كل ليله حكايات اسما السيد 2

فضلت ماسكة الموبايل وأنا مش قادرة أتكلم.
الأستاذ عادل ناداني:
— نهى؟ إنتِ معايا؟
— معاك… بس إنت متأكد إن الاسم هو ريم عبدالعزيز؟
— متأكد.
— يمكن واحدة تانية بنفس الاسم.
— كنت أتمنى.
سكت لحظة، وبعدين قال:
— رقم بطاقتها موجود في التوكيل. هي نفس ريم اللي شغالة مع حسام.
حسيت إن الخيانة اللي كنت فاكرة إني فهمتها رجعت أكبر وأعقد.
— أبويا كان يعرفها منين؟
— معرفش. لكن التوكيل مش بيديها حق تتصرف في شركتك.
— أمال بيديها إيه؟
سمعت صوت تقليب الورق.
— تحصيل مبلغ مالي محدد من حساب قديم كان باسم والدك، وإنهاء إجراءات تخص عقار في الإسكندرية.
الإسكندرية.
افتكرت إن حسام دفع تجديد بيت أهل ريم هناك.
سألت بسرعة:
— عنوان العقار موجود؟
قالهولي.
كتبته.
وقلبي بدأ يدق أسرع.
بعد ما قفلت، فضلت أفكر.
لو حسام عرف ريم من 3 سنين…
وأبويا كان يعرفها من 5 سنين…
يبقى في سنتين كاملين أنا مش عارفة عنهم حاجة.
بالليل، حسام رجع متأخر.
كالعادة كان مستحمي.
وشعره لسه مبلول.
وريحته برفان مختلف.
المرة دي ما سألتوش.
دخل وهو بيصفر، وبمجرد ما شافني قال:
— مالك قاعدة في الضلمة؟
— مستنياك.
قرب مني.
— وحشتك؟
بصيتله وقلت:
— جدًا.
ابتسم.
كان فاكرني رجعت نهى القديمة.
الست اللي تصدق.
وتستنى.
وتمضي.
وتسامح.
سألته فجأة:
— حسام… إنت عرفت ريم إمتى؟
ابتسامته اختفت لحظة.
— قولتلك مش عايز نتكلم في الموضوع.
— بس فضول.
— من الشغل.
— من 3 سنين؟
— تقريبًا.
هزيت راسي.
— تمام.
قام يغير هدومه.
لكن وأنا ببص لضهره، عرفت إنه كدب.
تاني يوم، رحت الإسكندرية.
وصلت العنوان المكتوب في التوكيل.
بيت قديم من تلات أدوار في شارع جانبي هادي.
وقفت قدام الباب فترة.
وبعدين خبطت.
فتحتلي ست في أواخر الخمسينات.
— نعم؟
قلت:
— ده بيت عيلة عبدالعزيز؟
وشها اتغير.
— حضرتك مين؟
— نهى.
الست مسكت الباب بقوة.
— نهى مين؟
قلت اسم أبويا.
وشها فقد لونه.
وبدأت تقفل الباب.
حطيت إيدي.
— حضرتك تعرفي أبويا؟
— امشي يا بنتي.
— وريم تعرفه منين؟
عينيها اتمليت دموع.
— امشي.
— مش همشي قبل ما أفهم.
صوت بنت جه من جوه:
— مين يا ماما؟
وظهرت ريم.
أول مرة أشوفها قدامي.
كانت أصغر مني بسنين.
جميلة ومرتبة.
لكن أول ما شافتني، وقفت مكانها.
— نهى؟
قلت:
— أهو طلعنا نعرف بعض.
أمها بصت لها.
— دي نهى؟
ريم قالت بسرعة:
— ادخلي يا ماما.
دخلت أمها.
وفضلنا واقفين عند الباب.
قلت:
— حسام قالك إني جاية؟
— لأ.
— كويس.
طلعت صورة التوكيل من شنطتي.
أول ما شافته، ملامحها اتغيرت.
— جبتي ده منين؟
— يبقى حقيقي.
— نهى، الموضوع مش زي ما إنتِ فاكرة.
ضحكت.
— الجملة المفضلة لأي حد اتقفش.
— أنا مش بتكلم عن حسام.
— أمال؟
بصت حواليها وقالت:
— ادخلي.
دخلت.
البيت كان متجدد فعلًا.
أثاث جديد.
دهانات جديدة.
لكن عيني وقعت على صورة قديمة فوق مكتبة الصالة.
قربت منها.
أبويا.
واقف جنب راجل معرفوش.
وبينهم بنت صغيرة عندها حوالي 10 سنين.
ريم.
لفيت لها.
— الصورة دي إيه؟
قالت:
— أبوكي كان صاحب أبويا.
— مجرد صاحب؟
سكتت.
أمها خرجت من الأوضة وقالت:
— كفاية يا ريم.
ريم ردت:
— لأ يا ماما. كفاية سكوت.
قعدت قدامي.
— أبويا وأبوكي كانوا شركاء في مشروع قديم قبل شركة حسام بسنين.
— وبعدين؟
— المشروع خسر.
أمها قالت:
— مش خسر… اتسرق.
بصيت لها.
ريم غمضت عينيها.
— ماما.
لكن أمها كملت:
— أبوكي اكتشف إن شريك تالت كان بيسحب الفلوس من وراهم. أبو ريم حاول يثبت ده، لكنه مات قبل ما القضية تكمل.
قلت:
— وأبويا؟
— أبوكي كمل لوحده. ولما قدر يرجع جزء من الفلوس، اعتبر إن نصها حقنا.
بصيت للتوكيل.
— علشان كده عمل التوكيل؟
ريم هزت راسها.
— آه. الفلوس اللي استلمتها كانت حق أبويا، مش سرقة منك.
بدأ جزء من الصورة يوضح.
لكن سؤال واحد كان أهم.
— وحسام عرفك إزاي؟
ريم سكتت.
قلت:
— ردي.
— هو اللي دور عليا.
— ليه؟
— علشان ورق قديم كان عند أبويا.
— ورق إيه؟
ريم قامت ودخلت أوضة.
رجعت بصندوق صغير.
فتحته.
طلعت صورة عقد.
حطته قدامي.
كان عقد شراكة قديم.
لكن في آخر صفحة كان فيه اسم مألوف جدًا.
اسم والد حسام.
رفعت عيني.
— أبو حسام كان الشريك التالت؟
ريم قالت:
— أيوه.
الصمت نزل على الأوضة.
فجأة فهمت ليه حسام دخل حياة ريم.
يمكن الموضوع ما بدأش كعلاقة.
بدأ بورق.
بس اتحول لإيه بعد كده؟
قلت:
— يعني حسام عرف إن أبوكي عنده مستندات تثبت إن أبوه كان بياخد فلوس من المشروع؟
— آه.
— وبعدين؟
— عرض عليا يساعد عيلتي مقابل إني أسلمه الأصول.
قلت بسخرية:
— ومن هنا حبيتوا بعض؟
ريم بصتلي من غير ما ترمش.
— لأ.
— لأ؟
— أنا وحسام مش متجوزين يا نهى.
— وأنا ماقولتش متجوزين.
— عارفة.
قربت مني.
— بس حسام هو اللي خلاكي تصدقي إن علاقتنا بالشكل اللي في دماغك.
ضحكت بعصبية.
— يعني البرفان؟ الفيديو؟ كلامك معاه الساعة اتنين بالليل؟ “تلات سنين وأنا مستنياك”؟
قالت:
— سمعتِ المكالمة؟
— كل كلمة.
سكتت.
ثم قالت:
— يبقى سمعتي الجزء اللي حسام كان عايزك تسمعيه.
اتجمدت.
— إيه؟
— المكالمة دي ماكانتش صدفة.
قلبي بدأ يدق.
— تقصدي إيه؟
— حسام طلب مني أكلمه الساعة اتنين تحديدًا.
— ليه؟
— علشان كان عارف إنك بتنـزلي تشربي مية في الوقت ده تقريبًا.
رجعت بظهري.
— وإنتِ وافقتي؟
نزلت عينيها.
— آه.
— ليه؟
— لأنه هدد أخويا بالديون اللي عليه.
حسيت إني داخلة متاهة.
— طب والعلاقة بينكم؟
قالت:
— حصلت تجاوزات في علاقتنا، وأنا غلطت لما سمحت له يقرب مني عاطفيًا. لكن الحكاية اللي قالهالك عن إنه هيختار بيني وبينك وإننا بنخطط لحياة سوا… جزء كبير منها كان تمثيل منه.
— ليه يعمل كل ده؟
ريم قربت الصندوق مني.
— علشان يوصلك لمرحلة إنك تطلبي الطلاق بنفسك.
— وليه ما يطلقني هو؟
— لأن في بند في عقد تأسيس الشركة.
افتكرت الـ51%.
قالت:
— لو إنتِ تنازلتي عن حصتك بإرادتك أثناء استمرار الزواج، النقل ممكن يتم بالشروط الموجودة في العقد. لكن لو حصل نزاع قضائي على الطلاق قبل نقل الحصص، أي تصرف كبير في ملكيتك بيتجمد لحد ما النزاع يتحسم.
قلت:
— يعني كان عايزني أمضي الأول… وبعدين يطلقني.
— بالضبط.
سألت:
— واسمك ليه مكتوب كمستفيدة؟
ريم ابتسمت بمرارة.
— لأن حسام ماكانش ناوي يديني الشركة.
طلعت ورقة تانية.
— كان ناوي يستخدم اسمي كواجهة، وبعد النقل بأيام تنتقل الحصص لشركة تانية.
— بتاعة مين؟
حطت الورقة قدامي.
قرأت الاسم.
شركة استثمار مسجلة خارج مصر.
قلت:
— مين صاحبها؟
ريم قالت:
— رسميًا؟ شخص مالوش علاقة بيكم.
— وحقيقيًا؟
— حسام.
سكتُّ.
وبعدين سألتها:
— التوقيع المزور بتاعي… إنتِ اللي قدمتيه؟
قالت:
— قدمته، آه.
— وزورتيه؟
— لأ.
— مين زوره؟
ريم مدت إيدها ناحية موبايلها.
فتحت فيديو.
حطته قدامي.
الفيديو كان متصور من كاميرا صغيرة داخل مكتب.
حسام قاعد قدام موظف.
والموظف بيحاول يقلد توقيعي على ورقة.
صوت حسام واضح:
— خليه قريب منها أكتر… نهى عمرها ما هتعرف.
حسيت ببرودة في جسمي.
قلت:
— ابعتيلي الفيديو.
— هبعته.
وقبل ما تكمل، موبايلها رن.
بصت للشاشة.
وشها اصفر.
كان حسام.
بصتلي.
— ما ترديش.
لكن المكالمة انتهت.
وبعدها وصلت رسالة.
فتحتها.
قرأتها.
ووشها اتغير أكتر.
خدت منها الموبايل.
الرسالة كانت:
“خلي نهى تشرب قهوتها وتمشي. ومتفتحيش الصندوق قدامها.”
بصيت ناحية فنجان القهوة اللي أم ريم كانت حطاه قدامي من شوية.
وبعدين بصيت لريم.
— هو عارف إني هنا.
ريم جريت ناحية الشباك.
بصت للشارع.
وبعدين قفلت الستارة بسرعة.
— عربيته تحت.
قلبي خبط.
— حسام هنا؟
قالت:
— نهى… لازم تمشي من الباب الخلفي.
— لأ.
— إنتِ مش فاهمة.
مسكت الصندوق.
— حسام مش جاي علشانك.
— أمال جاي ليه؟
حضنت الصندوق لصدرها.
— جاي ياخد الأصل الوحيد اللي يثبت إن أبوه هو اللي سرق أبوكي وأبويا.
وفجأة…
سمعنا مفتاح بيتحط في باب الشقة من بره.
بصيت لريم.
— معاه مفتاح؟
همست:
— للأسف.
الباب اتفتح.
ودخل حسام.
وقف في الصالة.
شافني.
بص لريم.
وبعدين للصندوق اللي في إيدي.
الغريب إنه ما اتفاجئش.
ابتسم بس.
وقال:
— كنت عارف إنك هتوصلي هنا يا نهى… بس ما توقعتش بالسرعة دي.
قلت:
— خلاص يا حسام. اللعبة انتهت.
قفل الباب وراه بالمفتاح.
وحطه في جيبه.
— لأ.
قرب خطوة.
— اللعبة لسه هتبدأ.
طلعت موبايلي.
— الفيديو بقى معايا.
ضحك.
— فيديو التوقيع؟
بصيتله.
قال:
— ريم ماقالتلكيش؟
لفيت لها.
وشها كان مرعوب.
حسام كمل:
— الفيديو ده أنا اللي خليتها تصوره.
قلت:
— ليه؟
ابتسامته اختفت.
وقال:
— علشان كنت محتاج حد يصدق إن الموظف ده هو اللي زور توقيعك.
سكت لحظة.
ثم أضاف:
— بينما الحقيقة إن توقيعك الأصلي موجود على مستند أخطر بكتير.
قلبي وقع.
— مستند إيه؟
طلع من شنطته ملف أسود.
ورماه على الترابيزة.
فتحته.
أول صفحة كانت تحمل توقيعي فعلًا.
توقيع حقيقي.
وتاريخ من أربع سنين.
افتكرت اليوم فورًا.
حسام وقتها قال لي إنها أوراق تأمين خاصة بالشركة.
قلبت الصفحة.
وقريت البند.
إيدي بدأت تترعش.
الورقة ماكانتش تأمين.
كانت موافقة مبدئية على ضمان قرض ضخم بضمان حصتي في الشركة.
قلت:
— إنت خدعتني.
رد بمنتهى البرود:
— وإنتِ مضيتي.
ريم قالت:
— بس القرض ده اتسدد.
حسام بص لها.
— القرض الأول آه.
ثم أخرج ورقة ثانية.
— إنما ده لأ.
قريتها.
نفس بيانات الضمان مستخدمة في ملف تمويل أحدث، لكن بتعديلات أنا ما وافقتش عليها.
قلت:
— ده تزوير.
حسام قرب مني.
— أثبتي.
قلت:
— هثبت.
ضحك.
— قبل بكرة؟
— ليه بكرة؟
بص لساعته.
— لأن الساعة عشرة الصبح، لو المبلغ ما اتدفعش، الجهة الدائنة هتبدأ إجراءات التنفيذ على الحصة المرهونة.
ريم شهقت:
— إنت مجنون؟ كده الشركة كلها ممكن تقع!
قال:
— مش هتقع.
— أمال؟
— هتتباع.
سألته:
— لمين؟
ابتسم.
— للشركة الاستثمارية اللي ريم قالتلك عليها.
فهمت.
هو عمل ديون على الشركة.
وبعدين هيشتريها من الناحية التانية بسعر أقل.
ويطلع في الآخر مالك لكل حاجة.
قلت:
— خططت لكل ده من إمتى؟
رد:
— من اليوم اللي عرفت فيه إن أبوكي كتب 51% باسمك بدل ما يكتبهم باسم جوزك.
بصيت للراجل اللي ضيعت 3 سنين مستنياه.
وفجأة حسيت إن آخر ذرة حب جوايا ناحيته ماتت.
قلت:
— افتح الباب.
— هتروحي فين؟
— بيتي.
ضحك.
— البيت كمان داخل في الضمان.
قلت:
— يبقى هنام في الشارع… بس مش هعيش معاك دقيقة تانية.
قرب مني وقال بصوت واطي:
— بقولك إيه يا ست إنتِ… لو باقية على عيشتك، اعملي نفسك عامية وطرشة.
نفس الجملة.
لكن المرة دي ماوجعتنيش.
ابتسمت.
حسام اتلخبط.
— بتضحكي على إيه؟
طلعت موبايلي وحطيته قدامه.
على الشاشة كانت مكالمة شغالة من حوالي عشرين دقيقة.
الأستاذ عادل.
قلت:
— لأنك من ساعة ما دخلت… وإنت مش بتتكلم معايا لوحدي.
وش حسام اتغير.
لكن قبل ما ينطق، صوت الأستاذ عادل طلع من الموبايل:
— كفاية جدًا يا نهى. ما تناقشيهوش أكتر.
حسام مد إيده يخطف الموبايل.
بعدته.
وقلت:
— إنت صح يا حسام.
— في إيه؟
— اللعبة فعلًا لسه بدأت.
خرجت ريم مفتاح احتياطي من درج قريب وفتحت الباب.
خرجت وأنا ماسكة الصندوق.
لكن قبل ما أنزل السلم، حسام قال:
— نهى!
لفيت.
وقف عند الباب وقال:
— اسألي الأستاذ عادل عن آخر ورقة أبوكي مضى عليها قبل ما يموت.
سكت.
ثم ابتسم.
— يمكن بعدها تعرفي مين فينا فعلًا كان بيسرقك.
نزلت.
وبعد ساعة كنت في مكتب الأستاذ عادل.
حطيت الصندوق قدامه.
وقلت:
— حسام قال أسألك عن آخر ورقة أبويا مضى عليها.
الأستاذ عادل ما ردش.
وشه اتغير.
قلت:
— إنت عارفها؟
فتح درج مكتبه ببطء.
طلع ظرف قديم.
كان مكتوب عليه بخط أبويا:
“لا يُفتح أمام نهى إلا إذا انهار زواجها.”
بصيت للأستاذ عادل.
— الظرف ده عندك من إمتى؟
قال:
— من خمس سنين.
فتحت الظرف بإيد مرتعشة.
كان جواه جواب قصير.
قريت أول سطر…
ووقفت.
رجعت قريته تاني.
“بنتي نهى… لو وصلتي للرسالة دي، يبقى حسام عرف إن ريم أخته.”
رفعت عيني للأستاذ عادل.
— أخته؟!
قال بهدوء:
— من الأب.
وقتها بس فهمت إن كل اللي اكتشفته لحد اللحظة دي…
كان مجرد نص الحقيقة.
يتبع…



