صحيت على صوت حماتي حكايات اسما السيد 2

كنت فاكرة إن خروجي من البيت هو نهاية الحكاية. لكن بعد تلات أيام بس… اكتشفت إن اللي حصل صباحيتي ماكانش غير أول خيط في حاجة أكبر بكتير. كنت قاعدة في بيت أبويا، في أوضتي القديمة. شنط هدومي لسه مرمية جنب الدولاب، وفستان الفرح اللي أمي رجعته مع حاجتي كان متعلق قدامي.
كنت كل ما أبصله أحس إني بتفرج على حياة واحدة تانية.
بنت كانت من أسبوع بتلف حوالين نفسها بالفستان وهي بتضحك.
ودلوقتي…
نفس البنت قاعدة قدام محامي وبتسمع كلمة:
— تزوير.
رفعت عيني بسرعة.
— تزوير إيه؟
الأستاذ فؤاد، محامي أبويا، حط قدامي ورقة.
— التوكيل الناقص من الظرف ظهر.
أبويا اتعدل في قعدته.
— ظهر فين؟
— اتقدم بيه طلب رسمي قبل الفرح بيومين.
قلبي وقع.
قلت:
— طلب إيه؟
بصلي المحامي وقال:
— نقل إدارة الشقة والتصرف فيها لصالح حسام.
حسيت إني مش فاهمة الكلام.
— يعني إيه “التصرف فيها”؟
— يعني لو الإجراء اكتمل، كان ممكن يستخدم التوكيل في البيع أو الرهن أو التنازل حسب الصلاحيات المكتوبة فيه.
قمت من مكاني.
— بس أنا عمري ما مضيت التوكيل ده!
قال بهدوء:
— وعلشان كده الموضوع خطير.
أمي شهقت.
أما أبويا…
فضل ساكت.
كنت عارفة النظرة دي.
أبويا لما يغضب جدًا ما بيزعقش.
بيسكت.
قلت للمحامي:
— الإمضا اللي عليه؟
زق الورقة ناحيتي.
بصيت.
اسمي.
وتحته توقيع شبه توقيعي جدًا.
لدرجة إني للحظة شكيت في نفسي.
— ده… شبه إمضتي.
— بالظبط.
رجعت بذاكرتي بسرعة.
وفجأة افتكرت.
قبل الفرح بحوالي شهر، حسام كان جابلي مجموعة أوراق.
قال لي وقتها:
— دي إجراءات النت والكهربا والغاز، امضي هنا وهنا وهنا.
كنت قاعدة جنبه في العربية.
مضيت من غير ما أقرأ.
لأني كنت بثق فيه.
حطيت إيدي على راسي.
— يا نهار أبيض…
أبويا قرب مني.
— افتكرتي حاجة؟
حكيتلهم.
المحامي سأل:
— كان فيه أوراق فاضية وسطهم؟
غمضت عيني أحاول أفتكر.
— يمكن… مش متأكدة.
ثم افتكرت حاجة تانية.
— استنى.
كلهم بصوا لي.
— كان فيه ورقة مضيتها في الآخر، حسام قال إن الموظف نسي يحط البيانات وإنه هيكملها بعدين.
المحامي اتنهد.
وأبويا ضرب كف بكف.
— يا بنتي…
بصيت لأبويا ودموعي نزلت.
— أنا كنت بثق فيه يا بابا.
أبويا رد بهدوء:
— الثقة مش جريمة يا نور. لكن من النهارده، مفيش توقيع قبل قراءة.
المحامي جمع الورق.
— لازم نتحرك رسمي.
وفجأة موبايلي رن.
حسام.
كنت عاملاله بلوك من كل مكان تقريبًا.
لكن الرقم كان جديد.
رديت.
— ألو؟
صوته جه هادي بشكل غريب.
— وحشتيني.
قلبي وجعني.
كرهت نفسي لأن الكلمة أثرت فيا للحظة.
قلت:
— عايز إيه؟
— عايز مراتي ترجع بيتها.
ضحكت بمرارة.
— بيتي، تقصد؟
سكت.
وبعدين قال:
— نور، إحنا بنهدم جوازنا علشان خناقة صباحية.
بصيت للورقة قدامي.
— خناقة صباحية؟
— أيوه. أمي غلطت، وأنا ممكن أخليها تعتذرلك.
— والتوكيل؟
الصمت.
قلت:
— ليه سكت؟
— توكيل إيه؟
— اللي عليه إمضا شبه إمضتي.
سمعت نفسه اتغير.
قال:
— أبوكي بيلعب في دماغك.
— حسام، أنا شايفة الورقة قدامي.
سكت.
ثم صوته اتبدل تمامًا.
اختفت الرقة.
— اسمعيني كويس يا نور. الموضوع ده لو كبر، هتخربي بيتك بإيدك.
قلت:
— بيتي اتخرب لما جوزي حاول ياخد حقي من ورايا.
صرخ:
— أنا جوزك!
قلت:
— ودي مش كلمة معناها إنك تملك كل حاجة تخصني.
وقبل ما يقفل، قال جملة غريبة:
— طب اسألي أبوكي هو اشترى الشقة ليه أصلًا.
سكت.
— تقصد إيه؟
ضحك.
— اسأليه.
وقفل.
لفيت ناحية أبويا.
كان باصص للأرض.
قلت:
— بابا؟
رفع عينه.
— نعم؟
— حسام بيقول أسألك إنت اشتريت الشقة ليه.
أمي بصت لأبويا.
وأنا لاحظت إن وشه اتغير.
قلت:
— فيه حاجة أنا معرفهاش؟
سكت فترة طويلة.
ثم قال:
— أيوه.
قعدت.
أبويا أخد نفس عميق.
— قبل الجواز بست شهور… حسام جه لي المكتب.
— وبعدين؟
— كان محتاج فلوس.
— فلوس ليه؟
— عليه ديون.
حسيت قلبي بيقع.
— قد إيه؟
قال الرقم.
وللحظة افتكرت إني سمعت غلط.
— تلاتة مليون جنيه؟!
أمي حطت إيدها على صدرها.
واضح إنها هي كمان أول مرة تعرف.
أبويا كمل:
— مشروع دخل فيه وخسر. وكان ماضي إيصالات وضمانات.
قلت:
— وإنت دفعتله؟
— دفعت جزء.
وقفت وأنا بصرخ:
— ليه؟!
— علشان وقتها كان خطيبك، وإنتِ كنتِ متمسكة بيه. وهو حلفلي إن دي غلطة واتعلم منها.
ضحكت وأنا بعيط.
— يعني كلكم كنتوا عارفين حاجات وأنا آخر واحدة تعرف؟
قال أبويا:
— أنا غلطت لما مخبيتش…
قاطعته:
— لما خبيت يا بابا.
سكت.
قلت:
— أنا مش طفلة. كان من حقي أعرف إن الراجل اللي هتجوزه غرقان ديون!
أبويا نزل عينه.
— عندك حق.
كانت أول مرة أسمعه يقولها بالشكل ده.
وبعد لحظات قال:
— لكن فيه حاجة أسوأ.
بصيتله.
— أسوأ من كده؟
قال:
— لما دفعت جزء من ديونه، طلب مني أضمن الباقي.
— وإنت رفضت؟
— أيوه.
— وبعدين؟
— بعدها بأسبوع بدأ يزن عليا علشان أكتب الشقة باسمه.
شهقت.
أبويا كمل:
— هنا بدأت أشك فيه. اشتريت الشقة، لكن سجلتها باسمك إنتِ، وقررت ما أقولش له التفاصيل كلها.
قلت:
— لكنه عرف.
— أيوه.
— منين؟
سكت أبويا.
المحامي هو اللي رد:
— من شخص جوه مكتب والدك.
بصيتله.
— مين؟
وقبل ما يرد…
جرس الباب رن.
أمي راحت تفتح.
وبعد ثواني رجعت وهي متوترة.
— نور…
— مين؟
قالت:
— حماتك.
قمت.
كانت الحاجة سعاد واقفة عند الباب.
لكن الست اللي شفتها صباحيتي…
اختفت.
مفيش صوت عالي.
مفيش استعلاء.
مفيش “يا روح أمك”.
كانت ماسكة شنطة صغيرة.
ووشها شاحب.
قالت:
— عايزة أتكلم معاكي لوحدنا.
أبويا قال:
— مفيش كلام لوحدكم.
بصتله.
— الكلام ده لو اتقال قدامكم… ابنكُم مش هترجعله تاني أبدًا.
رديت:
— أنا أصلًا مش راجعة.
بصتلي فترة.
ثم قالت:
— لما تعرفي الحقيقة، يمكن ما ترجعيش فعلًا.
دخلت.
قعدت قدامي.
وفتحت الشنطة.
طلعت موبايل قديم.
حطته على الترابيزة.
— حسام نسي الموبايل ده عندي من شهرين.
قلت:
— وماله؟
قالت:
— عليه تسجيلات.
حسام كان بيسجل مكالماته تلقائي.
المحامي قرب.
— تسجيلات مع مين؟
بصتلي حماتي.
ولأول مرة…
شفت في عينيها حاجة شبه الندم.
قالت:
— مع الراجل اللي ساعده يجيب توقيعك.
سألتها:
— مين الراجل؟
ابتلعت ريقها.
وقالت:
— موظف في مكتب أبوكي.
أبويا وقف.
— اسمه إيه؟
قالت الاسم.
وأبويا مسك طرف الكرسي.
أنا بصيتله.
— تعرفه؟
رد بصوت مخنوق:
— ده مش مجرد موظف.
— أمال مين؟
رفع عينه ناحيتي.
وقال:
— ده ابن عمي… والراجل اللي ماسك حسابات الشركة بقاله عشرين سنة.
الحاجة سعاد مدت إيدها للموبايل.
وقالت:
— والتسجيل اللي عليه مش بس هيثبت إن حسام حاول ياخد الشقة.
سكتت.
ثم بصتلي مباشرة.
— التسجيل هيقولك حسام اتجوزك ليه من الأساس.
مديت إيدي للموبايل.
لكنها مسكته قبل ما آخده.
وقالت:
— قبل ما تسمعي… عايزة أقولك حاجة.
— إيه؟
دموعها نزلت.
الست اللي ضربتني صباحيتي…
كانت بتعيط قدامي.
وقالت:
— أنا كنت عارفة إن ابني طمعان.
سكتت لحظة.
— بس ماكنتش أعرف إنه عمره ما حبك أصلًا.
وضغطت تشغيل.
وطلع صوت حسام من الموبايل:
— “أول ما نور تمضي التوكيل… كل حاجة هتبقى تحت إيدي. وبعدها الجوازة نفسها مش هتفرق.”
اتجمدت مكاني.
لكن الصوت التاني اللي رد عليه…
هو اللي خلّى أبويا يصرخ:
— اقفلي التسجيل!
لأن الراجل قال:
— “بس افتكر اتفاقنا يا حسام… نصيب نور مش الشقة بس. أبوها كاتب لها حاجة أكبر بكتير، وهي نفسها لسه ما تعرفش عنها حاجة.”
وبصيت لأبويا.
— نصيبي في إيه؟
أبويا ما ردش.
— بابا… أنا مالي إيه تاني؟
وهنا عرفت إن سر الشقة…
كان أصغر سر في الحكاية كلها.
يتبع
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”


