بعد 40سنه حكايات اسما السيد 2

الفصل الرابع: البند اللي خلّى خالد يشك في أقرب الناس
خالد فضل ماسك الموبايل، وكأنه مش قادر يستوعب كلام ياسين.
— استنى… إنت بتقول إن ريم اتصلت بيك؟
— أيوه.
— وقالت لك إيه بالحرف؟
ياسين اتنهد.
— قالت إنها عارفة إن فيه وصية، وإن وجودي فيها هيعمل مشاكل كبيرة، وإن الأفضل “نحل الموضوع بينا بهدوء”.
خالد ضحك ضحكة قصيرة كلها عصبية.
— وهي تعرف أصلًا إنت مين من إمتى؟
سكت ياسين.
الصمت لوحده كان إجابة.
خالد شد على الموبايل.
— ياسين… أنا بسألك.
— من زمان.
— يعني إيه من زمان؟!
— مراتك عرفت بوجودي قبل أبوك بحوالي سنة.
خالد حس إن رجله مش شايلة جسمه.
قعد على أقرب كرسي.
— إزاي؟
— قابلتني بالصدفة عند بيت والدك.
— وصدفة عرفت إنك ابنه؟
— لأ.
ياسين سكت ثانية، وبعدين كمل:
— سمعت كلام بيني وبين أبوك.
خالد افتكر حاجات كتير مرة واحدة.
ريم كانت دايمًا مهتمة بأوراق أبوه.
كل شوية تسأله:
— باباك عامل وصية؟
— البيت متسجل باسم مين؟
— الحسابات مشتركة ولا منفصلة؟
وكان خالد يرد وهو مش واخد باله:
— يا بنتي إحنا عيلة واحدة.
دلوقتي الجملة نفسها بقت تخوفه.
قال:
— طب إيه البند اللي إنت بتتكلم عنه؟
ياسين رد:
— لازم تسمعه من المحامي.
— قول لي.
— ماينفعش.
— أنا أخوك!
ياسين ضحك بحزن.
— دلوقتي بقيت أخوك لما احتجت إجابة؟
الكلمة
خالد سكت.
ياسين هدّى صوته.
— معلش… مش قصدي . بس أنا عشت سنين شايف أبويا من بعيد، شايفك إنت معاه في الصور والمناسبات، وأنا معرفش حتى أقول للناس إنه أبويا.
خالد رد بصوت أخف:
— وأنا ماكنتش أعرف إنك موجود.
— عارف.
— طب ساعدني أفهم.
ياسين قال:
— روح للمحامي بكرة. وقبل ما تروح، خد بالك من حاجة.
— إيه؟
— ما تقولش لريم إنك رايح.
المكالمة انتهت.
خالد فضل قاعد مكانه.
وفي اللحظة دي، الباب اتفتح.
ريم دخلت.
— مين كان بيكلمك؟
بصلها طويل.
— واحد صاحبي.
— صاحبك مين؟
— هو تحقيق؟
ريم قربت منه.
— خالد، إحنا في موقف خطير. فيه واحد ظهر فجأة وبيقول إنه أخوك، ووصية مش واضحة، ووالدتك سافرت من غير ما تقول…
قاطعها:
— أمي قالت.
— قالت إيه؟
— إنها عندها حياة.
ريم قلبت عينيها.
— بالله عليك مش وقت فلسفة.
خالد لأول مرة ركز في طريقة كلامها عن أمه.
قبل كده كان بيسمع نفس الجمل ويمررها.
لكن دلوقتي كل كلمة بقت ليها طعم مختلف.
قال:
— إنتِ عرفتي ياسين من قبل؟
وشها اتغير لحظة.
لحظة صغيرة جدًا.
لكن خالد شافها.
— ياسين مين؟
— أخويا.
— وأنا أعرفه منين؟
— بسألك.
— لأ طبعًا.
خالد هز راسه.
— تمام.
ريم قربت.
— إنت مش مصدقني؟
ابتسم ابتسامة باردة.
— أنا بسأل.
خرج من الأوضة.
وريم فضلت مكانها.
لكن بعد ما الباب اتقفل…
طلعت موبايلها بسرعة.
وبعتت رسالة لرقم مسجل من غير اسم:
“خالد بدأ يشك.”
الفصل الخامس: الرسالة اللي وصلتلها وأنا في نص البحر
صحيت الصبح على صوت البحر.
لحظة واحدة نسيت كل حاجة.
نسيت خالد.
نسيت البيت.
نسيت الوصية.
نسيت حتى إني أرملة من فترة قصيرة.
قعدت على الشرفة الصغيرة بتاعة الكابينة، وعملت لنفسي قهوة.
كنت فاكرة إن السفر هيخليني من المشاكل.
لكن الحقيقة إن المشاكل مش بتختفي لمجرد إنك غيرت المكان.
الموبايل نور.
رسالة من المحامي.
“خالد طلب يقابلني النهارده لوحده.”
وبعدها مباشرة رسالة تانية.
“وفي حاجة لازم تعرفيها. مرات خالد حاولت تدخل المكتب امبارح وتسأل عن نسخة الوصية.”
قعدت مستقيمة.
كتبت:
“دخلت؟”
رد:
“لأ. لكن واضح إنها تعرف أكتر مما المفروض تعرف.”
حسيت بقلق قديم بيرجع.
ريم من أول يوم دخلت حياتنا وأنا ما ارتحتش لطريقتها في الكلام عن الفلوس.
مش لأنها بتحب الفلوس.
كلنا بنحتاجها.
لكن لأنها كانت بتتعامل مع أي حاجة كأنها صفقة.
حتى الحب.
حتى الزيارات.
حتى حفيدتي.
كل حاجة لازم يكون ليها مقابل.
لكن عمري ما توقعت إنها توصل للدرجة دي.
فتحت ملف قديم على موبايلي.
كان جوزي بعتلي قبل وفاته بشهر تسجيل صوتي.
يومها قال لي:
— خليه عندك… يمكن تحتاجيه بعدين.
ما سمعتوش من وقتها.
كنت خايفة.
لكن دلوقتي ضغطت تشغيل.
صوته طلع ضعيف.
ومتعب.
— نادية… لو إنتِ بتسمعي التسجيل ده، يبقى أنا غالبًا مش موجود.
قفلت عيني.
صوته كمل:
— أنا عارف إنك غضبانة مني في حاجات كتير، ومن حقك. بس فيه حاجة ما قلتهاش لك كاملة.
فتحت عيني.
— ريم جاتلي من حوالي سنة.
نفسي وقف.
— قالت لي إنها عرفت موضوع ياسين.
قلبي بدأ يدق أسرع.
— وطلبت مني أكتب البيت لخالد قبل ما . قالت إنها خايفة يحصل خلاف.
سكت شوية.
وبعدين صوته بقى أوطى.
— بس أنا حسيت إنها مش خايفة على خالد… حسيت إنها خايفة على اللي ممكن يضيع منها.
إيدي بردت.
التسجيل كمل:
— وبعدها حصلت حاجة .
سكت.
سمعت نفسه.
— لقيت أدوية في درج مكتبي أنا ما باخدهاش.
وقفت من مكاني.
— سألت نادية، قالت إنها عمرها ما شافتها. سألت الدكتور، قال إنها ممكن تعمل هبوط شديد لو اتاخدت مع أدويتي.
حطيت إيدي على بوقي.
أنا فعلًا فاكرة اليوم ده.
افتكرت إني كنت أنا اللي لخبطت.
وقتها هو طمني وقال:
— بسيطة.
لكن ما كانتش بسيطة.
صوته كمل:
— ماعنديش دليل إن حد كان عايز يأذيني. ومش عايز أتهم حد ظلم. علشان كده الوصية فيها بند احتياطي.
التسجيل وقف.
ثانيتين.
وبعدين رجع صوته:
— لو وفاتي حصلت بطريقة فيها أي شك… المحامي عنده تعليمات يفتح ملف الأدوية.
حسيت الدنيا حواليّ سكتت.
جوزي مات وقالوا جلطة.
وكلنا صدقنا.
لكن فجأة…
فكرت في الليلة الأخيرة.
ريم كانت عندنا.
قالت إنها جاية تساعدني.
هي اللي رتبت علبة الدوا.
هي اللي قالت لي:
— روحي نامي شوية يا ماما، أنا هاقعد معاه.
وأنا…
لأول مرة من سنين…
دخلت أوضتي ونمت.
الفصل السادس: خالد يفتح الملف الممنوع
دخل خالد مكتب المحامي الساعة عشرة الصبح.
لوحده.
قعد.
المحامي ما ضيعش وقت.
— حضرتك جاهز تسمع كل حاجة؟
— أيوه.
فتح ملف سميك.
— والدك حط شرط واضح. لو حصل خلاف على الوصية، أو ظهرت محاولة ضغط على ياسين أو والدتك، نفتح الملف ده.
خالد قال:
— حصل ضغط.
— عارف.
— منين؟
— أخوك بلغني بمحاولة التواصل معاه.
خالد عض على سنانه.
المحامي طلع صورة.
علبة دواء.
— تعرف دي؟
خالد بص.
— لأ.
— دي اتصورت في مكتب والدك قبل وفاته بشهرين.
— وبعدين؟
— الدوا ده مش ضمن علاجه.
— يعني؟
— يعني إن وجوده في البيت كان غريب.
خالد بدأ يتوتر.
— بتلمح لإيه؟
— أنا مش بلمح. أنا بعرض مستندات والدك.
طلع ورقة تانية.
تقرير من دكتور.
وبعدها ورقة بخط أبوه.
“لو حصل لي شيء، راجعوا الأيام اللي ريم كانت بتقعد فيها معايا.”
خالد اتجمد.
— لأ.
المحامي قال:
— عارف إن الكلام صعب.
— لأ. مستحيل.
— أنا ما قلتش إنها عملت حاجة.
— بس أبويا كان شاكك فيها!
— كان قلقان.
خالد قام.
— ليه ما قالش لي؟!
المحامي رد:
— حاول.
— إمتى؟
— قبل موته بأسبوع.
خالد افتكر مكالمة.
أبوه اتصل بيه.
وقال:
— تعالى عايز أكلمك لوحدنا.
وخالد وقتها كان مشغول.
قال له:
— بكرة يا بابا.
وبكرة ماجاش.
قعد خالد تاني.
إيده على وشه.
— يا نهار أبيض…
المحامي كمل:
— وفي آخر بند من الوصية، والدك كتب إن لو ظهر أي دليل على تدخل متعمد في علاجه، يتم وقف أي توزيع للأصول لحين انتهاء التحقيق القانوني.
خالد رفع عينه.
— والتحقيق ده اتفتح؟
— لسه.
— ليه؟
— والدتك كانت رافضة.
— أمي؟!
— قالت إنها مش عايزة تتهم حد من غير دليل.
خالد قال بصوت متكسر:
— حتى دي كانت بتحاول تحمينا.
المحامي ما ردش.
طلع فلاشة صغيرة.
— دي نسخة من تسجيل كاميرا داخلية.
خالد بص لها.
— كاميرا إيه؟
— والدك ركب كاميرا صغيرة في مكتبه قبل وفاته بشهر.
— وليه محدش قال لي؟
— لأنه طلب السرية.
خالد أخد الفلاشة.
— فيها إيه؟
المحامي قال:
— أنا ما شفتش كل التسجيلات.
— يعني إيه؟
— والدك اشترط إنها تتفتح بحضورك أو حضور والدتك.
خالد قام.
— هشوفها دلوقتي.
رجع البيت.
ريم ما كانتش موجودة.
دخل أوضة أبوه.
قفل الباب.
فتح اللابتوب.
وصل الفلاشة.
كان فيها ملفات بتواريخ.
بدأ يدور.
لحد ما لقى تاريخ قبل أبوه بيومين.
فتح.
ظهر أبوه قاعد على الكرسي.
بعد ثواني دخلت ريم.
كانت ماسكة كوب مية.
حطته قدامه.
قالت:
— خدت دوا الضغط؟
قال:
— لأ، نادية قالت الساعة تسعة.
ريم فتحت علبة الدوا.
طلعت قرص.
— خد ده دلوقتي أحسن، الضغط كان عالي الصبح.
أبوه بص للقرص.
— ده مش شكله.
ريم قالت بسرعة:
— الشركة غيرت الشكل.
مد إيده.
لكن قبل ما ياخده…
صوت نادية جه من بره.
— ريم؟
ريم بسرعة رجعت القرص في جيبها.
وقامت.
خالد وقف الفيديو.
رجعه.
كبر الصورة.
بص على إيدها.
نفس شكل القرص اللي في صورة الملف.
وشه اصفر.
لكن الفيديو لسه ما خلصش.
ضغط تشغيل.
بعد ما خرجت نادية من المكان، ريم رجعت.
وأبوه قال لها:
— أنا عارف إنك بتدوري على الوصية.
ريم وقفت.
— حضرتك فاهم غلط.
— وإنتِ عارفة ياسين من زمان.
وشها اتغير.
قالت:
— أنا بس خايفة على خالد.
أبوه رد:
— اللي خايف على خالد ما يحولوش لإنسان مستني أمه وأبوه يموتوا.
ريم قربت.
— حضرتك ظالمنا.
أبوه رد:
— يمكن. علشان كده الورق مش هيتغير.
ريم قالت:
— يعني هتدي الغريب من حق ابنك؟
أبوه خبط بإيده على الكرسي.
— ياسين ابني.
ريم سكتت.
أبوه كمل:
— ونادية صاحبة حق أكتر منكم كلكم.
ريم قالت ببرود:
— حضرتك تعبان وممكن رأيك يتغير.
أبوه رد:
— رأيي اتغير فعلًا.
ثم قرب منها وقال:
— ومن النهارده، إنتِ ممنوع تدخلي مكتبي لوحدك.
الفيديو خلص.
خالد فضل باصص للشاشة.
كان نفسه يلاقي تفسير.
أي تفسير.
لكن مفيش.
سمع صوت باب البيت.
ريم رجعت.
قفل اللابتوب بسرعة.
خرج.
كانت شايلة أكياس.
بصت له.
— إنت رجعت بدري.
قال:
— آه.
— قابلت المحامي؟
وقف.
— لأ.
ريم اتنهدت براحة صغيرة.
واضحة جدًا.
خالد شافها.
قال:
— كنتِ فين؟
— عند ماما.
— كلمتي ياسين؟
الشنطة وقعت من إيدها.
ثانية واحدة.
وبعدين قالت:
— مين قال لك؟
خالد حس إن آخر جزء جواه كان بيحاول يصدقها…
انكسر.
الفصل السابع: المواجهة
ريم قعدت.
وشها بقى شاحب.
— خالد… اسمعني.
قال:
— أنا سامع.
— الموضوع مش زي ما إنت فاهم.
— وإنتِ تعرفي أنا فاهم إيه؟
سكتت.
قال:
— عرفتي ياسين من سنة.
ما ردتش.
— طلبتي من أبويا يكتب البيت باسمي.
سكتت.
— حاولتي تخلي ياسين يتنازل.
قالت بسرعة:
— علشانك!
ضحك.
— علشاني؟
— أيوه! إنت مش شايف؟ أهلك كانوا بيلعبوا بيك. أبوك مخبي ابن، وأمك مخبية فلوس، وفجأة يظهر واحد ياخد من اللي المفروض يبقى ليك!
خالد قال:
— المفروض؟
— أيوه، المفروض!
— ومين قال إن فلوسهم بتاعتي؟
ريم قامت.
— إنت ابنهم الوحيد!
قال بحدة:
— طلع مش الوحيد.
— حتى لو! إنت اللي عشت معاهم!
خالد قرب منها.
— وإنتِ حاولتي تدي أبويا دوا مش بتاعه؟
وشها اتجمد.
مافيش حركة.
مافيش نفس.
قالت:
— إيه؟
خالد عرف من رد فعلها إنها فاهمة كويس.
— فيه فيديو.
ريم رجعت خطوة.
— فيديو إيه؟
— إنتِ عارفة.
بدأت تعيط.
— خالد، أنا كنت بحاول أساعده.
— الدوا ده ماكانش بتاعه.
— الدكتور غيره.
— كدب.
صرخت:
— ماعملتش له حاجة!
— أنا ما قلتش إنك عملتي.
سكتت.
كانت وقعت.
من غير ما يقصد.
خالد قال بهدوء مخيف:
— بس واضح إن عندك حاجة خايفة منها.
ريم مسكت دراعه.
— خالد، أنا مراتك.
سحب إيده.
— وأمي أمي… وأنا كنت بعاملها كأنها خدامة.
بكت.
— متقلبش الموضوع عليا.
— أنا اللي قلبته عليكي؟ إنتِ اللي جيتي بعد أسبوع من موت أبويا ورميتي الحيوانات عندها، وطلبتي منها تنظف!
— وهي وافقت!
خالد صرخ:
— لأنها طول عمرها بتوافق!
سكت البيت.
حتى خالد نفسه اتفاجئ من الجملة.
كانت أول مرة يفهم.
أمه ما كانتش ضعيفة.
كانت متعودة تتنازل.
وهو استغل ده.
قال لريم:
— إنتِ هتروحي عند أهلك كام يوم.
— بتطردني؟
— لحد ما أفهم الحقيقة.
— لو خرجت مش هرجع.
خالد رد:
— براحتك.
ريم خدت شنطتها.
لكن قبل ما تخرج، قالت:
— أمك هي اللي عملت فينا كده.
خالد بص لها.
— لأ.
وسكت شوية.
— إحنا اللي عملنا فيها كده.
الباب اتقفل.
الفصل الثامن: أول مرة ابني يعتذر
كنت راجعة للسفينة بعد يوم طويل لما خالد اتصل.
كنت ناوية ما أردش.
لكن حاجة جوايا قالت لي أرد.
— ألو؟
صوته كان هادي.
غريب.
— أمي.
— نعم؟
سكت.
وبعدين قال:
— أنا آسف.
وقفت.
من أربعين سنة وأنا بسمع:
حاضر.
معلش.
اعملي.
استحملي.
لكن كلمة “آسف” من خالد؟
يمكن أول مرة أسمعها بصدق.
قلت:
— على إيه؟
قال:
— على حاجات كتير.
سكت.
— على إني جيت لك بعد موت بابا وما سألتكيش إنتِ عاملة إيه.
نفسي تقيل.
— وعلى إني سيبت بنتي تتكلم عن البيت وكأنك مش موجودة.
دموعي نزلت.
— وعلى إني صدقت طول عمري إنك فاضية علشاننا.
مسحت دموعي بسرعة.
قال:
— أنا شفت .
قلبي وقع.
— إيه؟
— بتاع ريم مع بابا.
قعدت على أقرب كرسي.
— خالد…
— عارف إنك كنتِ خايفة
— لسه ماعندناش دليل إنها أذت أبوك.
— بس عندنا سبب نسأل.
قلت:
— إوعى تعمل حاجة بعصبية.
ضحك بحزن.
— طول عمري كنت بقول لك إنتِ حساسة… دلوقتي إنتِ اللي بتهديني.
قلت:
— أنا أمك في الآخر.
رد بسرعة:
— بس مش خدامتي.
سكت.
الكلمة وجعتني وفرحتني في نفس الوقت.
قال:
— ارجعي.
بصيت للبحر.
— لأ.
— مش علشان الحيوانات.
ضحكت.
— عارفة.
— محتاجك.
قلت:
— وأنا محتاجة نفسي.
سكت.
كنت متوقعة يضغط.
لكن قال:
— تمام.
وهنا عرفت إن حاجة جواه اتغيرت فعلًا.
قال:
— كملي رحلتك.
دموعي زادت.
— خالد…
— بس خليكِ تردي عليا كل كام يوم.
ضحكت.
— حاضر.
قال:
— وياسين؟
— ماله؟
— عايز أقابله.
قلت:
— قابله.
— هتزعلي؟
— أنا فضلت مستنية اليوم ده سنين.
سكت شوية.
وبعدين قال:
— أمي…
— نعم؟
— بابا كان بيحبك؟
السؤال فاجئني.
بصيت للبحر.
قلت:
— بطريقته.
— وده كان كفاية؟
ابتسمت بحزن.
— زمان كنت فاكرة كده.
— ودلوقتي؟
قلت:
— دلوقتي عرفت إن الحب لوحده من غير احترام لوقت الإنسان وأحلامه… ساعات ما يكفيش.
ما ردش.
قلت:
— بس أبوك في آخر أيامه فهم.
— متأخر.
— أيوه.
— وإنتِ سامحتيه؟
بصيت للسما.
— أنا سافرت يا خالد.
— يعني؟
— يعني بدأت أسامح نفسي الأول.
الفصل التاسع: اللقاء بين الأخوين
خالد وصل الكافيه قبل الموعد بعشرين دقيقة.
كان متوتر أكتر من يوم فرحه.
كل ما الباب يفتح، يبص.
لحد ما دخل ياسين.
نفس الطول تقريبًا.
نفس طريقة المشي.
وأسوأ حاجة…
نفس عيون أبوهم.
وقفوا قصاد بعض.
ولا واحد عارف يعمل إيه.
يسلم؟
يحن؟
يتخاق؟
ياسين مد إيده.
— خالد.
خالد بص لإيده.
وبعدين حضه.
الحضن كان قصير.
مرتبك.
لكن حقيقي.
قعدوا.
خالد قال:
— كنت بتشوفه قد إيه؟
— أبوك؟
— أبونا.
ياسين ابتسم.
— أول مرة تقولها؟
خالد قال:
— أول مرة يبقى عندي أخ أصلًا.
ياسين حرك المعلقة في القهوة.
— كنت بشوفه قليل.
— كنت زعلان منه؟
— جدًا.
— وبتحبه؟
— جدًا.
خالد ضحك.
— شكل دي مشكلة وراثية في العيلة.
الاتنين ضحكوا.
لأول مرة.
بعدها خالد قال:
— إنت عايز من الورث إيه؟
ياسين بص له.
— ولا حاجة.
— ماتقولش كده.
— أنا فعلًا مش عايز.
— طب والوصية؟
— أبوك سايب لي عيادة صغيرة كانت باسمه. أنا أصلًا اللي بشتغل فيها.
خالد اتفاجئ.
— بس؟
— بس.
— والبيت؟
— ملوش علاقة بيا.
— والمحامي قال إن فيه مستفيدين بعد أمي.
ياسين قال:
— فيه.
— مين؟
ياسين شرب قهوته.
— إنت، بنتك…
وسكت.
خالد رفع عينه.
— ومين؟
ياسين قال:
— جمعية علاج مرضى كبار السن.
خالد قعد ساكت.
فهم.
أمه اللي قضت سنين ترعى أبوه…
اختارت إن جزء من اللي تملكه يروح لناس عايشين نفس التعب.
قال:
— أمي عملت كده؟
— أيوه.
— وإنت عرفت؟
— هي قالت لي.
خالد ابتسم بحزن.
— واضح إن كل الناس كانت تعرف أمي أكتر مني.
ياسين رد:
— يمكن إنت كنت شايف دورها… مش شخصها.
الجملة دخلت فيه.
بس ما زعلش.
لأنها صح.
الفصل العاشر: الحقيقة عن موت الأب
بعد أسبوع، المحامي اتصل بخالد.
— التقرير وصل.
— تقرير إيه؟
— التحليل اللي طلبناه على الأدوية اللي كانت محفوظة.
خالد شد جسمه.
— و؟
— فيه تطابق بين الأقراص اللي ظهرت في الفيديو والأقراص اللي والدك خبّاها.
— يعني ريم كانت بتديه منها؟
— الفيديو بيثبت محاولة واحدة. لكن ما نقدرش نقول أكتر من كده من غير تحقيق رسمي.
خالد قال:
— ووفاته؟
— التقرير الطبي القديم قال جلطة، لكن في ضوء المعلومات الجديدة ممكن يكون فيه سبب يستحق مراجعة.
خالد قفل.
اتصل بيا.
حكى لي.
فضلت ساكتة.
قال:
— أمي، لازم نبلغ.
قلت:
— بلغ.
— إنتِ موافقة؟
— أنا كنت .
— ودلوقتي؟
— دلوقتي فيه حاجة لازم تتفهم.
— حتى لو طلعت…
ماكملش.
قلت:
— حتى لو طلعت هي السبب.
صوتي .
— أبوك له حق يعرفوا حصل له إيه.
خالد قال:
— وأنا اللي هكمل الموضوع.
قلت:
— مش علشاني.
— علشان بابا.
— وعلشان نفسك كمان.
بعد ساعات، تم تسليم والتقارير للجهات المختصة.
وماحدش اتهم ريم رسميًا وقتها.
لكنها اتسألت.
واتطلب منها توضح مصدر الأقراص.
وأول رد قالته…
كان إن نادية هي اللي طلبت منها تدي الدوا لجوزها.
أنا.
الست اللي كانت على سفينة في الناحية التانية من الدنيا…
بقيت فجأة متهمة في كلام مرات ابني.
لما خالد عرف، اتصل بيا وهو منفعل.
— أمي، هي بتقول إن إنتِ اللي اديتيها الدوا!
قلت بهدوء:
— كنت متوقعة.
— متوقعة؟!
— ريم لما تتحاصر هتدور على حد ترمي عليه الحاجة.
— بس إزاي نثبت؟
سكت لحظة.
وبعدين افتكرت حاجة.
حاجة ما فكرتش فيها من يوم جوزي.
قلت:
— خالد…
— نعم؟
— افتح الدولاب اللي في أوضة أبوك.
— وبعدين؟
— في الجيب الداخلي للجاكت البني.
— إيه فيه؟
قلت:
— جهاز تسجيل صغير.
— تسجيل؟
— أبوك كان بيسجل ملاحظاته لأنه بدأ ينسى.
خالد جري.
بعد دقايق رجع صوته.
— لقيته.
— شغله.
فتح.
صوت أبوه ظهر.
تسجيلات عادية.
مواعيد.
أسماء أدوية.
شكاوى من التعب.
لحد ما وصل لتسجيل قبل بثلاث أيام.
صوت جوزي:
— النهارده ريم جابتلي قرص وقالت إنه بدل دوا الضغط. ماخدتوش.
صوت ورق.
ثم:
— سألت نادية. أقسمت إنها ما تعرفش عنه حاجة.
خالد سكت.
التسجيل كمل:
— لو حصل لي حاجة، نادية ملهاش ذنب.
إيدي اترعشت.
وبعدين جه آخر سطر.
— وخالد لازم يعرف إن أمه أشرف حد عاش معايا.
انفجرت في العياط.
أول مرة أبكي عليه من يوم اة بنفس الوجع.
يمكن لأنه أخيرًا…
قال الكلمة اللي كنت مستنياها أربعين سنة.
بس بعد ما مات.
الفصل الحادي عشر: سنة كاملة بعد الرحلة
التحقيق أخد شهور.
وفي الآخر ثبت إن ريم كانت حصلت على الدواء بطريقة غير قانونية، وإنها حاولت فعلًا تبدل بعض جرعات والد خالد.
لكن ما ثبتش بشكل قاطع إن هي اللي سببت وفاته.
وفاته فضلت رسميًا نتيجة حالته الصحية.
لكن اللي حصل كان كفاية.
كفاية إن خالد ينهي علاقته بيها.
كفاية إن المحكمة تمنعها فترة من التصرف في أي أمور مالية تخص بنتهم لحد انتهاء النزاعات.
وكفاية إن خالد يشوف حياته كلها من زاوية جديدة.
أما أنا…
فكملت الرحلة.
بلد ورا بلد.
مدينة ورا مدينة.
اتعلمت أكل جديد.
رقصت مرة وأنا مكسوفة.
ضعت في شارع ورجعت لوحدي.
اتصورت قدام بحر ماعرفش اسمه.
اشتريت فستان أحمر عمري ما كنت أجرؤ ألبسه زمان.
وكل أسبوع تقريبًا خالد كان يكلمني.
مش علشان يطلب حاجة.
علشان يسأل:
— إنتِ عاملة إيه؟
أول مرة كان السؤال غريب.
بعدها بقى طبيعي.
ياسين كمان كان يكلمني.
وفي مرة لقيت خالد وياسين في مكالمة فيديو سوا.
قلت لهم:
— إيه ده؟
خالد ضحك:
— أخويا عزمني على الغدا.
ياسين قال:
— وهو أكل أكتر مني.
بصيت لهم.
حسيت إن حاجة اتصلحت.
مش كاملة.
لكن بدأت.
بعد سنة، رجعت.
خرجت من المطار.
لقيت خالد مستنيني.
من غير ورد.
من غير كلام كبير.
قرب.
وقال:
— حمد لله على السلامة يا أمي.
قلت:
— الله يسلمك.
بعدين بص للشنطة.
— أساعدك؟
ضحكت.
— أيوه.
أخدها.
ودي كانت يمكن أبسط حاجة في الدنيا.
لكن بالنسبة لي…
كانت فرق أربعين سنة.
ركبنا العربية.
سألني:
— رايحة البيت؟
بصيت له.
— أي بيت؟
ابتسم.
— بيتك.
وصلنا.
فتحت الباب.
كل حاجة تقريبًا زي ما سيبتها.
إلا حاجة واحدة.
البغبغان كان موجود.
صرخ أول ما شافني:
— نادية رجعت!
بصيت لخالد.
انفجرت في الضحك.
قال:
— قعدت شهور أعلمه يقول اسمك.
قربت من القفص.
قلت:
— أهو أخيرًا عرفت إن ليا اسم.
البغبغان صرخ:
— نادية! نادية!
دموعي نزلت وأنا بضحك.
خالد وقف ورايا.
وقال:
— أمي…
لفيت.
طلع ظرف.
— ده قرار الوقف النهائي. المحامي قال لازم إنتِ اللي تحددي كل حاجة.
أخدته.
بصيت له.
— مش عايز تعرف؟
قال:
— لأ.
اتفاجئت.
— لأ؟
— اللي بتاعك، بتاعك.
وسكت.
— ولو سيبتيلي حاجة، هعتبرها هدية… مش حق.
ابتسمت.
يمكن ابني أخيرًا كبر.
فتحت الظرف.
ووقعت.
خالد قال:
— عملتي إيه؟
قلت:
— سيبتلك نصيب.
ابتسم.
— ولياسين؟
— نصيبه موجود.
— وبنتي؟
— ليها.
— والباقي؟
بصيت حواليا.
البيت اللي كان زمان
واللي بقى دلوقتي مجرد بيت.
قلت:
— الباقي لناس محتاجة حد يهتم بيها… من غير ما يحسسهم إنهم عبء.
خالد هز راسه.
وقبل ما يمشي قال:
— بالمناسبة، عندي سفر بعد أسبوع.
بصيت له بشك.
ضحك بسرعة:
— متقلقيش، الحيوانات رايحة فندق.
ضحكت.
— اتعلمت.
قال:
— غصب عني.
وقف عند الباب.
وبعدين رجع وقال:
— أمي؟
— نعم؟
— الرحلة كانت تستاهل؟
بصيت لصورة نفسي في المراية.
الست اللي رجعت ما كانتش نفس الست اللي خرجت.
قلت:
— الرحلة نفسها كانت حلوة.
وسكت شوية.
— بس أحلى حاجة فيها إني اكتشفت إن الحياة ما بتقفش عند سن معين.
خالد ابتسم.
خرج.
قفلت الباب.
عملت لنفسي قهوة.
قعدت في البلكونة.
ولأول مرة…
ما كنتش مستنية حد يدخل ويطلب مني حاجة.
ما كنتش أم خالد.
ولا أرملة فلان.
ولا تيتة حد.
كنت نادية.
بس.
وصدقوني…
بعد أربعين سنة وأنا بعيش للكل…
اكتشفت إن كلمة “بس” دي كانت أكبر حرية خدتُها في حياتي.
تمت.
حكايتنا انتهت.. لكن نادية أخيرًا بدأت حكايتها هي




