علاج طبيعي حكايات اسما السيد 2

بنتي كانت بتعيط في حضن حماتي، وأنا مش سامعة تقريبًا غير آخر جملة قالتها: — يمكن الست مرات اللي فقدتي فيهم الحمل ماكانوش مجرد سوء حظ. بصيت لجوزي. — إنت كنت عارف؟ رد بسرعة: — والله ما أعرف أي حاجة. — عشر سنين وأنا كل مرة أفقد طفل، وإنت عمرك ما فكرت تقولي إن كان عندكم طفلة ماتت وإن فيه تحليل أبوك حرقه؟!
قال:
— لأني أنا نفسي ماكنتش أعرف موضوع التحليل!
حماتي مدتلي بنتي.
— خدي بنتك.
حضنتها.
وقلت:
— أنا عايزة الورقة.
قالت:
— هجيبهالك.
جوزي أخد مفاتيحه.
— أنا جاي معاكي.
—
رجعوا بعد حوالي ساعة ونص.
أنا كنت لسه في المستشفى.
بنتي نايمة جنبي.
أول ما الباب اتفتح، عرفت إنهم لقوا حاجة.
جوزي دخل الأول.
وشه كان متغير.
حماتي وراه، ماسكة ظرف قديم لونه أصفر من الزمن.
قلت:
— لقيتوه؟
جوزي ما ردش.
قرب وحط الظرف قدامي.
كان مكتوب عليه:
“مريم.”
فتحته.
طلع منه تقرير قديم.
وفي ضهره فعلًا…
كان فيه كلام مكتوب بخط إيد أبو جوزي.
جوزي قال:
— أنا عارف خط بابا.
بدأ يقرأ بصوت مسموع:
“لو حد من ولادي قرأ الكلام ده بعد موتي، يبقى أنا مقدرتش أواجه الحقيقة وأنا عايش.
بعد مرض مريم، الدكتور طلب فحوصات للعيلة، لأن حالتها كان ممكن يكون لها سبب وراثي.
النتيجة الأولية قالت إن فيه احتمال وجود تغير وراثي في العيلة، ولازم يتأكد بفحوصات أحدث قبل أي استنتاج.
أنا خفت.
وخبيت الورقة.”
رفعت عيني.
— بس؟
جوزي هز راسه.
— فيه باقي.
كمل:
“أكبر غلطة عملتها إني تعاملت مع الاحتمال كأنه فضيحة، مش معلومة طبية.
لما ابني يكبر ويتجوز، لازم يعرف التاريخ ده، ويعرضه على طبيب متخصص قبل الإنجاب.
لو خبيتوا عنه، هتكونوا بتكرروا غلطتي.”
جوزي وقف عن القراءة.
بص لأمه.
— إنتِ قريتي الكلام ده إمتى؟
حماتي ما ردتش.
كرر:
— إمتى يا ماما؟
قالت:
— بعد وفاة أبوك.
— يعني قبل جوازنا؟
سكتت.
هنا حسيت قلبي وقع.
قلت:
— ردي عليه.
دموعها نزلت.
— أيوه.
جوزي رجع خطوتين كأن حد ضربه.
— كنتِ عارفة؟
— كنت عارفة إن فيه احتمال… مش أكتر.
— واتجوزت وأنا معرفش؟!
قالت:
— أبوك نفسه مكانش متأكد.
صرخ:
— علشان كده كان لازم نروح لدكتور ونتأكد!
الممرضة دخلت على صوتنا.
طلبت مننا نهدي علشان الطفلة.
سكتنا.
لكن النار ما هديتش.
قلت لحماتي:
— أول مرة أجهضت فيها… كنتِ عارفة الورقة دي موجودة؟
خفضت عينيها.
الإجابة وصلت من غير كلام.
— والتانية؟
سكتت.
— والتالتة؟
جوزي قال:
— كفاية.
لكن أنا ماقدرتش.
— والستة؟!
حماتي بدأت تعيط.
— كنت خايفة أقولكم وأكون بهد بيتكم على احتمال قديم.
قلت:
— وإحنا كنا بننهار كل مرة!
جوزي قعد على الكرسي.
حط راسه بين إيديه.
وقال:
— أنا كنت بلوم نفسي… وهي كانت بتلوم نفسها.
رفع وشه لأمه.
— وإنتِ كان عندك معلومة ممكن تساعد الدكاترة، وسكتي؟
قالت:
— غلطت.
رد:
— دي مش غلطة صغيرة يا أمي.
سكتنا.
بعدها أخد جوزي التقرير وصوره وبعته للدكتورة اللي كانت متابعة حالتي.
اتصل بيها.
شرح لها باختصار.
وكان ردها واضح:
— التقرير قديم جدًا، ومينفعش نربط الإجهاضات السابقة بيه من غير فحوصات حديثة. لكن التاريخ العائلي مهم، وكان لازم يتذكر من البداية.
وده كان أهم شيء.
ماكانش عندنا دليل إن السر ده سبب اللي حصل لي.
لكن كان عندنا سبب قوي نعمل تقييم صح.
—
تاني يوم، دخل علينا طبيب أطفال.
فحص بنتنا.
بص للعلامة.
وسأل عن التاريخ العائلي.
جوزي حكى له عن مريم والتقرير.
الدكتور قال:
— علامة الولادة وحدها ما تثبتش وجود مرض وراثي. تشابه العلامات ممكن يحصل لأسباب كتير.
قلت:
— يعني بنتي ممكن تكون سليمة؟
— طبعًا. وإحنا أصلًا مش هنفترض إنها مريضة. هنراجع التاريخ الطبي ونطلب فقط الفحوصات اللي لها داعٍ.
تنفست.
لأول مرة من ساعة ولادتها حسيت إن العلامة نفسها مش حكم بالإعدام.
هي مجرد علامة.
السر الحقيقي كان في سكوت الكبار.
—
بعد يومين خرجنا من المستشفى.
لكن بدل ما نروح بيتنا، جوزي قال:
— هنعدي على بيت أمي الأول.
استغربت.
— ليه؟
بص لأمه.
— لأن بابا كتب “فحوصات للعيلة”.
ثم قال:
— أنا عايز كل ورقة قديمة موجودة.
دخلنا بيت حماتي.
فتحت دولاب قديم في أوضتها.
طلعت صندوق خشب.
قالت:
— ده كل اللي فاضل من ورق أبوك ومريم.
بدأنا نفتحه.
صور.
شهادات.
روشتات.
تقارير مستشفى.
وبعدين…
لقيت صورة قديمة لمريم.
بنت صغيرة بتضحك.
شعرها مربوط ديلين.
جوزي أخد الصورة.
فضل باصص عليها.
أنا قربت.
وأول ما شوفتها، جسمي كله قشعر.
مش بسبب وشها.
ولا بسبب العلامة.
لكن بسبب الشخص اللي كان واقف وراها في الصورة.
راجل لابس بالطو أبيض.
أشرت عليه.
— مين ده؟
حماتي بصت للصورة.
إيديها بدأت ترتعش.
— الدكتور اللي كان متابع مريم.
جوزي قال:
— اسمه إيه؟
قالت اسمه.
جوزي رفع عينه لها.
— الراجل ده لسه عايش؟
— على حد علمي… أيوه.
في اللحظة دي، لقينا على ضهر الصورة رقم تليفون قديم واسم مستشفى.
لكن كان فيه جملة كمان بخط أبو جوزي:
“هو الوحيد اللي يعرف النتيجة الكاملة.”
جوزي طلع موبايله.
بحث عن اسم الطبيب.
وبعد دقائق لقينا عيادته الحالية.
كان اعتزل تقريبًا، لكنه لسه بيستقبل حالات محدودة.
اتصلنا.
السكرتيرة قالت إن أقرب موعد بعد أسبوعين.
جوزي قال:
— قولي له إننا عيلة مريم… وإن معانا التقرير القديم.
سمعنا السكرتيرة بتبعد عن التليفون.
عدت دقيقة.
رجعت.
نبرة صوتها اتغيرت.
— الدكتور بيقول تيجوا بكرة الصبح.
—
تاني يوم دخلنا عيادته.
كان راجل كبير جدًا في السن.
أول ما جوزي حط صورة مريم قدامه…
الدكتور شال نضارته.
بص للصورة طويلًا.
ثم قال:
— افتكرت إن محدش منكم هييجي أبدًا.
جوزي حط التقرير قدامه.
— إحنا جينا علشان نفهم.
الدكتور قرأ اعتراف الأب.
وبعدين قال:
— والدك ظلم نفسه لما افتكر إن المشكلة كانت مجرد نتيجة تحليل.
قلت:
— يعني إيه؟
فتح درج مكتبه.
طلع ملف قديم.
قال:
— بعد وفاة مريم، طلبت من والد زوجك يعمل فحوصات تأكيدية لكل أفراد الأسرة المعنيين.
جوزي سأله:
— وعملها؟
الدكتور هز رأسه.
— بدأ… لكنه توقف.
— ليه؟
الدكتور بص لحماتي.
الغريب إنها بعدت عينيها عنه.
جوزي لاحظ.
— ماما؟
قالت:
— معرفش.
لكن الدكتور قال بهدوء:
— لأ يا مدام… إنتِ تعرفي.
الغرفة سكتت.
بصيت لحماتي.
وشها بقى أبيض.
الدكتور فتح الملف على صفحة معينة.
وقال:
— لأن أول نتيجة تأكيدية وصلت…
سكت.
ثم بص لجوزي.
— ما كانتش تخص مريم.
جوزي عقد حواجبه.
— أمال تخص مين؟
الدكتور لف الملف ناحيته.
كان فيه اسم.
جوزي قرأه.
واتجمد.
أنا قربت.
وشوفت الاسم.
كان اسم جوزي.
وتحته تاريخ قديم… وقت ما كان طفل.
قلت:
— يعني هو عنده المشكلة الوراثية؟
الدكتور رفع إيده.
— متستعجليش. التحليل ده قديم، والعلم اتغير جدًا. ومينفعش أشخصه النهارده بورقة عمرها عقود.
ثم أضاف:
— لكن فيه حاجة تانية لازم تعرفوها.
طلع ورقة أصغر.
— والدك رجعلي بعد النتيجة دي لوحده.
جوزي سأله:
— وقالك إيه؟
الدكتور بصله طويلًا.
— طلب مني أخبي الورقة.
— ليه؟
قال:
— لأنه كان مقتنع إنك لما تكبر وتتجوز، الحقيقة دي ممكن تمنعك من تكوين أسرة.
جوزي وشه احمر من الغضب.
— يعني أبويا وأمي قرروا عني؟
الدكتور قال:
— أبوك كان خايف. لكنه كان غلطان.
ثم أشار لبنتنا اللي كنت شايلها.
— ووجود الطفلة دي لا يثبت إنها ورثت أي شيء. المطلوب فحوصات حديثة، واستشارة وراثية، وبس.
هزيت راسي.
لكن حماتي كانت واقفة عند الباب بتعيط.
جوزي بص لها.
— إنتِ كنتِ عارفة نتيجتي؟
قالت:
— كنت أعرف إن فيه ورقة باسمك.
— وقريتيها؟
سكتت.
— ماما؟
قالت:
— أيوه.
الجملة كسرت حاجة جواه.
لكنه ما صرخش.
قال بهدوء:
— خلاص.
— سامحني.
— مش دلوقتي.
خرجنا.
—
بعد أيام بدأت الفحوصات الحديثة.
أنا وجوزي وبنتنا.
وأصعب حاجة كانت الانتظار.
كل ليلة كنت أصحى أبص على بنتي.
أكشف كتفها.
أشوف الهلال الصغير.
وأفتكر مريم.
لحد ما جت مكالمة من المستشفى.
الدكتورة قالت:
— النتائج الأساسية ظهرت. محتاجين تيجوا نتكلم.
قلبي وقع.
روحنا.
قعدنا قدامها.
قالت:
— أول حاجة، بنتكم حاليًا بصحة جيدة.
أنا وجوزي بصينا لبعض.
مسك إيدي.
لكن الدكتورة كملت:
— بالنسبة للتاريخ العائلي، الفحوصات الحديثة وضحت جزء مهم، ولسه فيه تقييم إضافي قبل ما نربط أي شيء بالإجهاضات السابقة.
قلت:
— والعلامة؟
ابتسمت.
— العلامة في حد ذاتها ليست دليلًا على المشكلة اللي كنا بنبحث عنها.
دموعي نزلت.
بصيت لجوزي.
لأول مرة ابتسم من يوم الولادة.
لكن الدكتورة ما خلصتش.
قالت:
— فيه حاجة ظهرت أثناء مراجعة ملف مريم القديم.
ابتسامتنا اختفت.
— إيه؟
قالت:
— سبب وفاة مريم المسجل في الأوراق اللي معاكم…
سكتت لحظة.
— مش متوافق مع تقرير المستشفى الأصلي.
جوزي قرب منها.
— يعني إيه؟
حطت قدامنا نسخة من ورقة قديمة.
— يعني مريم ما ماتتش بالطريقة اللي والدك قالها للعيلة.
جوزي وشه اتغير.
— ماتت إزاي؟
الدكتورة قالت:
— أنا مش هقدر أجاوب من ورقة ناقصة. لكن فيه سجل دخول للمستشفى قبل وفاتها بساعات، وفيه اسم شخص وقّع باعتباره المسؤول عنها.
بص جوزي للاسم.
ثم بص لأمه.
لأن الشخص اللي وقّع الورقة…
ماكانش أبوه.
وكان واضح من وش حماتي إنها تعرف بالضبط مين صاحب التوقيع.
وهنا فهمنا إن سر العلامة خلص تقريبًا…
لكن سر موت مريم…
لسه بيبدأ.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



