روايات وقصص

صدمة العمر حكايات اسما السيد 1

لقيت طليقتي بتجمع زبالة من تحت كوبري، وفي اللحظة دي افتكرت إن الدنيا أخيرًا  على اللي عملته فيا.

رميت لها 500 جنيه من شباك العربية وقلت بسخرية:

— إيه؟ المليونير سابك وراح لواحدة غيرك؟

لكنها حتى ما انحنتش تاخد الفلوس.

بصتلي وقالت:

— خليك في فلوسك… يمكن تحتاجها يوم ما تعرف إنت بقيت إنسان عامل إزاي.

وسابتني ومشيت.

لما مشيت وراها لحد أوضة متهالكة في منطقة شعبية، شوفت أدوية، وسرير قديم…

وفوق السرير كان نايم الراجل اللي المفروض عايش في دار رعاية خاصة وفخمة!

الجزء الأول

— خديهم… بالنسبة لواحدة بتاكل عيش من الزبالة، خمسمية جنيه لسه ليهم قيمة، مش كده؟

قلت الجملة دي من شباك عربيتي بمنتهى القسوة.

والنهارده، كل ما أفتكرها، بكره نفسي عليها.

الدنيا كانت بتمطر، وأنا واقف بالعربية وسط زحمة خانقة بعد يوم شغل طويل.

كان عندي 39 سنة، وصاحب سلسلة معارض أثاث ناجحة، والفلوس خلتني مقتنع إني بقيت أفهم الناس كويس، وإن محدش يقدر يضحك عليا.

وفجأة شوفتها.

ست رفيعة جدًا، لابسة جاكيت أزرق قديم ومقطوع من كذا حتة، واقفة جنب صناديق الزبالة بتفرز زجاجات البلاستيك والكرتون المبلول.

هبة هوا قوية كشفت وشها.

وقتها قلبي وقف.

دي كانت…

طليقتي.

نفس الست اللي من تلات سنين اتهمتها إنها خانتني وسرقت أكتر من اتنين مليون جنيه من شركتي.

ونفس الست اللي طردتها من بيتي في ليلة مطر، من غير حتى ما أديها فرصة تدافع عن نفسها.

طلعت ورقة بخمسمية جنيه، كرمتها بإيدي ورميتها من الشباك.

وقعت في بركة مية قدام رجليها.

ضحكت وقلت:

— مالك؟ فين المليونير اللي سيبتيني عشانه؟ ولا هو كمان زهق منك ورماكي؟

طليقتي بصت للفلوس.

وبعدين رفعت عينيها وبصتلي.

ماكانش في نظرتها ذل.

ولا حتى غضب.

قالت بهدوء:

— احتفظ بفلوسك… يمكن تعرف تشتري بيها شوية راحة لما تكتشف إنت ظلمت مين.

زقت الفلوس بجزمتها ناحية عربيتي، ولفت ومشيت.

مش عارف ليه نزلت من العربية ومشيت وراها.

يمكن علشان لاحظت الكيس اللي كانت حضناه لصدرها.

كان مليان أدوية، وفي إيدها التانية علبة فيها شوربة.

ويمكن علشان لاحظت إنها كانت بتعرج وهي ماشية.

لأول مرة من تلات سنين، بدأت أسأل نفسي:

طب لو القصة اللي أنا صدقتها… ماكانتش الحقيقة؟

فضلت ماشي وراها لحد ما دخلت منطقة شعبية فقيرة، الشوارع فيها مليانة طين والبيوت بسيطة جدًا.

وقفت قدام أوضة صغيرة ودخلت.

قربت من الباب، وسمعتها بتقول بحنان:

— أنا جيت يا بابا… وجبتلك الشوربة سخنة زي ما بتحب.

اتجمدت مكاني.

بابا؟!

إحنا أصلًا ماكانش عندنا أطفال.

دفعت الباب سنة صغيرة وبصيت للداخل.

وهنا…

حسيت إن الأرض اتهزت تحت رجلي.

كان فيه راجل كبير في السن نايم فوق سرير بسيط، نص جسمه مشلول، ووشه متأثر بجلطة، وشعره بقى أبيض بالكامل.

عرفته من أول نظرة.

ده أبويا.

أبويا اللي بقالي ست شهور بدفع لأختي 35 ألف جنيه كل شهر علشان تقعده في دار رعاية خاصة، فيها تمريض وعلاج طبيعي ورعاية على مدار الساعة.

كل أسبوع كانت أختي تبعتلي صور وفيديوهات ليه وسط جناين الدار، أو في جلسات العلاج الطبيعي.

لكن أبويا كان قدامي دلوقتي…

نايم على  متهالك.

وطليقتي هي اللي بتمسح بوقه، وبتأكله شوربة اشترتها من الفلوس اللي جمعتها من تدوير المخلفات.

دخلت الأوضة من غير ما أفكر وصرخت:

— يا بابا!

أبويا أول ما شافني دموعه نزلت.

حاول يتكلم، لكن الجلطة كانت مأثرة على كلامه.

مسكت إيده وبعدين لفيت لطليقتي.

وللأسف…

بدل ما أسأل وأفهم، رجعت أتهمها من جديد.

صرخت فيها:

— إنتِ عملتي فيه إيه؟! وأبويا بيعمل عندك هنا ليه؟!

بصتلي للحظات، وبعدها فتحت درج قديم وطلعت منه مجموعة أوراق ورمتهم قدامي على الترابيزة.

وقالت:

— لسه زي ما إنت… بتتهم الأول وبعدين تسأل.

مسكت أول ورقة.

كانت ورقة خروج من مستشفى حكومي.

قريت المكتوب فيها، وإيدي بدأت ترتعش.

أحد أفراد الأسرة طلب إخراج والدي من المستشفى ورفض استكمال علاجه.

وفي آخر الورقة…

كان فيه توقيع.

توقيع أختي.

همست وأنا مش مصدق:

— مستحيل… أختي بتبعتلي فيديوهات لأبويا من دار الرعاية كل أسبوع.

طليقتي ضحكت بمرارة وقالت:

— يبقى اسأل أختك الفيديوهات دي كانت بتجيبها منين.

سكتت لحظة، وبعدين قالت:

— واسألها كمان مين اللي ساب أبوك آخر الليل في مستشفى حكومي من غير فلوس ولا حتى هدوم زيادة.

بصيت لها وأنا عاجز عن الكلام.

فكملت:

— المستشفى حاول يوصل لحد من أهله… ومحدش رد.

قربت من سرير أبويا وقالت:

— الشخص الوحيد اللي قدروا يوصلوله… كان مرات ابنه السابقة، اللي العيلة كلها طردتها واتهمتها بالسرقة والخيانة.

بصيت لأبويا.

ولما نطقت اسم أختي…

شد على إيدي بكل قوته.

وبدأ يهز راسه بعنف وكأنه بيحاول يحذرني منها.

هنا طليقتي قربت مني وقالت بصوت منخفض:

— ولو فاكر إن اللي أختك عملته في أبوك هو أسوأ حاجة هتعرفها النهارده… تبقى غلطان.

بصيتلها بصدمة:

— قصدك إيه؟

بصت ناحية أبويا، وبعدين رجعت بصتلي وقالت:

— لأنك لسه ما تعرفش أبوك وصل للحالة دي إزاي أصلًا.

في اللحظة دي فهمت إن كل حاجة صدقتها خلال التلات سنين اللي فاتوا…

ممكن تكون كدبة.

وإن الحقيقة اللي جاية…

ممكن تهد عيلتي كلها فوق دماغي.”الحكاية لم تنتهِ بعد…”

وقفت قدام أبويا وأنا حاسس إن الأوضة الصغيرة بتضيق عليا أكتر مع كل نفس.

بصيت للورقة اللي في إيدي، وبعدين لطليقتي، وقلت:

— إنتِ بتقولي إن أختي هي اللي خرجت أبويا من المستشفى وسابته؟

ردت من غير ما ترفع صوتها:

— أنا مش بقول… الورق هو اللي بيقول.

— طب والفيديوهات؟ والصور؟ ودار الرعاية اللي أنا بدفع لها كل شهر؟

قربت من الترابيزة، وطلعت موبايل قديم شاشته مكسورة من جنب، وفتحته.

— بص كويس.

كان فيه فيديو لأبويا قاعد على كرسي متحرك وسط جنينة خضرا، والممرضة واقفة جنبه.

نفس الفيديو اللي أختي بعتهولي من حوالي شهر.

قالت طليقتي:

— ركز في التاريخ اللي ظاهر على الشاشة اللي وراه.

كبرت الصورة.

حسيت ببرودة في جسمي.

التاريخ كان من سنة وشهرين.

قبل ما أبويا يدخل المستشفى أصلًا.

رفعت عيني لها.

— الفيديو قديم؟

قالت:

— وكل الفيديوهات اللي اتبعتتلك تقريبًا قديمة.

قعدت على الكرسي وأنا مش قادر أستوعب.

خمسة وتلاتين ألف جنيه كل شهر.

ست شهور.

يعني أكتر من ميتين ألف جنيه كنت بحولهم لأختي علشان علاج أبويا.

سألتها:

— الفلوس راحت فين؟

ردت:

— السؤال ده تسأله لأختك.

سكتت لحظة، وبعدين أضافت:

— بس قبل ما تروح لها… لازم تعرف ليه أبوك اتصاب بالجلطة.

بصيت لأبويا.

عينيه اتملت خوف.

طليقتي قربت منه وقالت:

— عمو، لازم يعرف.

أبويا بدأ يحرك راسه كأنه رافض.

قلت:

— يعرف إيه؟

فتحت دولاب صغير وطلعت ظرف بني.

حطته قدامي.

— أبوك كان محتفظ بده.

فتحت الظرف.

لقيت جواه نسخة من كشف حساب بنكي، وصور تحويلات، وورقة مكتوب عليها بخط إيد أبويا.

قريت أول سطر…

واتجمدت.

“الفلوس اللي اختفت من شركة ابني ما سرقتهاش مراته.”

رفعت رأسي بسرعة.

بصيت لطليقتي.

هي ما قالتش حاجة.

رجعت أكمل.

“أنا عرفت الحقيقة بعد الطلاق بسنة تقريبًا، وحاولت أصلح اللي حصل، لكني اكتشفت إن اللي سرق الفلوس شخص من العيلة.”

إيدي بدأت ترتعش.

قلت:

— مين؟

 ردت:

— كمل قراءة.

لكن باقي الورقة كان مقطوع.

بصيت لها بعصبية:

— فين الباقي؟!

— أبوك قطعه.

بصيت لأبويا.

بدأت دموعه تنزل.

قلت له:

— يا بابا… مين سرق الفلوس؟

حاول يتكلم.

صوته خرج متقطع:

— أ… أ…

قربت منه.

— قول يا بابا.

رفع إيده المرتعشة، وأشار ناحية باب الأوضة.

وفي نفس اللحظة…

سمعنا صوت خطوات بره.

وبعدها خبط عنيف على الباب.

طليقتي اتغير لون وشها.

همست:

— مستحيل… عرفوا المكان إزاي؟

قلت:

— مين؟

لكن قبل ما ترد، الباب اتفتح بعنف.

دخل راجلين.

واحد منهم بصلي واتصدم لما شافني.

والتاني بص لطليقتي وقال:

— إحنا قولنالك تبعدي عن الموضوع ده.

وقفت قدامه فورًا.

— وإنت مين؟

الراجل سكت.

لكن عيني وقعت على حاجة كانت طالعة من جيب جاكيته.

كارت موظف.

عليه شعار شركتي.

مديت إيدي وخطفته.

وقريت الاسم.

كان واحد من موظفي الحسابات القدام في الشركة.

واحد من الناس اللي شهدوا ضديها وقت قضية السرقة.

بصيتله وقلت:

— إنت بتعمل إيه هنا؟

وشه اتغير.

وطليقتي قالت من ورايا:

— دلوقتي بدأت تفهم؟

لفيت لها.

قالت:

— الناس اللي شهدوا إن أنا سرقت شركتك… هما نفسهم اللي حاولوا يمنعوا أبوك من الكلام.

حسيت إن قلبي بيخبط بعنف.

الراجل حاول يمشي.

مسكته من دراعه.

— محدش هيمشي.

زق إيدي وقال:

— إنت مش فاهم حاجة.

قلت:

— فهمني.

ضحك بسخرية.

— اسأل أختك.

الجملة وقعت عليا زي الصاعقة.

أبويا بدأ يضرب بإيده على  بعصبية.

وطليقتي قالت:

— الليلة اللي جاله فيها الجلطة… كان رايح يواجه أختك.

بصيت لها.

— يواجهها بإيه؟

قالت:

— بأنه اكتشف مين اللي سرق الاتنين مليون من شركتك.

سكتت ثانيتين.

وبعدين قالت:

— ومين اللي لفّق التهمة ليا.

حسيت إن نفسي اتقطع.

لكن الصدمة الأكبر كانت لما أبويا حاول ينطق كلمة واحدة.

طلعها بصعوبة شديدة:

— بنتي…

بصيتله.

قال مرة تانية:

— بنتي…

وفجأة فهمت.

أختي.

الإنسانة اللي وقفت جنبي يوم طلاقي.

اللي كانت بتقولي كل يوم:

“كويس إنك اكتشفت حقيقتها بدري.”

هي نفسها اللي أبويا كان بيحاول يحذرني منها.

لكن كان لسه عندي سؤال واحد.

بصيت لطليقتي وقلت:

— لو إنتِ عرفتي كل ده… ليه ما جيتيش قولتيلي؟

ابتسمت ابتسامة موجوعة.

وقالت:

— جيت.

سكتت.

وبعدين بصت في عيني مباشرة:

— بس إنت اللي خليت الأمن يرموني بره شركتك.

افتكرت اليوم.

ست واقفة عند الاستقبال بتصرخ إنها لازم تقابلني.

وأنا قلت للسكرتيرة:

“لو هي… خلي الأمن يطلعها بره.”

وقتها كنت فاكر إنها جاية تطلب فلوس.

ما كنتش أعرف إنها جاية تنقذ أبويا…

وتثبت براءتها.

نزلت عيني للأرض من الخجل.

لكنها قالت:

— ولسه فيه حاجة أهم.

رفعت رأسي.

طلعت مفتاح صغير من جيبها وحطته قدامي.

— أبوك إداني المفتاح ده قبل الجلطة بساعات.

— مفتاح إيه؟

ردت:

— خزنة قديمة في بيت العيلة.

وبعدين قربت مني وقالت:

— وأبوك قاللي بالحرف: لو حصلي حاجة… خلي ابني يفتحها بنفسه.

بصيت للمفتاح في إيدي.

وفي اللحظة دي، موبايل الرجل اللي دخل علينا رن.

بص للشاشة.

وشه اصفر.

أنا شفت الاسم قبل ما يقفل المكالمة.

اسم أختي.

وهنا عرفت إن المواجهة الجاية…

مش هتكون بيني وبين غريب.

هتكون بيني وبين أختي.

والخزنة اللي في بيت العيلة…

كان جواها السر اللي بدأ كل حاجة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى