علاج طبيعي حكايات اسما السيد 3

جوزي فضل باصص للورقة، وكأنه خايف ينطق الاسم المكتوب فيها. أنا قربت منه. — مين اللي ماضي؟ ما ردش. مديت إيدي وخدت الورقة. الاسم كان لرجل من قرايب العيلة. خاله حسن. رفعت عيني لحماتي. — خاله هو اللي دخل مريم المستشفى؟ حماتي قعدت على أقرب كرسي. قالت بصوت مبحوح: — أيوه. جوزي سألها: — ليه بابا مكانش معاها؟
سكتت.
— ماما… أختي ماتت إزاي؟
بدأت تعيط.
— أنا قضيت عمري كله بحاول أنسى اليوم ده.
قال:
— وأنا قضيت عمري كله مصدق كذبة.
سكتت طويلًا.
وبعدين بدأت تحكي.
مريم كان عندها ست سنين.
من فترة قبل وفاتها، بدأت تتعب.
حرارة بتيجي وتروح.
إرهاق.
وأعراض خلت الدكتور يطلب فحوصات إضافية، خصوصًا مع وجود تاريخ عائلي محتاج يتراجع.
في اليوم اللي ماتت فيه، أبو جوزي كان مسافر.
حماتي كانت لوحدها مع الأطفال.
مريم تعبت فجأة.
لكن بدل ما تروح بيها المستشفى فورًا، اتصلت بأخوها حسن.
قال لها:
— استني شوية… يمكن مجرد دور برد.
قالت حماتي وهي بتعيط:
— صدقته.
جوزي قاطعها:
— قد إيه استنيتوا؟
خفضت راسها.
— ساعات.
الجملة خنقتني.
كملت:
— لما حالتها ساءت، حسن هو اللي شالها ونزل بيها المستشفى. علشان كده اسمه موجود باعتباره الشخص اللي أحضرها.
— وبابا؟
— رجع بعد ما كانت دخلت المستشفى.
جوزي سأل:
— وماتت بسبب التأخير؟
حماتي قالت:
— محدش قاللي كده بشكل قاطع. حالتها كانت خطيرة أصلًا. لكن الدكتور قال إننا كان لازم نطلب مساعدة أسرع.
الصمت ملأ الغرفة.
المشهد كله اتكرر قدامي بشكل مخيف.
مريم وهي صغيرة تتعب…
والكبار يقولوا استنوا.
وسارة حامل في الشهر السابع تتألم…
وفي قصة تانية كان ممكن حد يقول لها برضه: استني.
الخوف.
الإنكار.
والاعتقاد إن تجاهل المشكلة هيخليها تختفي.
جوزي قال:
— وبابا قال للناس إيه؟
— قال إن مريم تعبت فجأة وماتت في المستشفى.
— وخبيتوا التأخير؟
قالت:
— كنا مكسورين وخايفين.
جوزي هز راسه.
— وبعدها لما ظهر موضوع التحاليل، خبيتوه هو كمان.
لم تجد ردًا.
قال:
— يعني كل مرة كانت الحقيقة بتخوفكم… كنتوا بتدفنوها.
حماتي بدأت تبكي أكتر.
— كنت فاكرة إني بحميكم.
رد جوزي:
— بس السكوت عمره ما كان حماية.
خرجنا من عند الدكتورة وإحنا شايلين تاريخ عيلة كامل محتاج يتفهم من جديد.
لكن كان فيه حاجة أهم بالنسبة لي.
قلت لجوزي وإحنا في العربية:
— أنا مش عايزة حياتنا تتحول لتحقيق في الماضي.
بصلي.
قلت:
— نعرف اللي يخص صحتنا وصحة بنتنا، نصحح أي معلومة غلط، والباقي نخليه في مكانه.
هز راسه.
— وأنا مش عايز أعيش خايف كل ما أبص لكتف بنتي.
مديت إيدي ومسكت إيده.
— يبقى ما تبصش للعلامة كأنها لعنة.
— أمال أبصلها إزاي؟
قلت:
— كعلامة ولادة عند بنت سليمة لحد ما الطب يقول غير كده.
ابتسم لأول مرة.
مرت الأسابيع.
الفحوصات اكتملت.
جلسنا قدام استشاري متخصص، وراجع التاريخ القديم والنتائج الحديثة واحدة واحدة.
وكان أهم شيء قاله لنا:
— ما ينفعش نرجع نفسر ست حالات فقد حمل بأثر رجعي ونقول إن سببها شيء واحد من غير أدلة كافية.
سألته:
— يعني السر القديم مكانش بالضرورة السبب؟
— بالضبط. التاريخ العائلي كان مهم وكان لازم يتقال، لكنه مش دليل لوحده على سبب كل حالة.
أما بنتنا…
فكانت نتائجها مطمئنة.
احتاجت متابعة عادية، مع الاحتفاظ بالتاريخ الطبي الصحيح في ملفها للمستقبل.
والعلامة؟
فضلت موجودة فوق كتفها.
هلال صغير وتحته نقطة.
لكنها بطلت تخوفنا.
المواجهة الأصعب كانت مع حماتي.
بعد حوالي شهر، جت بيتنا.
قعدت قدامي وقدام ابنها.
قالت:
— أنا مش جاية أطلب إنكم تنسوا.
وبصتلي.
— ولا جاية أقولك إني كنت صح.
سكتنا.
قالت:
— أنا خبيت ورق كان من حقكم تعرفوه. وخوفي من الحقيقة خلاني أكرر نفس الغلط اللي عملناه زمان مع مريم.
جوزي سألها:
— ليه مقلتيليش من أول ما اتجوزت؟
قالت:
— كنت خايفة تكره حياتك قبل ما تبدأها.
رد:
— ولو كنت عرفت، كنت هروح لدكتور. مش كنت هبطل أعيش.
الجملة وجعتها.
قالت:
— عارفة دلوقتي.
ثم بصتلي.
— وإنتِ… أنا آسفة.
قلت لها:
— أكتر حاجة وجعتني مش إن عندكم تاريخ طبي.
— أمال إيه؟
— إن ست مرات كنت برجع من المستشفى وأنا بسأل نفسي: “أنا عملت إيه غلط؟”
دموعي نزلت.
— كنت بلوم جسمي. بلوم نفسي. وبحس إني السبب إن ابنك مش أب.
حماتي بكت.
قلت:
— وفي الوقت ده كان عندك معلومة كان من حق الدكتور يعرفها، حتى لو طلعت في الآخر مش هي السبب.
مدت إيدها ناحيتي.
أنا ما مسكتهاش فورًا.
مش كرهًا فيها.
لكن لأن المسامحة مش زرار بيتداس عليه.
قلت:
— هسامح… بس محتاجة وقت.
هزت راسها.
— حقك.
عدت سنة.
وفي عيد ميلاد بنتنا الأول، البيت كان مليان ضحك.
البنت اللي خفنا عليها من أول دقيقة كانت ماشية وهي ماسكة الكنبة، وكل شوية تقع على الأرض وتضحك.
جوزي كان ماشي وراها بالموبايل يصورها.
قلتله:
— سيب البنت تتحرك.
قال:
— عشر سنين مستنيها، عايز أصور كل ثانية.
ضحكت.
بنتنا وقعت.
قامت.
وبعدين جريت ناحيته.
شالها.
اتحرك كم فستانها الصغير، وظهرت العلامة.
وقف للحظة.
لاحظت.
قلت:
— لسه بتخاف لما تشوفها؟
بص للعلامة.
وبعدين باسها.
— لأ.
— أمال بتفكر في إيه؟
قال:
— في مريم.
سكت لحظة.
— وبفكر إن لو أهلنا زمان كانوا فهموا إن الحقيقة الطبية مش عيب ولا فضيحة، كان ممكن حاجات كتير تبقى مختلفة.
حطيت راسي على كتفه.
قال:
— عارفة أغرب حاجة؟
— إيه؟
— أول ما الممرضة حطتها في إيدي وشوفت العلامة، افتكرت إنها جاية تفتح علينا مصيبة.
بص لبنتنا.
كانت بتضحك وبتشد في دقنه.
ابتسم.
— طلعت جاية تقفل مصيبة قديمة.
في نفس الليلة، بعد ما الضيوف مشيوا، دخلت أوضتها.
كانت نايمة.
غطيتها.
وقفت أبص عليها.
عشر سنين.
ست مرات حمل انتهوا قبل ما أسمع كلمة “ماما”.
عشر سنين كنت كل مرة أفقد فيها طفل، أحس إن جسمي خانني.
لكن دلوقتي فهمت إن بعض الأسئلة ملهاش إجابة بسيطة.
وإن مش كل فقد له مذنب.
ومش كل علامة في الجسد معناها مرض.
ومش كل سر عائلي لازم يتحول لاتهام.
لكن فيه حاجة واحدة اتعلمناها كلنا:
المعلومة الطبية ما ينفعش تتخبى خوفًا من كلام الناس.
لأن الحقيقة اللي تتقال في وقتها ممكن تساعد طبيب ياخد قرار صح.
أما الحقيقة اللي تتدفن…
فممكن تفضل تنتقل من جيل لجيل على هيئة خوف.
بصيت لبنتي للمرة الأخيرة قبل ما أطفي النور.
الهلال الصغير كان ظاهر من تحت هدومها.
ابتسمت.
وقلت بهدوء:
— إنتِ مش شايلة سر مريم يا حبيبتي…
— إنتِ اللي خليتينا أخيرًا نبطل نخبيه.
وطفيت النور.
ومن يومها، احتفظنا بصورة مريم في أوضة بنتنا.
مش علشان نخوفها لما تكبر.
ولا علشان نقول لها إن العلامة اللي على كتفها ربطتها بطفلة ماتت قبل ما تتولد بسنين.
لكن علشان في يوم، لما تسألنا:
— مين البنت دي؟
نقول لها:
— دي عمتك مريم.
ولو سألت:
— وليه صورتها هنا؟
هنقول لها الحقيقة.
كل الحقيقة.
لأن العيلة اللي دفعت تمن السكوت جيل كامل…
قررت إن بنتنا تكبر في بيت مفيهوش سر أهم من سلامتها.
تمت.
الكاتبة أسما السيد
#حكايات_الكاتبه_اسما_السيد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




