Uncategorized

بسن السبعين حكايات اسما السيد

وأنا عندي 75 سنة، استخدمت آخر بويضة مجمدة ليا عشان أبقى أم… وبعد ولادة بنتي بـ3 أيام، ست عندها حوالي 42 سنة خبطت على باب بيتي.

كان عندي 33 سنة لما قررت أجمّد بويضاتي. وقتها كنت متأكدة إن في يوم من الأيام هبقى أم. لكن اليوم ده ماجاش. لا اتجوزت… ولا خلفت… ومع مرور السنين، بدأت أفقد الأمل إن ده ممكن يحصل أصلًا. لحد ما وصلت لسن 75 سنة، وخدت قرار كل اللي حواليا قالوا عليه جنون. قررت أستخدم آخر بويضة مجمدة كانت فاضلالي، واستعنت بأم بديلة تحمل الطفل.

وبعد تسع شهور… شلت بنتي بين إيديا لأول مرة. كانت جميلة بشكل خلاني مش قادرة أوقف عياط. بعد 42 سنة من الانتظار… أخيرًا بقيت أم.

لكن بعد 3 أيام بس من رجوعنا البيت، سمعت خبط على الباب. فتحت… لقيت ست واقفة قدامي، شكلها في أوائل الأربعينات. عينيها كانت حمرا من كتر العياط. بصتلي وسألت: — حضرتك صاحبة البيت؟ قلت بحذر: — أيوه… في حاجة؟ بصت للطفلة اللي في حضني، ووشها اتغير. وبصوت مرتعش سألت: — هي… اتولدت من 3 أيام؟ حسيت بقلبي اتقبض. وضميت بنتي أكتر لصدري وقلت: — إنتِ مين؟ وإزاي عرفتي؟ الست بلعت ريقها وقالت: — العيادة كلمتني امبارح… بعد ما بنتك اتولدت. اتجمدت مكاني. وقلت: — والعيادة تكلمك إنتِ ليه؟ لكن بدل ما تجاوبني… مدت إيدها ببطء جوه معطفها… وطلعت حاجة خلت الدم ينشف في عروقي.

الست مدت إيدها ببطء جوه معطفها… وطلعت ظرف أبيض كبير. على الظرف كان شعار العيادة. أنا أول ما شفته، رجلي ماعادش شايلاني. قلت لها: — إيه ده؟ قالت وهي بتحاول تمنع صوتها من الارتعاش: — نتيجة تحليل جيني. بصيت لها وأنا مش فاهمة: — تحليل إيه؟ رفعت عينيها ليا وقالت: — تحليل للبنت اللي في حضنك. حسيت إن نفسي وقف. ضميت الصغيرة أكتر وقلت: — إنتِ بتقولي إيه؟ إنتِ تعرفي بنتي منين أصلًا؟ نزلت الست عينيها وقالت: — عشان… كان المفروض تكون بنتي أنا.

الدنيا لفت بيا. مسكت طرف الباب بإيدي: — إيه؟ قالت بسرعة: — اسمعيني بس. أنا مش جاية آخدها منك. ولا جاية أعمل فضيحة. أنا جاية عشان العيادة غلطت غلطة كبيرة. قلت بعصبية: — غلطة إيه؟ مدتلي الظرف. فتحت الورق بإيد بتترعش. كان فيه أسماء وأرقام وتحاليل. ماكنتش فاهمة كل التفاصيل، لكن جملة واحدة كانت واضحة قدامي: “عدم تطابق العينة الجينية مع صاحبة البويضة المسجلة.” رفعت عيني عليها: — يعني إيه؟ قالت: — يعني العيادة اكتشفت إن البويضة اللي استخدموها في الإخصاب… مش بويضتك. سكتت لحظة: — كانت بويضتي أنا.

أنا تقريبًا ما سمعتش باقي كلامها. كل اللي كنت حاساه هو وزن بنتي في حضني. بصيت لوشها الصغير. لأنفها. لإيديها. للنفس الهادي اللي طالع منها. وبعدين قلت: — لا. الست قربت خطوة: — أنا فاهمة صدمتك. صرخت فيها: — قلت لا! الصغيرة اتحركت في حضني. فوطيت صوتي فورًا. قلت وأنا ببص للست: — دي بنتي. أنا اللي استنيتها 42 سنة. أنا اللي جهزت لها الأوضة. أنا اللي فضلت أصحى كل ليلة أبص على السرير الفاضي وأقول يمكن ربنا يرزقني يوم.

الست دموعها نزلت. قالت: — وأنا خسرت طفلي من سنين، وجمدت بويضات، ولما قررت أستخدمها قالولي إن آخر عينة عندي فشلت. بصت للطفلة: — والنهارده بيقولولي إن العينة ما فشلتش… العينة اتاخدت بالغلط واتستخدمت في حالتك. سكتنا. الاتنين. كل واحدة فينا شايفة في نفس الطفلة عمر كامل. قلت لها: — طب والأب؟ قالت: — المتبرع المستخدم في الإخصاب هو نفسه اللي كان مسجل في ملفك. الغلط كان في البويضات.

حسيت إني بتكسر من جوايا. مش عشان الطفلة بقت أقل بالنسبة لي. بالعكس. لكن عشان الحلم اللي فضل عايش جوايا أكتر من أربعين سنة… فجأة حد بيقولي إن تفاصيله غير اللي كنت فاكرها. قلت: — ليه انتي جيتي؟ قالت: — العيادة كانت عايزة تكلمك بنفسها. بصيت لها: — طب وليه سبقتيهم؟ سكتت. وبعدين قالت: — عشان كنت خايفة. — من إيه؟ — من إنهم يحاولوا يخبوا الموضوع.

السكوت اللي حصل بعدها كان تقيل. قلت: — عندك دليل؟ فتحت موبايلها. ورّتني رسائل من العيادة. مواعيد. طلب إعادة تحليل. وتسجيل لمكالمة قانونية. قالت: — أنا جبت محامي. مش عشان أخد البنت. عشان الحقيقة ما تضيعش. قلت: — يعني انتي مش عايزاها؟ السؤال خرج مني قبل ما أفكر. هي اتوجعت. بان في وشها. قالت: — متقوليش كده. بصت للصغيرة وقالت: — أنا مش عارفة أنا عايزة إيه. سكتت شوية: — لما قالولي إنها مولودة، حسيت إن قلبي بيجري لها. ولما شفتك شايلها كده… عرفت إن الموضوع مش ورق.

دخلتها البيت. مكنتش عارفة ليه. يمكن عشان ماينفعش نقف نتخانق على روح صغيرة عند الباب. قعدنا. أنا ماسكة الطفلة. وهي قدامي. قالت: — ممكن أشوفها من قريب؟ اترددت. لكن في الآخر قربت. بصت لها. ومدت صباعها. الطفلة مسكته. الست انفجرت في العياط. وأنا دموعي نزلت معاها. في اللحظة دي، فهمت إن المشكلة مش إن واحدة فينا بتحب الطفلة أكتر. المشكلة إن الاتنين كان عندهم حق يتوجعوا.

تاني يوم، روحت العيادة. ومعايا محامي. والست كانت موجودة. مدير العيادة حاول يبدأ بكلام رسمي: — حصل خطأ إجرائي نادر للغاية… قاطعته: — متقوليش “خطأ إجرائي”. بصيت في عينه: — دي طفلة. وسكت. قلت: — ودي مش ورقة اتبدلت.

التحقيق بدأ. واتضح إن خطأ في ترميز عينتين قديمتين حصل وقت نقل المواد المجمدة من وحدة تخزين لوحدة تانية. النتيجة؟ العينة المسجلة باسمي كانت تخص الست التانية. وعينتي الحقيقية… كانت لسه موجودة. أنا ما صدقتش. قلت: — موجودة؟ قال الدكتور: — نعم. — يعني البويضة بتاعتي ما استخدمتوش؟ — لا. حسيت إحساس غريب. راحة؟ غضب؟ حيرة؟ يمكن التلاتة.

بصيت للست. هي قالت: — يعني أنا الأم البيولوجية. الدكتور هز راسه. وأنا قلت: — وأنا الأم اللي استلمتها وبدأت أرعاها من أول يوم. المحامي قال إن الموضوع معقد. وإنه لازم يتم التعامل معاه قانونيًا وبهدوء.

كان ممكن القصة تتحول لمعركة. محاكم. اتهامات. عناوين. لكن الغريب إن الست ما طلبتش تاخد الطفلة فورًا. ولا أنا قلت إن محدش يشوفها. اتفقنا على حاجة أصعب. نهدى. ونفكر في مصلحة البنت قبل جرحنا إحنا.

عدت أسابيع. الست بدأت تزورنا. في الأول كنت بتوتر من كل حركة تعملها. لو شالت الصغيرة، قلبي يقرصني. لو ضحكت لها، أغار. ولو الطفلة سكتت في حضنها، أحس إني بتسرق مني. لكن مرة، وأنا تعبانة جدًا من قلة النوم، لقيتها بتقولي: — نامي ساعتين. أنا هفضل معاها هنا قدامك. كنت هرفض. لكن غلبني التعب. نمت. ولما صحيت، لقيتها قاعدة على الكرسي والهدهدة في إيدها، والصغيرة نايمة. بصتلي وقالت: — هي بتحب تتحرك كده قبل ما تنام. قلت: — عارفة. ضحكت رغم نفسي. قالت: — واضح إن عندنا حاجات كتير نتعلمها من بعض. من يومها، الحاجة اللي كانت ممكن تخلينا أعداء… بدأت تعمل العكس.

بعد شهور، المحكمة اعتمدت ترتيبات قانونية تحفظ حقوق الطفلة وتمنع أي قرارات متسرعة. أنا فضلت الأم المسؤولة عن رعايتها اليومية. والست التانية بقت موجودة في حياتها بشكل ثابت وواضح. مش “الست اللي جاية تاخدها”. ولا “السر”. لكن جزء من حقيقتها. اتفقنا إن لما تكبر، ما نكدبش عليها. نقول لها الحقيقة بطريقة تناسب سنها. إنها جت للدنيا بسبب خطأ مؤلم… لكن اتقابلت بحب من اتنين ستات بدل واحدة.

بعد سنة، كنت قاعدة في الجنينة والصغيرة بتجري قدامي. خطواتها كانت لسه متلخبطة. الست كانت قاعدة جنبي. قالت لي: — فكرتِ في عينتك؟ بصيت لها. سكتت. أنا كان لسه عندي البويضة اللي اتجمدت من سنين طويلة. العينة الحقيقية. قلت: — آه. — وقررتي؟ بصيت للبنت وهي بتضحك. قلت: — أيوه. — هتستخدميها؟ ابتسمت: — لا. استغربت. قلت: — أنا فضلت عمري كله فاكرة إن الأمومة لازم تبدأ من جيناتي. بصيت للبنت: — لكن دي علمتني إن الأمومة ممكن تبدأ من الانتظار… وتكبر بالرعاية… وتثبت نفسها كل يوم.

الست سكتت. قلت: — أنا بقيت أم فعلًا. دموعها لمعت. قالت: — وأنا كمان. ضحكت: — شكل بنتنا قررت تخلينا إحنا الاتنين نكبر غصب عننا. قالت: — بنتنا؟ بصيت لها: — أيوه. ضحكت وهي بتعيط.

لما الصغيرة كملت أربع سنين، سألتني سؤال كنت مستنياه وخايفة منه. قالت: — ماما… ليه أنا عندي مامتين؟ ركعت قدامها. وقلت: — عشان ربنا كتبلك حكاية مختلفة شوية. أشارت للست التانية وقالت: — وهي ماما؟ قلت: — هي الست اللي بدأ منها وجودك. وأشرت لنفسي: — وأنا الست اللي استنيتك سنين وفتحتلك بيتي وقلبي. فكرت شوية. وبعدين قالت: — يعني أنا محظوظة؟ ضحكت ودموعي نزلت: — جدًا. جريت حضنتنا إحنا الاتنين.

وفي اللحظة دي، بصيت ناحية الرف اللي عليه الظرف القديم. نفس الظرف اللي افتكرته يومها هيضيع حياتي. لكنه في الحقيقة كشف حاجة ماكنتش أعرفها عن نفسي. أنا قضيت سنين فاكرة إن حلمي هو إني “أخلف”. لكن حلمي الحقيقي… كان إني “أم”. والفرق بينهم كبير. لأن الأمومة ما اتثبتتش في تحليل. ولا في عينة. ولا في ورقة. اتثبتت في ليالي السهر. وفي الخوف. وفي أول ضحكة. وفي أول مرة مدت إيدها ناحيتي. وفي اليوم اللي فهمت فيه إن الحب مش دايمًا معناه التملك. أحيانًا… الحب الحقيقي هو إنك توسّع قلبك عشان الحقيقة كلها تدخل جواه.

تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى