تحدث. قالت نادين: — كنت مستني إيه مني أفهم؟ — كان لازم أكون واضح. — لأ، كان لازم تختار. سكت. نظرت له. — وإنت اخترتني وقتها. رفع
عينه بسرعة. — لأ. — أمال ليه ما قولتش لمراتك؟ ماعرفش يرد. — ليه خبيت؟ — لأني عارف إنها هتزعل. — لأ. قربت منه. — لأنك عارف إنك كنت بتحب اللي بيحصل. آسر أغلق عينيه. الجملة كانت مؤذية لأنها فيها جزء من الحقيقة. هو لم يكن يحب نادين بالشكل اللي يحب ليلى به. لكن كان يحب اهتمامها. حب وجود حد شايفه طوال الوقت. حب الإحساس إنه مهم. ناجح. مرغوب. في حين أن ليلى كانت شايفاه في كل حالاته. نجاحه. فشله. . أنانيته. حقيقته. وده أحيانًا كان أقل
إبهارًا من امرأة لا ترى منه إلا النسخة اللامعة. فتح عينيه. — خلاص. نادين سألته: — خلاص إيه؟ — انتهى. سكتت. ثم قالت بصوت مهزوز: — وأنا؟ — إنتِ هتكملي شغلك، بس مش معايا مباشرة. — بتبعدني؟ — بحط الحدود اللي كان لازم أحطها من الأول. ابتسمت بسخرية وهي تمسح دمعة نزلت غصب عنها. — علشان ليلى؟ — علشان أنا. وقفت ثواني. ثم أخذت حقيبتها. قبل ما تخرج، قالت: — لما ترجعلك، هتفضل تسألك العمر كله أنا كنت إيه. رد من غير تردد: — وأنا . بصت له. — وهتقولها كل حاجة؟ سكت نصف ثانية. ثم قال: — كل حاجة. خرجت. الباب اتقفل. وآسر وقف مكانه. لأن لأول مرة… أدرك إن
استرجاع ليلى مش هيكون أصعب شيء. الأصعب… هيكون قول الحقيقة لها كاملة. في المدينة الساحلية… كانت ليلى واقفة أمام محل صغير، واجهته زجاجية ومقفولة من شهور. صاحب المكتبة، عم فؤاد، واقف جنبها. قال: — المحل ده كان بتاع ابني. بصت له. — وهو فين؟ ابتسم ابتسامة حزينة. — مسافر بره من سنين، ومش ناوي يرجع. لف المفتاح في الباب. — كنت ناوي أأجره. ليلى دخلت. المكان مليان تراب. دهان الحيطان قديم. الإضاءة ضعيفة. لكنها بصت حواليها بعين مختلفة. عين مصممة داخلية كانت نامت سنين. مشيت للمنتصف. — لو الحيطة دي اتفتحت، المساحة هتبان أكبر. عم فؤاد ابتسم.
— واضح إنك بتفهمي. — كنت بشتغل تصميم داخلي. — كنتِ؟ خفضت عينيها. — بطلت بعد الجواز. — ليه؟ ماعرفتش تجاوب بسرعة. لأن الحقيقة كانت غريبة. آسر عمره ما قال لها: “ماتشتغليش.” لكن الشغل قل. ثم المناسبات زادت. ثم السفر معاه. ثم طلباته. ثم بدأت تقول: “بعدين.” و”بعدين” بقت سنين. قال عم فؤاد: — تحبي تعمليلي تصميم للمكان؟ رفعت عينيها. — بجد؟ — آه. ضحكت لأول مرة من قلبها. — طب أنا هوريك أفكار تخليك تندم إنك سألتني. ضحك. — أهو
نشوف. قضت اليوم كله تقيس المكان. ترسم. تكتب ملاحظات. ولما رجعت الشقة، كانت مرهقة. بس مرهقة بطريقة حلوة. فتحت اللابتوب القديم. دخلت على فولدر باسم: مشاريعي. آخر ملف كان من خمس سنين. وقفت عند التاريخ. قبل زواجها بعام. فتحت التصميم. ابتسمت. هي كانت كويسة. كويسة جدًا. فجأة تحرك الطفل في بطنها. حطت إيدها. — إيه؟ عاجبك؟ ركلة صغيرة. ضحكت. — أهو إنتِ أول عميلة توافق من غير تعديلات. رن هاتفها. سلمى. ردت. — ألو. — إيه يا ست
المهندسة؟ ليلى ضحكت. — عم فؤاد كلمك؟ — طبعًا، الراجل فرحان كأنه اكتشف زها حديد. — يا سلام! سلمى سكتت لحظة. ثم قالت: — آسر كلمني تاني. اختفت ضحكتها. — قال إيه؟ — طلب مني أقولك إنه مش هيضغط عليكي. — حلو. — وقال لما تحبي تكلميه، هو مستني. سكتت ليلى. ثم قالت: — تمام. — ليلى… — نعم؟ — إنتِ عايزة تطلقي؟ السؤال نزل عليها فجأة. جلست على طرف الكنبة. — معرفش. — بقالك أسبوع ومابتتكلميش في الموضوع. — لأني فعلًا معرفش. —
طب لو جه دلوقتي وقالك ارجعي؟ ضحكت بمرارة. — هقوله لأ. — ولو بعد شهر؟ — معرفش. سلمى قاعدة مستنياه. أبرر. أسكت. وأشك في نفسي. سلمى سكتت. ليلى تابعت: — أنا طول الشهور اللي فاتت كنت شايفة حاجات غلط… وبرضه كنت بقول يمكن أنا حساسة. نزلت دمعة من عينها. — بقيت ما بثقش حتى في إحساسي. قالت سلمى بهدوء: — طب ماتاخديش قرار دلوقتي. — مش هاخد. — ركزي في نفسك وفي البيبي. — ده اللي بعمله. بعد ما قفلت المكالمة، فضلت ليلى قاعدة. ثم فتحت درج الطاولة. أخرجت صورة زفافها. كانت حاطاها في حقيبتها دون قصد تقريبًا. آسر في الصورة كان بيبصلها بطريقة نسيتها. كأنه مفيش حد غيرها في الدنيا. مررت صباعها على الصورة. وهمست: — إمتى ضيعنا ده؟ ثم
قلبتها على وشها. مر أسبوعان. بدأ المحل يتغير. العمال دخلوا. الحيطان اتدهنت. الخشب اتصلح. والواجهة اتغيرت. ليلى كل يوم تصحى بدري. تنزل. تشرب قهوتها مع عم فؤاد. وتشتغل. بدأ بطنها يظهر أكتر. وبدأ أهل المكان يعرفوها. “المهندسة ليلى.” الاسم كان غريبًا في البداية. وبعدين… بقى جميل. في القاهرة، آسر هو الآخر غير حاجات كثيرة. لغى رحلتين. فوّض مديرًا جديدًا. بدأ يرجع البيت قبل الثامنة. لكن البيت ماكانش فيه حد يشوف التغيير. وده كان الدرس. التغيير لما ييجي بعد الخسارة… مابيضمنش المكافأة. في ليلة الخميس، كان قاعد مع أمه على العشا. منى قالت: — إنت خسيت. — عادي. —
مش عادي. حط الشوكة. — مش جعان. منى بصت له. — كلمت ليلى؟ — لأ. — ليه؟ — مش عايزة. — واستسلمت؟ رفع عينه. — أنا لو رحت وراها بالعافية، هبقى بكرر نفس غلطتي. سكتت. قال: — طول عمري كنت فاكر إن اللي أنا عايزه لازم يحصل. — وإنت لسه عايزها؟ ضحك بحزن. — أكتر من أي وقت. منى سألته: — طب ونادين؟ — انتهت. — حصل بينكم حاجة يا آسر؟ ثبت عينه في الطبق. منى فهمت. — آسر. قال بسرعة: — ما حصلش اللي في دماغك. — أمال إيه حصل؟ رفع
رأسه. وحكى لها. عن دبي. عن إيد نادين. عن اللحظة اللي قربت فيها. عن إنه وقفها. لكن كمل بعدها العلاقة بنفس القرب. منى سمعت لحد الآخر. ولما خلص… قالت: — هتقول لليلى؟ — لازم. — ولو ما تعرفش؟ — أنا عارف. منى تنهدت. — الحقيقة ممكن تخليها تطلب الطلاق. — عارف. — وبرضه هتقول؟ نظر لها. — لو رجعتها بالكذب، يبقى ما رجعتهاش أصلًا. منى سكتت. ولأول مرة من وقت الأزمة… بصت لابنها بشيء من الرضا. مش لأنه أصلح غلطه. لسه بدري. لكن لأنه أخيرًا بدأ
يفكر، لبس أول هدوم وقعت في إيده. اتصل بأمه وهو نازل. — ماما. صوتها نايم: — إيه يا آسر؟ — لقيت ليلى. سكتت. — إزاي؟ — في المستشفى. انتفض صوتها. — مالها؟! — نزيف. — يا ساتر يا رب. — أنا رايح لها. — طمني أول ما توصل. قفل. ركب العربية. وساق. الطريق كان مظلم. والساعة بتتحرك ببطء قاتل. كل شوية كان يبص على صورة السونار اللي حاططها من يوم الحفل في جيب محفظته. ويقول: — استحملي. مش عارف بيكلم مين. ليلى؟ ولا الطفل؟ وصل مع أول ضوء للفجر.
دخل المستشفى شبه بيجري. — ليلى عبد الرحمن فين؟ الممرضة سألت: — حضرتك مين؟ — جوزها. قال الكلمة. وحس إنها لم تعد حقًا مضمونًا. أشارت له على الدور الثاني. طلع. وفي آخر الممر… شاف سلمى. كانت واقفة قدام باب غرفة. أول ما شافته، وشها اتقفل. — إنت عرفت منين؟ — المستشفى اتصلت بيا. — ليه؟ — كنت جهة اتصال للطوارئ من زمان. تحرك ناحية الباب. وقفت قدامه. — استنى. — ابعدي يا سلمى. — هي لسه متوترة. — أنا مش هدخل أعمل مشكلة. —
وجودك نفسه مشكلة عندها. شد فكه. — أنا محتاج أعرف إنها كويسة. — الدكتورة قالت مستقرة. غمض عينه لحظة. — والبيبي؟ — كويس. طلع نفس طويل. حط إيده على الحيطة. كأنه كان ماسك نفسه بيها. ثم قال: — أنا مش همشي. سلمى ردت: — براحتك. بس مش هتدخل غير لما هي توافق. جلس على كرسي في الممر. ساعة. ثم ساعتين. ما تحركش. الممرضات عدوا. الدكاترة دخلوا. خرجوا. وهو مكانه. بعد حوالي ثلاث ساعات، خرجت سلمى. — هي صحيت. قام فورًا. — ممكن أشوفها؟ بصت له. — قالت تدخل. فتح الباب ببطء.




