منوعات

وصلت المطار حكايات اسما السيد 1

وصلت المطار قبل الفجر علشان أستقبل خطيبتي، لكن أول واحدة ظهرت قدامي كانت زوجتي السابقة… الست اللي اختفت من حياتي من تلات سنين، بعد شهور قليلة من جوازنا، واللي كنت فاكر إن طلاقنا تم وانتهى كل شيء بينا.

لكنها ما رجعتش لوحدها.

كانت ماسكة في إيدها طفل صغير… طفل أول ما بصلي حسيت إني ببص في مراية لنسخة مني وأنا صغير.

سألتها بصوت متردد:

— اسمه إيه؟

ردت بهدوء:

— اسمه يوسف.

ما قدرتش أسأل أي سؤال تاني.

لكن بعد ساعات، سواق عيلتنا القديم اعترفلي إن أمي، يوم ما زوجتي سافرت من تلات سنين، كانت أمرته يحط ظرف في شنطتها من غير ما تعرف.

واللي كان جوه الظرف… كان السبب في ضياع تلات سنين كاملة من عمرنا.

الجزء الأول

— ما تقوليش إن الطفل ده ابنك!

قالتها خطيبتي بصوت واطي، في اللحظة اللي ظهرت فيها زوجتي السابقة في صالة الوصول، وماسكة طفل صغير من إيده… طفل كان عنده نفس عيني تقريبًا.

كنت واقف في المطار بقالي حوالي عشرين دقيقة مستني خطيبتي.

بالليل، عيلتي كانت مجهزة عشا كبير علشان نعلن رسميًا إننا ناويين نتمم الزواج.

كل حاجة كانت مترتبة.

البيت متزين.

الأهل والمعارف مدعوين.

والكبار في العيلتين كانوا مجهزين الكلام اللي هيتقال عن الاتفاق على الزواج.

كل حاجة كانت محسوبة…

إلا رجوعها.

عرفتها قبل حتى ما أشوف وشها كويس.

نفس مشيتها.

نفس هدوئها.

ونفس الطريقة اللي كانت دايمًا بتمشي بيها رافعة راسها مهما كانت موجوعة.

بس المرة دي ما كانتش لوحدها.

كان جنبها طفل عنده حوالي تلات سنين، لابس شنطة صغيرة عليها رسومات أطفال، وماسك إيد أمه بقوة.

وقفت مكاني وقلت:

— إنتِ؟

رفعت عينيها وبصتلي.

وقالت اسمي بهدوء.

مفيش اقتراب.

مفيش كلام كتير.

بس كان فيه تلات سنين من الأسئلة والوجع واقفين بينا.

بصيت للطفل.

قلبي بدأ يدق بطريقة غريبة.

سألت:

— اسمه إيه؟

ردت:

— يوسف.

الطفل رفع وشه وبصلي.

وقتها حسيت إن الأرض مش ثابتة تحت رجلي.

شكل عينيه…

حواجبه…

الغمازة الصغيرة في دقنه…

حتى طريقته وهو بيكشر لما يتوتر، كانت شبه صور طفولتي بشكل يخوف.

كنت هسألها:

— عنده كام سنة؟

لكن في نفس اللحظة، خطيبتي وصلت.

وقفت جنبنا باستغراب وقالت:

— أنا كنت فاكرة إنك مستنيني لوحدي.

زوجتي السابقة بصت لها.

وبعدين عينيها نزلت على خاتم الخطوبة.

فهمت كل حاجة.

قالت بهدوء:

— ربنا يتمم لكم بخير.

الكلمة خبطتني في قلبي.

لفت علشان تمشي.

لكن قبل ما تخرج، الطفل بصلي مرة أخيرة.

نفس النظرة.

نفس العينين.

وكأن حاجة جوايا كانت بتقولي إن الطفل ده مش غريب عني.

ركبت العربية واتصلت بأمي فورًا.

قلت:

— أنا قابلتها في المطار… وكانت معاها طفل.

سكتت.

الغريب إنها ما سألتش:

مين؟

ولا قالت:

طفل مين؟

قالت بس:

— عندنا مناسبة الليلة. ما تعملش حاجة متسرعة قبل ما نفهم الموضوع.

اتجمدت.

قلت:

— إنتِ عرفتي إني بتكلم عن مين إزاي؟

سكتت ثانيتين.

وبعدين قالت:

— نتكلم لما تيجي.

وقفلت المكالمة.

من اللحظة دي، بدأت أحس إن في حاجة كبيرة مستخبية عني.

بعد ساعات، وأنا في العربية رايح للعشا، كان سواق العيلة القديم هو اللي سايق.

راجل شغال معانا من سنين طويلة، وكنت دايمًا بشوفه من الناس اللي أعرف أثق فيهم.

فضلت ساكت شوية.

وبعدين سألته:

— إنت اللي وصلتها المطار يوم ما سافرت من تلات سنين؟

إيده شدت على الدركسيون.

قال:

— أيوه يا ابني.

سألته:

— ليه عمرك ما قلتلي؟

ما ردش.

قلت:

— أنا سألتك سؤال.

تنهد وقال:

— والدتك طلبت مني ما أتكلمش عن اليوم ده.

حسيت ببرودة ماشية في جسمي.

قلت:

— حصل إيه يومها؟

بصلي في المراية.

لكن قبل ما يتكلم، وصلنا.

دخلت البيت وأنا دماغي هتنفجر من الأسئلة.

العيلة كلها موجودة.

الناس بتبارك.

العصاير والحلويات بتتقدم.

وخطيبتي قاعدة وسط أهلها وهي بتحاول تبتسملي.

لكن أنا ما كنتش شايف قدامي غير وش الطفل.

بعد شوية، خرجت ناحية التراس.

وهناك شفت أمي بتتكلم مع والد خطيبتي بعيد عن الناس.

ماكنوش بيتكلموا كأهل بيجهزوا لجواز أولادهم.

كانوا بيتكلموا كأن بينهم سر قديم.

قربت من غير ما يحسوا.

وسمعت والد خطيبتي بيقول:

— أنا اديتك تلات سنين علشان تنهي الموضوع ده.

أمي ردت بعصبية:

— اديني أسبوع.

قال:

— أسبوع إيه؟ هي رجعت ومعاها الطفل.

وقتها حسيت إن قلبي وقف.

أمي قالت:

— من تلات سنين وافقت تمشي… وهتوافق تبعد تاني.

خرجت من مكاني فجأة وقلت:

— مين اللي وافقت تمشي؟

الاتنين لفوا ناحيتي.

وش أمي اتغير.

قلت وأنا ببص لها:

— وإنتِ عرفتي منين إن معاها طفل؟

ما ردتش.

قربت خطوة.

— الطفل ده ابني؟

قالت:

— مش وقت الكلام ده.

صرخت لأول مرة:

— أمال إمتى وقته؟ بعد ما أتجوز واحدة تانية وأنا ممكن يكون عندي ابن عايش بعيد عني؟

المكان حواليّ بدأ يسكت.

والناس بقت تبص علينا.

لكن ما بقاش يفرق معايا.

قلت:

— وإيه اللي حصل من تلات سنين؟

قبل ما أمي ترد، سمعت صوت السواق من ورايا:

— أنا هقولك.

لفيت ناحيته.

كان واقف عند الباب ووشه كله ندم.

قال:

— أنا سكت كتير… وربنا يسامحني.

أمي قالت بسرعة:

— اخرج بره.

لكنه ما اتحركش.

بصلي وقال:

— يوم ما مراتك سافرت من تلات سنين، والدتك ادتني ظرف وقالتلي أحطه في شنطتها من غير ما تشوفني.

سألته:

— ظرف إيه؟

رد:

— أنا ما كنتش أعرف اللي فيه وقتها.

أمي صرخت:

— كفاية!

لكن السواق كمل:

— بعدها بأسبوع عرفت.

سكت لحظة.

وبعدين قال الجملة اللي قلبت حياتي:

— كان فيه مستندات مزورة بتقول إنك طلقتها… ومعاها رسالة مكتوبة باسمك، بتقول إنك عرفت إنها حامل وإنك مش عايز تشوفها هي ولا الطفل.

ما قدرتش أتكلم.

رجعت بصيت لأمي.

قلت:

— أنا عمري ما كتبت الكلام ده.

نزلت عينيها.

وفي اللحظة دي فهمت.

زوجتي ما اختفتش لأنها بطلت تحبني.

وما حرمتنيش من ابني بإرادتها.

هي خرجت من حياتي وهي مقتنعة إني أنا اللي طردتها.

وأنا قضيت تلات سنين فاكر إنها هي اللي سابتني.

أما الطفل اللي شوفته الصبح…

فكان ابني الشرعي.

ابني اللي كبر تلات سنين وأنا ما أعرفش حتى إنه موجود.

لكن الصدمة الأكبر ما كانتش في الرسالة المزورة.

لأن السواق مد إيده في جيبه، وطلع ورقة قديمة وقال:

— وفي حاجة تانية والدتك ما تعرفش إني احتفظت بيها.

بصيت للورقة.

وقال:

— دي تثبت إن الطلاق اللي إنت فاكر إنه حصل… ما تمش بالطريقة اللي قالوهالك.

وقتها بصيت لخطيبتي.

وبعدين لأمي.

وعرفت إن قبل ما أفكر في أي زواج جديد…

لازم أعرف الأول الحقيقة كاملة.

لأن في مكان ما، كانت فيه ست لسه يمكن تكون زوجتي شرعًا…

وابن صغير عاش عمره كله فاكر إن أبوه هو اللي رفضه.

#أسما_السيد

الفصل الثاني

فضلت واقف مكاني، والورقة في إيدي، وأنا حاسس إن كل الأصوات اللي حواليا اختفت.

الناس لسه واقفة.

أهل خطيبتي.

قرايبي.

الخدم داخلين خارجين.

بس أنا ما بقيتش شايف غير أمي.

والورقة اللي السواق حطها في إيدي.

فتحتها بسرعة.

بصيت للسطر الأول.

وبعدين التاني.

ورجعت قريتها من الأول كأني مش فاهم عربي.

قلت:

— إيه ده؟

السواق بلع ريقه.

— دي صورة من الطلب اللي اتقدم وقتها علشان يثبت إن الطلاق حصل.

قلت:

— وإيه المشكلة؟

أشار بإيده على آخر الورقة.

— الطلب اترفض.

رفعت عيني له.

— اترفض ليه؟

سكت.

قلت بصوت أعلى:

— ليه؟!

رد:

— لأن التوقيع اللي عليه باسمك… ماطابقش توقيعك الرسمي.

حسيت إن الورقة بقت تقيلة في إيدي.

بصيت لأمي.

— يعني إيه؟

ما ردتش.

السواق قال:

— يعني الورق اللي اتبعت لمراتك يومها ماكانش ورق طلاق صحيح.

قلت:

— استنى.

قربت منه.

— يعني أنا وهي…

ماعرفتش أكمل.

السواق هز راسه بحذر.

— على الورق اللي أنا شوفته وقتها، مفيش حاجة كانت تثبت إن الطلاق تم بشكل صحيح.

أمي قالت بسرعة:

— بلاش كلام في حاجات إنت مش فاهمها.

لفيت لها.

— أمال أفهمها من مين؟

قالت:

— المحامي كان بيتابع الموضوع.

ضحكت بمرارة.

— المحامي؟

رفعت الورقة قدام وشها.

— المحامي اللي قدم ورق بتوقيع مش توقيعي؟

قالت:

— أنا كنت بحاول أصلح حاجة إنت ماكنتش قادر تشوفها.

قلت:

— تصلحي إيه؟

سكتت.

قربت منها أكتر.

— أنا سألتك.

ردت بعصبية:

— جوازك منها كان غلطة!

الجملة نزلت على المكان كله.

حتى والدة خطيبتي رفعت إيدها على بقها.

أنا فضلت باصص لأمي.

قلت بهدوء مخيف:

— غلطة؟

قالت:

— أيوه.

— علشان بنت من عيلة أقل مننا؟

قالت:

— الموضوع ماكانش بس فرق عائلات.

— أمال إيه؟

بصت ناحية والد خطيبتي.

الحركة ماعدتش عليا.

لفيتله.

— إنت كنت داخل في الموضوع؟

قال:

— إحنا لازم نتكلم بعيد عن الناس.

قلت:

— الناس دي كلها اتجمعت علشان تعلنوا جوازي من بنتك، صح؟

سكت.

— يبقى تسمع.

خطيبتي كانت واقفة جنب أبوها.

وشها متغير.

بصتلي وقالت:

— أنا عايزة أفهم حاجة واحدة.

سكتنا.

نزعت خاتم الخطوبة من إيدها ببطء.

وقالت:

— هل إنت لسه متجوزها؟

قلت:

— أنا نفسي لسه مش عارف.

أبوها قال بعصبية:

— ما تعمليش تصرفات متهورة.

لفتله.

— المتهور إني ألبس خاتم راجل ممكن يكون أصلًا متجوز؟

قال:

— الموضوع هيتحل.

ردت:

— يتحل؟

بصت حواليها.

— إنتوا عاملين حفلة كاملة قبل ما تتأكدوا هو حر أصلًا يتجوز ولا لأ؟

محدش رد.

حطت الخاتم على الترابيزة.

وقالت:

— من اللحظة دي، مفيش خطوبة لحد ما الحقيقة كلها تظهر.

أمها قالت:

— يا بنتي استني.

ردت:

— لأ يا ماما.

بصتلي.

— لو الست دي لسه مراته، أنا مش هدخل بينهم.

سكتت لحظة.

— ولو الطفل ابنه، آخر حاجة محتاجها الطفل ده إن واحدة غريبة تدخل تنافس أمه.

الكلام وجعني، لكنه كان صح.

لفت ومشيت ناحية الباب.

أبوها جري وراها.

لكنها وقفت فجأة.

رجعت بصت لأبوها.

وقالت:

— على فكرة… أنا كمان عايزة أعرف إنت كنت بتقول لإيه لوالدته: “إحنا اديناك تلات سنين”.

وشه اتغير.

قال:

— ريم…

دي كانت أول مرة اسم خطيبتي يتقال قدامي وأحس إنه بقى بعيد عن حياتي.

ريم كملت:

— أنا كنت جزء من اتفاق وأنا مش عارفة؟

قال:

— مش وقت الكلام.

قالت بسخرية:

— واضح إن كل حاجة عندكم “مش وقتها”.

ومشيت.

بعد ما خرجت، بصيت لأمي.

قلت:

— عايز أعرف من الأول.

قالت:

— مش هنا.

— لأ، هنا.

— الناس واقفة.

— يخبطوا دماغهم في الحيط.

علت صوتها:

— احترم نفسك وأنا بكلمك!

ضحكت.

— إنتِ بتكلميني عن الاحترام؟

رفعت الورقة.

— بعد تزوير طلاق؟

قالت:

— أنا ما زورتش طلاق!

— أمال مين؟

سكتت.

قلت:

— مين كتب الرسالة باسمي؟

سكتت أكتر.

قلت:

— مين عرف إنها حامل؟

نزلت عينيها.

دي لوحدها كانت إجابة.

قلبي دق بعنف.

قلت:

— كنتِ عارفة.

ما ردتش.

— كنتِ عارفة إنها حامل يوم ما سافرت.

رفعت عينها.

قالت:

— عرفت قبل سفرها بيوم.

حسيت الدنيا بتلف بيا.

قعدت على أقرب كرسي.

قلت:

— وسبتيها تمشي؟

قالت:

— هي اللي وافقت.

رفعت عيني بسرعة.

— وافقت؟

قالت:

— أيوه.

— على إيه؟

— تبعد.

قلت:

— بعد رسالة مكتوبة باسمي بتقول لها إني مش عايزها هي ولا ابني؟

ما ردتش.

قمت.

— دي مش موافقة.

قربت منها.

— دي واحدة اتطردت من حياتها وهي فاكرة جوزها هو اللي طردها.

أمي قالت:

— كنت شايفة إن ده الأفضل.

صرخت:

— الأفضل لمين؟!

سكتت.

قلت:

— ليا؟

أشرت على نفسي.

— أنا اللي كنت بنام كل ليلة تلات سنين فاكر إنها هربت مني؟

أشرت ناحية الباب.

— ولا لابني اللي اتولد من غير أبوه؟

قالت:

— أنا ماكنتش أعرف إنها هتحتفظ بالحمل.

اتجمدت.

الجملة نفسها كانت بشعة.

قلت:

— إنتِ كنتِ عايزاها تعمل إيه؟

أمي أدركت إنها قالت أكتر مما المفروض.

سكتت.

بصيتلها.

— إنتِ عرضتي عليها حاجة؟

قالت:

— لأ.

— أمي.

سكتت.

— إنتِ عرضتي عليها إيه؟

قالت بعصبية:

— ماكانش ينفع الطفل يربطك بيها!

حسيت إني اتلطمت.

السواق قال:

— يا مدام، كفاية.

لفتله:

— وإنت اسكت!

لكنه لأول مرة ما سكتش.

قال:

— لأ.

كلنا بصينا له.

قال:

— أنا سكت تلات سنين.

اتقدم خطوة.

— وشايل ذنب الحاجة دي كل يوم.

أمي قالت:

— إنت موظف عندي، خليك في حدودك.

رد:

— أنا بني آدم قبل ما أكون موظف.

بصلي.

— فيه حاجة ما قلتهاش.

قلت:

— إيه تاني؟

قال:

— يوم سفرها… هي ماكانتش رايحة المطار من البيت على طول.

قلت:

— أمال؟

قال:

— والدتك قالتلي أوديها الأول لمكتب محامي.

بصيت لأمي.

السواق كمل:

— قعدت جوه حوالي ساعة.

— وبعدين؟

— خرجت وهي منهارة.

قلت:

— قالتلك حاجة؟

هز راسه.

— طول الطريق ما تكلمتش.

سكت لحظة.

— بس قبل ما تنزل في المطار، سألتني سؤال.

قلت:

— إيه؟

قال:

— قالتلي: “هو فعلًا طلب منك ما تجيبش سيرتي قدامه؟”

قلبي اتعصر.

قلت:

— ورديت بإيه؟

السواق نزل عينه.

— سكت.

قلت:

— ليه؟

قال:

— لأن والدتك كانت قالتلي قبلها إن لو اتكلمت، هتطردني… وأنا وقتها كان عندي بنت مريضة ومحتاج الشغل.

صوته اتهز.

— أنا غلطت.

ماقدرتش حتى ألومه.

كنت عندي سؤال واحد.

قلت:

— المحامي ده اسمه إيه؟

أمي قالت بسرعة:

— ملوش لزوم تروحله.

بصيتلها.

— يبقى لازم أروحله.

قالت:

— المكتب اتقفل.

— المحامي مات؟

سكتت.

— مات؟

قالت:

— لأ.

قلت:

— أمال؟

السواق رد بدلها:

— اختفى بعدها بشهور.

سكت المكان.

قلت:

— اختفى يعني إيه؟

قال:

— سافر برا مصر فجأة.

قلت:

— تعرف عنوانه؟

— لأ.

قلت:

— رقمه؟

— اتغير.

بصيت لأمي.

قلت:

— واضح إنك كنتِ منظفة كل الخيوط.

قالت:

— أنا ما عملتش حاجة غير إني حاولت أحميك.

قلت:

— من إيه؟

بصيت في عينيها.

— من مراتي؟

سكتت.

— ولا من حاجة هي كانت تعرفها؟

وش أمي تغير.

الحركة كانت بسيطة.

بس شفتها.

قلت:

— فيه حاجة تانية.

قالت:

— مفيش.

— فيه.

قربت منها.

— وكل ما بتكذبي، وشك بيقول.

والد ريم، اللي كان واقف ساكت طول الوقت، قال:

— خلاص.

لفيتله.

قال:

— إنت عايز الحقيقة؟

قلت:

— أيوه.

قال:

— مراتك ما خرجتش من حياتك بس علشان أمك ما كانتش عايزاها.

أمي صرخت:

— ما تتكلمش!

بص لها.

— كفاية.

قالت:

— إحنا اتفقنا.

قلت:

— اتفقتوا على إيه؟!

بصلي الرجل.

وقال:

— قبل ما مراتك تمشي بأسبوع، أبوها اكتشف حاجة في شركتكم.

اتجمدت.

قلت:

— أبوها؟!

قال:

— كان بيشتغل محاسب عندكم فترة.

دي كانت معلومة جديدة بالنسبة لي.

أمي قالت:

— الموضوع انتهى من زمان.

قلت:

— اكتشف إيه؟

والد ريم رد:

— تحويلات مالية.

سكت.

— فلوس كانت بتخرج من الشركة بطريقة ماحدش كان المفروض يعرفها.

بصيت لأمي.

قلت:

— وإيه علاقة مراتى؟

قال:

— أبوها حكى لها.

بدأت أحس إن صدري بيضيق.

قلت:

— وبعدين؟

الرجل قال:

— وبعدها بأيام، ظهر بلاغ بيقول إن أبوها هو اللي اختلس الفلوس.

قلت:

— هو كان حرامي؟

رد:

— لأ.

الأرض هربت من تحت رجلي.

قال:

— بس الورق كان معمول بشكل يخليه هو المتهم.

بصيت لأمي.

— إنتِ عملتي كده؟

قالت:

— ماكانش بإيدي.

— مين؟

ما ردتش.

والد ريم قال:

— الاتفاق كان إنها تمشي… وفي المقابل البلاغ يتجمد.

قلت:

— اتفاق مين؟!

قال:

— أمك.

سكت.

— ومراتك.

قلت:

— يعني هي ما مشيتش علشان صدقت رسالة الطلاق بس.

قال:

— لأ.

سكت لحظة.

— هي مشيت علشان تنقذ أبوها.

كل حاجة بدأت تدخل في بعضها.

الرسالة.

الحمل.

السفر.

السكوت.

قلت:

— وانت مالك بكل ده؟

الراجل سكت.

أمي رفعت عينيها له.

نظرة واحدة بينهم كانت كفاية.

قلت:

— إنت شريك في الموضوع؟

قال:

— أنا دخلت الشركة في وقت كانت محتاجة سيولة.

— وإيه المقابل؟

سكت.

قلت:

— إيه المقابل؟!

قال:

— ارتباط العيلتين.

بصيت ناحية الباب اللي ريم خرجت منه.

وفهمت.

قلت:

— يعني كنتوا مرتبين جوازي من بنتك من تلات سنين؟

قال:

— مش بالشكل ده.

ضحكت.

— أمال شكله إيه؟

محدش رد.

طلعت من البيت.

السواق لحقني.

قال:

— رايح فين؟

قلت:

— لها.

— تعرف هي فين؟

وقفت.

بصيتله.

مد إيده في جيبه وطلع ورقة صغيرة.

— شوفت اسم الفندق على بطاقة شنطتها وهي خارجة من المطار.

خدت العنوان.

ركبت العربية.

وسقت كأني بهرب من حياتي القديمة كلها.

وصلت الفندق بعد نص الليل.

وقفت قدام باب أوضتها.

خبطت.

ثواني طويلة.

الباب اتفتح.

ظهرت قدامي.

أول ما شافتني، وشها قفل.

قالت:

— إنت عرفت مكاني إزاي؟

قلت:

— عرفت كل حاجة.

سكتت.

قلت:

— الرسالة مش مني.

ملامحها اتحركت.

— عرفت.

قالتها بهدوء.

استغربت.

— عرفتي إمتى؟

قالت:

— من سنة.

اتجمدت.

قلت:

— إيه؟

فتحت الباب أكتر.

قالت:

— ادخل.

دخلت.

يوسف كان نايم جوه.

قعدت هي قدامي.

قلت:

— لو عرفتي من سنة… ليه ما رجعتيش؟

بصتلي فترة.

وبعدين قالت:

— لأن لما عرفت إن الرسالة مش منك… عرفت حاجة أسوأ.

قلبي بدأ يدق.

قلت:

— إيه؟

قامت.

فتحت شنطتها.

وطلعت ملف أزرق صغير.

حطته قدامي.

قالت:

— أبويا قبل ما يموت، سابلي الورق ده.

مديت إيدي ناحيته.

لكنها حطت إيدها فوق الملف.

وقالت:

— قبل ما تفتحه، عايزاك تجاوبني على سؤال.

قلت:

— إيه؟

بصت في عيني.

وقالت:

— إنت متأكد إن أبوك مات موتة طبيعية؟

جسمي كله اتجمد.

قلت:

— إنتِ بتقولي إيه؟

سحبت إيدها من فوق الملف.

وقالت:

— افتحه.

فتحت أول ورقة.

وكان أول اسم مكتوب قدامي…

اسم أمي.

وتحته مباشرة…

اسم والد ريم.

وفي آخر الصفحة عنوان كبير:

“تحويلات مالية تمت قبل وفاة والدك بثلاثة أيام.”

رفعت عيني لها.

قالت بهدوء:

— الطلاق المزور كان بس أول السر.

وساعتها…

فهمت إن التلات سنين اللي ضاعوا من عمري يمكن ماكانوش أكبر مصيبة حصلتلي.

لأن الظرف اللي حطته أمي في شنطة مراتي…

يمكن ماكانش هدفه بس يبعدها عني.

يمكن كان هدفه يمنعها من إنها تقول لي حاجة…

عن موت أبويا.

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى