تولين للكاتبه اسما السيد 6

**الفصل الخامس عشر والسادس عشر والسابع عشر والثامن عشر – رواية تولين**
استيقظ أيهم، فوجد نفسه غافيًا بين أحضانها كطفل صغير. نظر إليها بوجع، فقد كان على وشك أن يخسرها، ومنذ وجودها بجانبه بدأت روحه تستعيد نورها.
يا الله… والسبب والده!
كلما تذكر ما حدث، شعر أن قلبه لم يعد يحتمل. عيونه كانت تدمع بصمت، وقلبه أصبح معلقًا بها.
شريط حياته مر أمام عينيه. كان مصممًا على استعادة حق زوجته وطفله، طفله الذي كان ثمرة عشقه للمرأة التي امتلكت قلبه وروحه. كم تمنى منها طفلًا صغيرًا يشبهها.
أليس من حقه أن يحيا سعيدًا؟
ما ذنبه؟
فليأتِ أحدهم ويخبره ما الذي فعله حتى يستحق كل هذا الألم.
لو جاء والده وخيره بين أمواله وبين أن يعيش يومًا واحدًا داخل أحضانها، لاختارها دون تردد.
زوجته وحبيبته وطفلته… هدية القدر له.
تولين.
وكفى.
أفاق من صمته وشروده على يديها وهي تمسح دموعه برقة.
كانت تنظر له بنظرة مطمئنة تشبع غروره، وكأنها تراه الرجل الوحيد في العالم، حاميها وسندها.
خرجت منه تنهيدة طويلة كشفت عن ألمه المكبوت.
ابتسمت له واقتربت منه، ثم طبعت قبلة هادئة على جبينه، فهدأت ملامحه قليلًا.
اقترب منها واحتضنها بحنان، ثم استند بجبينه إلى جبينها وقال:
تولين…
يا وجعي.
رفعت عينيها له بحزن.
أكمل:
يا وجعي وفرحتي.
اندست بين أحضانه أكثر، تنشد الدفء والأمان.
اقتربت وقبلت موضع قلبه قائلة برقة:
بتوجعك؟
أدمعت عيناه وقال:
قلبي بيوجعني أكثر.
نظرت له بحب واضح وقالت:
سلامة قلبك يا قلب تولين.
استند بيده السليمة واعتدل في جلسته، ثم أشار لها أن تجلس في مكانها المعتاد بين ذراعيه.
نفذت ما قاله بهدوء، واقتربت تندس بين ذراعيه بحب.
قبل جبينها وقال، بينما عادت نظرات التصميم إلى عينيه:
لازم أفوق عشان آخد حقي وحقك من كل اللي أذونا.
أفاق على يديها وهي تتحرك ببطء على لحيته النامية، في دعوة منها أن يكمل ما بدأه.
قبل يديها التي استقرت على شفتيه بحب، ونظر لها قائلًا:
اسمعيني يا عمري كويس.
أنصتت له.
تولين حبيبتي… أنا عارف إن اللي هقوله لك ده صعب، بس لازم عشان أعرف آخد لك حقك وحق ابننا اللي فقدناه.
نظرت له بعدم فهم.
فطمأنها قائلًا:
دلوقتي محمد وميرال على وصول ومعاهم سليم وساجد، وهتروحي معاهم. مش عاوزك تقلقي، هياخدوكي لمكان هيعجبك.
نظرت له بخوف وقالت:
لا، مش هسيبك… أرجوك يا أيهم. متبعدنيش عنك. أنا مقدرش من غيرك.
اقترب منها واحتضنها بحب.
تولين، إنتِ بتثقي فيا، مش كده؟
أومأت بصمت.
فأكمل:
يبقى تنفذي اللي بقولك عليه. اللي جاي صعب، ومش عاوزهم ياخدوكي نقطة ضعف ليا.
وعاوزك تعرفي مهما غبت عنك، ماليش غيرك.
وأشار بيده إلى قلبها.
إنتِ عنواني يا تولين. هرجع لك يا عمري عشان نعيش حياتنا على نضافة.
اقترب منها يشبع نفسه من أحضانها ورائحتها، علها تكون زاده في أيام الفراق.
أخبرها بما ينوي عليه، على وعد باللقاء القريب.
أتت ميرال بصحبة الطفلين بعدما استطاعت تسنيم إخراج ساجد من القصر، فوالدته لم تكن متفرغة له.
اقتربت تولين من طفليها وأخذت تقبلهما بحب، تخبرهما من بين قبلاتها:
حبايب ماما وحشتوني أوي.
والطفلان يبادلانها ابتساماتهما.
اقترب منهم أيهم بعدما تركهم محمد وميرال.
كان سليم قد ترك والدته ورفع يديه لعمه في دعوة منه كي يحمله.
ضحك سليم قائلًا:
بابا.
حمله أيهم قائلًا:
يا عيون بابا… سليم باشا، وحشتني أوي.
اقترب منهم وقبل ساجد الذي كان يختبئ بين أحضان والدته يبحث عن طعامه، وقال ممازحًا:
إيه الواد ده، مبيضيعش وقت!
ضحكت تولين وقالت:
الله، وإنت متغاظ ليه؟
نظر لها بحدة وقال:
العيال دي تنفطم كفاية عليهم كده.
نظرت له بعبوس:
بس ساجد لسه صغير وجسمه ضعيف.
زفر وقال:
ماشي يا تولين، اعملي اللي إنتِ عاوزاه.
ويلا عشان محمد مستنيكو بره.
نظرت له بضعف وقالت:
مش هتيجي معانا؟
خلينا نمشي من هنا… أنا عاوزاك إنت بس.
مش عاوزة حقوق.
عشان خاطري يا أيهم، أنا خايفة أوي.
اقترب منها، رفع وجهها لعينيه وقبل جبينها بحب:
متخافيش يا قلب أيهم.
وحياتك لازم أخليهم يندموا على كل دمعة نزلت من عينيكي دي.
—
كان محمد يقف مستندًا بجانبه إلى الحائط، ينظر إلى السماء بشرود.
اقتربت منه ميرال ووضعت يدها على كتفه قائلة:
محمد…
أدار نظره ناحيتها في صمت.
فاندفعت تحتضنه بكل قوتها وتبكي بشدة.
اندهش من فعلتها، لكنه كان في أضعف حالاته، وكان محتاجًا لذلك الاحتضان بشدة.
أحكم يديه عليها، وبكى معها بوجع أكبر.
ميرال قالت:
كنت خايفة عليك أوي يا محمد… وحشتني أوي.
أجابها:
وإنتِ أكتر يا روح محمد.
كنت خايف أفضل بعيد عنك وأسيبك لوحدك.
ضربته بخفة على ظهره وقالت:
ابعد الشر عنك، بطل رخامه بقى.
ضحك عليها وقال:
بحبك.
ردت بهمس وخجل:
وأنا كمان بحبك يا قلب البت.
اقترب منها سريعًا ممسكًا بيديها:
قولي والله.
إنتِ قولتي إيه؟
عيدي تاني كده.
ضحكت وقالت:
بحبك يا غبي.
اقترب منها أكثر وقال:
صلاة النبي أحسن… لو أعرف كنت طلبت منك الجواز من زمان.
ثم نظر إليها وقال:
ميرال يا حبيبتي، إنتِ سخنة؟
ووضع يديه على جبينها.
ضربت يديه بخفة وقالت:
يخربيتك فصلتني.
مينفعش معاك رومانسية خالص.
وقامت من جانبه.
اقترب منها مسرعًا واحتضنها من الخلف هامسًا في أذنها:
بحبك والله. بحبك بجنانك ومقالبك وهزارك.
الرخمة.
وحشتيني أوي يا مجنونة.
أراحت رأسها على صدره وقالت:
الحمد لله…
إنت هنا بجد؟
مش مصدقة.
كنت خايفة مشوفكش تاني.
لفها له وقال:
أنا أهو بين إيديكي.
وأمسك يديها يقبلها بحب.
—
بعد ساعة، كان محمد يقود بهم إلى مكان غير معلوم.
كانت تولين تنظر من النافذة بشرود وقلق، وفي سرها تدعو:
يارب احفظه… يارب.
وتذكرت كلماته:
تولين… أنا جنبك وحواليكي.
متقلقيش.
اللي جاي صعب وعايزك تثقي فيا.
حقك وعد عليا ودين.
لازم يرجع.
اقتربت منه واحتضنته قائلة:
والله ما عايزة غيرك.
أنا مستعدة أتنازل عن كل حاجة، بس نعيش مع بعض.
كانت دموعها تنزل بغزارة، فأحس بها وكأنها تحرق قلبه.
رفع رأسها ومسح دموعها وقال:
معدش ينفع.
لازم أمشي الطريق للنهاية.
أنا وعدته إني هحميكي بكل قوتي، ولازم أنفذ.
خلي بالك من نفسك يا قلبي.
نظرت له بتوسل:
هتجيلي؟
أومأ لها بصمت وقال:
مقدرش مجيش يا تولين.
—
كان أيهم يقف أمام والده، ونظراته تحمل الكثير من العتاب.
قال له بصوت هادئ:
وأنا متوقعتش إنك تعمل فيا أنا… ابنك… كده.
نظر والده إليه بصدمة وقال:
أنا… أنا…
ضحك أيهم بسخرية:
إنت إيه بس؟
لكن متقلقش، كل حاجة لازم ترجع لأصلها.
ثم قال:
هسيبك النهارده ترتب كل أمورك في الشركة، وبكرة أبدأ أستلم مسؤوليتي.
يا والدي العزيز.
وأدار وجهه ورحل، وخلفه أمجد.
توقف خارج الشركة يشكر صديقه معتز الذي يعمل في الشرطة.
قال:
شكرًا ليك يا معتز على وقفتك معايا.
ربت معتز على كتفه وقال:
مفيش شكر بينا يا صاحبي، وأنا معاك للآخر لحد ما تاخد حقك وتنضف الشركة.
ومتقلقش، إحنا جهزنا كل وسائل المتابعة اللازمة.
وأظن إن أول حاجة هيدور عليها دلوقتي هي إنه يراجع الملفات الموجودة في خزنته، وإحنا معاه بالصوت والصورة.
أومأ أيهم:
ربنا معانا إن شاء الله.
—
أما في الأعلى، فبعدما خرج أيهم، جلس والده على أقرب كرسي وفتح أزرار قميصه، يتنفس باضطراب.
قال:
مش معقول…
أنا كده ضعت.
كل حاجة راحت.
ثم صاح:
لو كان شريف موجودًا، كان كل شيء اختلف.
دخلت مني عليه وقالت:
مالك؟ في إيه؟ إيه اللي حصل؟
صاح بها:
كل حاجة راحت!
وقص عليها كل شيء.
فرحت في داخلها وقالت:
أخيرًا هرتاح من ظلمك ومن أفعالك.
منك لله.
واظن إن الأوان جه.
أخرج اللي عندي.
صاح بها:
غوري من وشي!
تركته وخرجت.
وبالفعل فتح خزنته وبدأ يجمع الأوراق الموجودة بها.
أتاه اتصال من إحدى قريباته، وتكلم دون أن ينتبه لمن يراقب الموقف خلف الشاشات.
قال:
اسمعيني… شريف باع كل حاجة لأيهم وتولين.
دلوقتي مفضلش قدامنا غير ساجد نستخدمه كورقة ضغط.
هنخليه بعيد عنهم ونساوم عليه مقابل الشركة.
سكت يستمع لها، وسرعان ما صاح بها:
إزاي؟
متعرفيش ابنك فين؟
ضيعتِ كل حاجة من إيدينا!
وأغلق الهاتف وجلس يتنفس باضطراب.
كان أيهم يشاهد ما يحدث مع زميله في المكتب بدهشة.
قال:
هي وصلت لكده؟
رد أمجد ومحمد عليه:
اهدى يا صاحبي.
المشوار لسه طويل.
وده اللي كنا متوقعينه.
كويس إنك بعدت تولين والولاد.
—
كانت تولين تجلس كعادتها منذ ذلك اليوم الذي هاتفها فيه أيهم يسألها عن الصندوق.
عادت ذكرياتها مع شريف تنهمر في لحظتها كالسيل.
لا تعرف ما بها.
فقط كانت تريد البكاء بشدة.
وتذكرت حديثها معه في الماضي.
كانت تسرد له الكلام ودموعها تنزل بغزارة، وهو يستمع إليها بقلب متألم عليها.
قال لها:
أيهم… تولين يا عمري، عشان خاطري متبكيش.
لم ترد.
تولين، عشان خاطري ردي عليا.
استمر بكاؤها، لكنها أخبرته بمكان الصندوق وأغلقت الهاتف سريعًا.
انزوت على نفسها في غرفتها، وجلست كالطفلة الضائعة تبكي بصمت.
وترددت بين شهقاتها:
أنا خاينة… خاينة.
إزاي قدرت أنسى شريف بالسرعة دي؟
إزاي ضعفت كده؟
فتحت الدرج بجانبها وأخرجت ألبوم صورها الذي جمعها بشريف.
أخذت تنظر إلى صورهم واحدة تلو الأخرى، وفي كل صورة ذكرى مختلفة.
كانت تحبه.
وافقت على سرية زواجها منه لأنها أحبته، وعاشت معه بعيدًا عن أعين الآخرين.
لكنها افتقدت معه شعورها بالأمان.
كانت خائفة من المستقبل معه.
من قال إن الحب وحده يكفي لبناء حياة؟
كانت تتمنى كل ليلة أن تستيقظ وتجد شريف بجوارها.
لم يكن يستطيع البقاء معها طوال الوقت.
كان يخشى أن يعرف والده بزواجهما، وكان ضعيفًا أمام ضغوطه.
إلا أن أحواله تغيرت في الفترة الأخيرة.
حتى عندما أنجبت سليم، لم تعش فرحة الأمومة كما كانت تتمنى.
كانت وحيدة.
كانت تحتاج إلى وجود زوجها بجوارها، لكنها لم تجده.
ومع ذلك أحبته.
تغيرت أحواله كثيرًا في الفترة الأخيرة معها، كان يأتيها شاردًا وكأنه يودع مرحلة كاملة من حياته.
نظرة عينيه كانت دائمًا تحمل الحيرة.
لم تلحظ أنه كان يبتعد عنها تدريجيًا.
أحبها هو أيضًا، لكن ظروفه كانت تمنعه من الاقتراب منها كما تتمنى.
وعلى النقيض تمامًا، جاء أخوه أيهم.
تزوجته تنفيذًا لوصية شريف، الذي كان يتمنى لها حياة أكثر استقرارًا.
كان يريد لها أن تقتنص من حياتها فرصة للسعادة، وأن تبدأ من جديد.
كان يتمنى لها أمانًا لم يستطع أن يمنحه لها.
أن تعيش يومها وتترك الماضي خلفها، وتأخذ من تجربتها السابقة درسًا لمستقبلها.
كان قد اعتذر لها عن ضعفه، وعن المرات الكثيرة التي احتاجت فيها إليه ولم تجده.
اعتذر عن كل مرة احتاجت فيها إلى وجوده بجوارها.
اعتذر كثيرًا.
سامحته وعذرته.
وأخبرها أنها ستحب أخاه.
وأحبته بالفعل… بل عشقته.
لكن لماذا تشعر الآن بالذنب؟
وكأنها خذلت شريف.
في الشهور الماضية لم تجد فرصة لتتذكر الماضي.
غمرها أيهم بفيض من المشاعر جعلها تنسى كل شيء إلا حياتها الجديدة معه.
مشاعر حديثة العهد عليها.
بجانبه شعرت بالأمان والسند الحقيقي.
عرفت معنى كلمة السند.
أليس السند هو الأمان والحب معًا؟
السند أن تعود في نهاية اليوم محملًا بهموم الدنيا، فتجد شخصًا يفتح لك ذراعيه، فترتمي بين أحضانه وتخرج كل ما أثقل قلبك.
السند أن تجد يدًا حنونة تمسح على رأسك في أوقات حزنك وتعبك.
أن تجد قلبًا يدعو لك في كل وقت، وكأنك أهم أمنية لديه.
أن يشاركك أنفاسك، لا أن يحصيها عليك.
أن يشعر أنك لست بخير حتى لو كنت في أبعد مكان.
السند هو ذلك الشخص الذي تتمنى أن تعيش معه العمر كله.
السند كان أيهم.
وكفى.
—
**الفصل الثامن عشر**
تلك الليلة لم تغمض لتولين عين.
كانت تبكي في صمت.
دخلت عمتها إليها، فوجدتها في حالة نفسية صعبة.
كان أيهم قد حاول التواصل معها، ولما لم ترد، هاتف عمتها يسأل عنها.
ربتت عمتها على كتفها قائلة:
ليه كده بس يا تولين؟
ليه يا حبيبتي منكدة على نفسك وعلى جوزك ليه يا بنتي؟
ارتمت داخل أحضان عمتها تبكي بوجع.
مسدت عمتها على شعرها بحب وقالت:
هوني على نفسك يا بنتي.
إيه اللي جرى؟
مكنتي كويسة.
في إيه يا تولين؟ احكيلي.
قصت لها ما حدث.
هدأتها عمتها وقالت:
يااه يا تولين… ده كله شيلاه في قلبك؟
طيب يا حبيبتي، ذنبه إيه أيهم في صراع المشاعر اللي جواكي؟
انسي الماضي يا تولين.
ودلوقتي اللي بتفكري فيه ده هو اللي اسمه ظلم لنفسك.
إنتِ دلوقتي مرات أيهم.
وصدقيني في فرق كبير بين الماضي والحاضر.
الحب لوحده مش كفاية.
الإنسان محتاج حد يصونه ويقدر يواجه الدنيا معاه.
يمشي جنبك بفخر ويقول:
دي مراتي.
دي الإنسانة اللي اخترتها.
اللي يفضل وجوده معاكي مهم بالنسبة له.
الحب حاجة حلوة، لكن الأمان حاجة تانية.
قوليلي كده…
كام مرة احتجتي شريف ولقيتيه جنبك؟
ها؟
كام مرة نمتي ودموعك على خدك؟
كام مرة قولتيلي يا عمتي خايفة ييجي اليوم وأفضل لوحدي؟
ها؟
كام مرة سيبتي مكانك وجيتي نمتي في حضني بدل ما تكوني معاه؟
كانت تبكي بعجز.
تعلم أن عمتها على حق.
فمع شريف افتقدت الأمان.
الأمان بالنسبة له كان مرتبطًا بالعمل والمسؤوليات والهدايا، بينما كانت هي تتمنى حضنًا دافئًا ووجودًا حقيقيًا بجانبها.
ربتت عليها عمتها قائلة:
اتمسكي باللي في إيدك يا تولين، واحمدي ربنا.
ربنا منحك فرصة جديدة.
أيهم أمانك يا بنتي.
أنا ببقى مطمنة عليكي وإنتِ معاه.
راجل يعتمد عليه.
واعرفي دايمًا إن فيه فرق بين إنك تقولي: بحبني وبيحبني، وتفضلي تفكري في بكرة هيبقى إيه.
وبين إنك تقولي: بحبك وبتحبني، وتلاقي إيده ماسكة إيدك والدنيا كلها أمان.
تركتها وذهبت.
غفت تولين مكانها وبين يديها صورة جمعتها يومًا بشريف، دون أن تنتبه أنها ظلت ممسكة بها.
—
بعد منتصف الليل، كان أيهم ينزل من الطائرة الخاصة بصديقه مينا.
قال:
مش عارف أشكرك إزاي يا مينا.
ضحك مينا:
عد الجمايل دي يا سيدي.
ضحك أيهم:
واطي واطي يعني.
قال مينا:
يا ابني أبوك راجل قوي وغني ومش عاوز يوفرلك طيارة؟
وترحم أمك من المشوار ده.
تنهد أيهم بوجع وقال:
يلا يا عم غور، وبكرة في نفس الميعاد تكون هنا.
ضرب مينا بيديه وقال:
إيه الجلافة دي يا جدع؟
عموما ماشي.
كل يهون علشان خاطرك يا برنجي.
تركه أيهم بعدما ودعه على وعد باللقاء.
خرج من المطار باحثًا عن وسيلة تقله إلى وجهته.
تقدم منه رجل مسن يقود سيارة أجرة قائلًا:
مواصلة يا ابني؟
تقدم أيهم منه وأخبره بوجهته.
أومأ الرجل وقاد حيث يريد.
تكلم الرجل بلهجته الأسوانية ليكسر الصمت:
شكلك مش من هنا يا ولدي.
أومأ أيهم برأسه:
أيوه.
السائق:
جاي بشغل ولا الهوى اللي رماك؟
تعجب أيهم ونظر له باستفسار.
ضحك الرجل بخفة وقال:
باين على وشك يا ولدي.
الهوى اللي رماك.
ضحك أيهم وقال بهيام:
ولو هعدي بلاد، كله في الآخر يهون بس أشوف عينيها.
ضحك الرجل وقال:
أهل الحب صحيح مساكين.
الطريق طويل، احكيلي قصتك.
شكلك مهموم.
نظر له أيهم وقال:
وشكلك عاشق ولهان يا عم الحج.
ضحك وقال:
فاتتني وراحت، ومقدرتش بعدها.
بقيت أطلع بالعربية دي أطلب رزقي عشان مفضلش أفكر فيها.
بالليل الشوق بيحرق قلبي.
والبيت بيقلب المواجع.
فبخرج أشتغل يمكن أنساها.
وفي كل خطوة بخطيها بقول:
يارب قرب البعيد وأروح لها قريب.
قال أيهم:
يااه، ده إنت حبيب قديم بقى.
وأنا اللي فاكر إني حالة مختلفة.
تعرف؟ أنا عمري ما فكرت في حياتي إني هحب حد كده.
بس شوفتها ومعرفش إيه حصلي.
فجأة لقيتني غرقان ومش عارف لي شط غير عينيها.
قول لي يا عم الحج، أنا كده طبيعي؟
هو طبيعي إني أجي من آخر الدنيا بس عشان أترمى بين إيديها؟
ولا أنا مأفور؟
ولا إيه؟
ضحك السائق وقال:
لا يا ولدي، إنت مش مأفور ولا حاجة.
إنت عاشق.
ولا تلم عاشقًا.
وصل إلى وجهته أخيرًا.
التفت للسائق وقال:
اتشرفت بمعرفتك يا…
رد السائق ببشاشة:
عم غيث.
اسمي غيث يا ولدي.
ضحك أيهم:
تسلم يا عم غيث.
وأخرج محفظته ومد يده يعطيه أجرته.
رد السائق يده قائلًا:
التوصيلة مجانًا للعشاق.
ضحك أيهم وقال:
عشت يا راجل يا طيب.
أخرج الرجل بطاقة تحمل بياناته وأعطاها لأيهـم:
وقت ما تحتاج توصيلة آخر الليل، هتلاقيني.
توصيلة للعشاق.
ورحل.
استدار أيهم ينظر باتجاه البيت.
كان يتمنى أن يخطو معها أول خطوة داخله، ولكن ما باليد حيلة.
استقبله الحارسان اللذان وضعهما لحراستها، واطمأن على الأوضاع.
دخل إلى البيت.
كان الجميع نائمين.
وقف أمام غرفة نومها التي اختار كل ركن فيها بعناية، وحرص على إبقاء كل شيء بها كما تحبه هي.
دخل ببطء، فوجدها منكمشة على نفسها في وضع الجنين.
اقترب منها بهدوء وجلس بجانبها.
شعرها الحريري يغطي وجهها، فرفعه برفق ونظر إلى ملامحها التي تعكسها إضاءة القمر المتسللة إلى الغرفة.
وكأنه اجتمع معه ليسرق بعض اللحظات الجميلة معها.
مرر يده على وجهها برفق.
لمح يديها المنغلقتين على صورة ما.
سحبها ببطء حتى أصبحت في يده.
أدارها باتجاهه ونظر إليها.
كانت صورة لها مع شريف، وعلى يديها طفلهم سليم.
وكأن أحدهم ضغط على أعمق نقطة في قلبه.
تألم بشدة.
وجد دموع عينيه تهبط بلا إرادة.
ورحل تفكيره إلى الوقت الذي قضته معه.
يسأل نفسه:
هل كانت سعيدة معه؟
هل أحبها أكثر مني؟
هل أحبته هي مثلما تحبني الآن؟
هل غنت له؟
هل ضحكت معه؟
هل عاشت معه لحظات جميلة كما تفعل معي؟
اشتعلت الغيرة في قلبه، رغم أنه يعرف أن الماضي انتهى.
تنهد بعمق، يذكر نفسه:
هل كنت أنانيًا حين أحببتها ومنحتها فرصة للحياة؟
ولكن ما باليد حيلة.
هو أحبها وعشقها من أول مرة وقعت عينه عليها.
هل كان أنانيًا لهذه الدرجة؟
أن يتجاهل ألمها وماضيها؟
هل ما زالت تحمل له مشاعر؟
تساءل:
هل أحبتني بنفس القدر؟
أم أنني مجرد اختيار جديد اعتادت عليه؟
أفاق من شروده على حركتها.
تململت وفتحت عينيها ببطء، فوجدته أمامها.
هبّت مسرعة من رقدتها قائلة:
أيهم؟
إنت بجد هنا؟
وبدأت تتحسس وجهه بلهفة.
بكت بشدة، ففتح لها ذراعيه، فاندست داخلهما وهي تبكي.
قالت:
وحشتني أوي يا أيهم.
كان يبكي معها، يقبل وجهها ورأسها بحب، ثم قال:
قولي إنك بتحبيني أنا.
قولي إنك مش بتفكري في الماضي.
وإنك مش ندمانة على جوازنا.
قولي بحبك وارحمي ضعفي معاكي.
قولي يا تولين.
إنتِ ليا أنا.
أنا أول مرة أحس بالغيرة بالشكل ده.
وتوقف ونظر إلى عينيها بحزن.
ومن مين يا تولين؟
من الماضي اللي وجعني؟
ثم أشار إلى الصورة التي كانت بين يديها وقال:
أنا عارف إن كان فيه شخص مهم في حياتك قبل كده.
بس اتمنيت تحبيني أنا أكتر.
يمكن أنانية مني، بس أنا عاوزك ليا أنا.
ساعات بحمد ربنا إننا ما اتقابلناش قبل ما تتغير حياتنا.
كان يمكن أخسر نفسي وحياتي.
أنا مش أناني يا تولين، صح؟
بس أنا بعشقك.
فمتجرحنيش وتوجعي قلبي بذكرياتك.
أرجوكي يا تولين.
ارحميني.
كانت تنتحب في صمت.
صدرها يعلو ويهبط من شدة البكاء.
تهز رأسها قائلة:
لا… لا يا أيهم.
أنا…
قربها منه واحتضنها قائلًا:
إنتِ إيه يا عمري؟
إنتِ إيه؟
قولي يا قلبي.
لفت ذراعيها حول عنقه تبكي، ودموعها أغرقت عنقه.
وقالت:
أنا بحبك.
بحبك إنت.
والله بحبك.
أنا بجلد نفسي وبعذبها عشان بحاول أنسى الماضي.
أيهم، إنت متصور؟
أنا ولا مرة قدرت أفكر في الماضي وإنت معايا.
المفروض كنت أفتكره، مش كده؟
أنا كنت بحبه، بس بعشقك إنت.
أنا خفت واتصدمت وحسيت إني بخذلك لما بدأت حياتي معاك.
لما سألتني النهارده.
أيهم… أنا من يوم ما شوفتك مبفكرش غير فيك.
إنت متخيل؟
أنا كده ظلمتك، صح؟
كانت تتكلم، ويداه تمسدان ظهرها بحب، ودموعه تسبق دموعها.
وكانت ذراعاها محكمتين حول عنقه، وكأنهما خُلقا ليجدا الأمان في بعضهما.
رددت قائلة:
أنا ظلمتك يا أيهم.
ردد بتوهان يشبه توهانها:
قولي يا تولين.
قولي إنك بتعشقيني.
ضحكت وسط دموعها وقالت:
أنا بموت فيك…
ثم تراجعت عن الكلمة وقالت:
أنا بعشقك.
إنت روحي يا أيهم.
خطف قلبي ببدلتك الرسمية من أول مرة شوفتك.
كنوز الدنيا عندي متسويش لحظة واحدة في حضنك.
لو خيروني بين كنوز الدنيا وبين حضنك، هسيب كل كنوزها وأختارك إنت.
وخبطت بخفة على عنقه قائلة:
أنا بعشق ريحتك وتفاصيلك.
بعشقك إنت.
إنت يا غبي.
ردد بهيام:
والغبي بيعشقك إنتِ.
بيتنفسك إنتِ.
يا روح الغبي.
وظل يحتضنها بحنان، يطمئنها أنها ليست مذنبة، وأن الماضي لا يستطيع أن يهدم حاضرًا اختاراه معًا.
لم تكن خائنة.
بل كانت إنسانة وجدت طريقها من جديد.
وكان أيهم بالنسبة لها الأمان الذي طالما بحثت عنه.
وكفى.




