وصلت المطار حكايات اسما السيد 2

الفصل الثالث
فضلت ماسك أول ورقة في الملف، وعيني ثابتة على اسم أمي واسم والد ريم.
وتحت الاسمين تاريخ.
التاريخ كان قبل وفاة أبويا بتلات أيام.
رفعت عيني لمراتي وقلت:
— إيه التحويلات دي؟
قالت:
— اقرأ.
رجعت بصيت للورق.
كان فيه تحويل كبير من حساب الشركة لحساب شركة أنا عمري ما سمعت اسمها قبل كده.
وبعدها بساعات، نفس المبلغ تقريبًا اتحول من الشركة دي لحساب تاني خارج مصر.
قلت:
— يمكن صفقة.
هزت راسها.
— أبويا قال إنها ماكنتش صفقة.
— عرف إزاي؟
— لأنه كان واحد من الناس اللي بيراجعوا الحسابات وقتها.
سكتت.
— ولقى إن مفيش عقد، ولا بضاعة، ولا خدمة اتقدمت مقابل الفلوس دي.
بصيت للصفحة التانية.
إيميل مطبوع.
مرسل من بريد أبويا لشخص مجهول.
الكلمات قليلة.
“لو حصل لي أي حاجة، راجعوا تحويلات آخر أسبوع.”
إيدي بردت.
قلت:
— الإيميل ده أصلي؟
قالت:
— أبويا كان محتفظ بنسخة منه.
بصيتلها.
— أبوكي كان يعرف أبويا؟
قالت:
— أكتر مما إنت فاكر.
قعدت قدامي.
— قبل جوازنا، كنت فاكرة إن أبويا مجرد موظف قديم عندكم.
قلت:
— وأنا كنت فاكر كده.
قالت:
— لكن بعد ما سافرت، بدأ يحكيلي حاجات.
سكتت لحظة.
— أبويا وأبوك كانوا أصحاب من سنين.
اتفاجئت.
— أصحاب؟
— أيوه.
— طب ليه عمري ما شفته في البيت؟
ابتسمت بمرارة.
— لأن الصداقة انتهت قبل ما تكبر.
قلت:
— بسبب إيه؟
نزلت عيني.
— بسبب أمك.
قلبي دق.
قلت:
— أمي مالها؟
قالت:
— أبويا اكتشف إنها كانت بتدخل والد ريم في صفقات من ورا أبوك.
سكتت.
— أبوك عرف؟
— عرف قبل وفاته بأيام.
رجعت بصيت للإيميل.
فجأة افتكرت آخر أسبوع في حياة أبويا.
كان عصبي.
ساكت.
بيبات في المكتب.
وأكتر من مرة سمعته بيتخانق مع أمي.
وقتها كنت فاكرها مشاكل عادية.
قلت:
— استني.
رفعت عيني.
— قبل وفاة أبويا بيومين، أنا سمعتهم بيتخانقوا.
هي ما اتكلمتش.
قلت:
— أمي كانت بتقول له: “إنت لو عملت اللي في دماغك هتهد البيت فوق دماغنا كلنا.”
ملامحها اتغيرت.
قالت:
— الجملة دي موجودة هنا.
قلبت صفحات الملف بسرعة.
طلعت ورقة.
كانت إفادة مكتوبة بخط أبوها.
قرأتها.
“سمعت السيدة…”
اسم أمي.
“تقول لزوجها إن كشف الحسابات للجهات المختصة سيدمر العائلة، وإن الأفضل له أن يصمت.”
حسيت إني مش قادر أتنفس.
قلت:
— إنتِ بتقولي إن أمي كانت بتسرق الشركة؟
قالت:
— أنا ما قلتش كده.
— أمال؟
— بقول إن فيه فلوس خرجت بطريقة غريبة، وأبوك كان ناوي يفتح تحقيق داخلي.
قلت:
— وبعدين مات.
سكتت.
أنا قلت الجملة بنفسي.
وبمجرد ما طلعت مني، بقيت مرعوب منها.
رفعت عيني.
— مات بعدها بتلات أيام.
هزت راسها.
قلت:
— التقرير قال أزمة قلبية.
— أنا عارفة.
— وكان عنده تاريخ مرضي.
— عارفة.
— يبقى إيه اللي يخلي أبوكي يشك؟
هي مدت إيدها لآخر الملف.
طلعت كيس بلاستيك صغير، جواه ورقة مطوية.
قالت:
— دي.
فتحتها.
كانت نسخة من تقرير تحاليل قديم باسم أبويا.
قلت:
— ده تحليل سموم؟
قالت:
— مش تقرير رسمي نهائي.
— أمال إيه؟
— طلب تحاليل خاصة اتعمل في مستشفى خاص يوم وفاته.
قريت النتائج.
فيه اسم مادة طبية أنا ما فهمتش معناها.
قلت:
— إيه دي؟
قالت:
— أبويا لما شافها، سأل دكتور يعرفه.
— قاله إيه؟
— إن وجودها بالنسبة دي كان محتاج تفسير.
بدأت أحس بصداع.
قلت:
— يعني ممكن تكون دواء عادي.
— ممكن.
قالتها بوضوح.
— وأنا مش هقولك إن أمك قتلت أبوك، لأن مفيش ورقة تثبت ده.
بصيتلها.
— بس؟
— بس فيه حاجات كتير تثبت إن أبوك كان بيحقق في فلوس، وإنه مات قبل ما يكشف اللي عرفه.
سكتت.
— وبعد موته، كل الملف اتقفل.
قلت:
— ومين استلم إدارة الشركة؟
كانت الإجابة واضحة.
أنا قلتها:
— أمي.
قالت:
— ومعاها والد ريم.
قعدت ساكت.
دقايق يمكن.
ولا أنا عارف.
وفجأة سألتها:
— ليه ما قولتيليش ده من سنة لما عرفتي إن الرسالة مزورة؟
نظرتها اتغيرت.
— لأني كنت خايفة.
— من مين؟
— من نفس الناس اللي قدروا يخلوني أختفي من حياتك أول مرة.
قلت بعصبية:
— وأنا كنت فين؟
— كنت عايش وسطهم.
الكلمة وجعتني.
قالت:
— لو كنت رجعتلك من سنة وقلتلك “أمك يمكن تكون متورطة في حاجة تخص موت أبوك”، كنت هتصدقني؟
سكت.
هي جاوبت بدل مني:
— لأ.
ماعرفتش أعترض.
قالت:
— كنت هتفتكر إني راجعة أنتقم.
قلت:
— طيب ليه رجعتي دلوقتي؟
بصت ناحية أوضة يوسف.
— علشان أبويا قبل ما يموت قاللي جملة.
قلت:
— إيه؟
قالت:
— “لو فضلتي ساكتة، ابنك هيكبر في نفس الكذبة.”
سكتت.
— وأنا تعبت من الكذب.
وقتها سمعنا حركة جوه.
يوسف خرج وهو نايم نص نومة.
قال:
— ماما؟
قامت بسرعة.
— نعم يا قلبي.
قال:
— عايز مية.
راحت جابتله.
وأنا فضلت باصص له.
ابني.
الصغير اللي كنت فاكر طول عمره إني رافضه.
دخل نام تاني.
رجعت مراتي.
قلت:
— أنا عايز نسخة من الملف.
قالت:
— تاخده كله.
— لا.
بصيتلها.
— الملف يفضل معاكي.
قالت:
— ليه؟
— لو في حد فعلًا عايز يخفيه، مش عايز كل النسخ تبقى مع شخص واحد.
ملامحها اتغيرت.
— إنت بدأت تصدق؟
قلت:
— بدأت أصدق إن فيه حاجة مستخبية.
طلعت موبايلي.
— وهعرف إيه هي.
اتصلت بالسواق.
رد بعد رنتين.
قلت:
— محتاجك تيجيلي الفندق.
صوته اتوتر.
— دلوقتي؟
— دلوقتي.
قال:
— حصل حاجة؟
قلت:
— حصلت من تلات سنين، وإحنا لسه بنفهمها.
بعد أقل من ساعة وصل.
دخل الأوضة.
أول ما شاف الملف، وشه اتغير.
قلت:
— تعرف الورق ده؟
قال:
— لأ.
مراتي طلعت صورة والدها من الملف.
السواق أول ما شاف الصورة، سكت.
قلت:
— تعرفه؟
قال:
— أيوه.
قلت:
— منين؟
بص للأرض.
— كان بيشتغل في الشركة.
قلت:
— عارف إنه كان قريب من أبويا؟
هز راسه.
قلت:
— وعارف إنه كان شاكك في تحويلات؟
ما ردش.
قلت:
— اتكلم.
قال:
— أنا شوفت حاجات وقتها.
— زي إيه؟
جلس.
وشه كان مرهق.
قال:
— قبل وفاة والدك بأسبوع، وصلنا المكتب بالليل.
— مين “وصلنا”؟
— أنا كنت سايق العربية لوالدتك.
سكت.
— وكان معاها والد الآنسة ريم.
قلبي دق.
قال:
— الاتنين دخلوا مكتب والدك.
قلت:
— وهو كان موجود؟
— أيوه.
— حصل إيه؟
قال:
— الصوت علي.
— سمعت حاجة؟
قال:
— والدك كان بيزعق.
قلت:
— بيقول إيه؟
السواق بلع ريقه.
— قال لهم: “بكرة الصبح الورق ده هيبقى عند ناس أكبر منكم.”
مراتي بصتلي.
قلت:
— وبعدين؟
قال:
— والدتك خرجت الأول.
— كانت عاملة إزاي؟
— ملامحها كانت مرعوبة.
سكت.
— قالتلي أوصلها البيت.
قلت:
— ووالد ريم؟
— فضل جوه.
— قد إيه؟
— حوالي نص ساعة.
قلت:
— وخرج؟
هز راسه.
— وكان ماسك شنطة أبوك الجلد السودة.
حسيت قلبي نزل تحت رجلي.
قلت:
— شنطة أبويا؟
— أيوه.
— إنت متأكد؟
— أنا اللي كنت بفتحله باب العربية كل يوم. أعرفها كويس.
قلت:
— فين راحت؟
— ماعرفش.
سكت لحظة.
— بس بعدها بيوم، والدتك قالتلي أرمي شنطة جلد قديمة كانت في العربية.
قمت من مكاني.
— إنت رميتها؟
قال بسرعة:
— لأ.
بصيتله.
— أمال؟
قال:
— خفت.
— من إيه؟
— من شكلها.
— شكلها كان عامل إزاي؟
قال:
— كان عليها بقعة بنية كبيرة.
مراتي حطت إيدها على بقها.
أنا قلت:
— دم؟
قال:
— ماعرفش.
— فين الشنطة؟
السواق بصلي.
— عندي.
اتجمدت.
قلت:
— عندك من تلات سنين؟
— من أكتر.
قربت منه.
— وليه محتفظ بيها؟
قال:
— لأني يومها فتحتها.
سكت المكان.
قلت:
— كان فيها إيه؟
قال:
— ماكانش فيها فلوس.
— أمال؟
— أوراق.
قلت:
— أوراق إيه؟
قال:
— أنا ما قريتش كل حاجة.
سكت.
— بس شفت اسم والدك… واسم والدتك… واسم واحد تالت.
قلت:
— مين؟
رفع عينه عليا.
وقال:
— اسمك إنت.
حسيت إني ما سمعتش صح.
قلت:
— أنا؟
— أيوه.
— اسمي كان مكتوب في إيه؟
قال:
— في ورقة عنوانها “نقل ملكية”.
بصيت له بعدم فهم.
— نقل ملكية إيه؟
قال:
— جزء من الشركة.
سكت.
— الورقة كانت بتقول إن والدك ناوي ينقل نسبة كبيرة من أسهمه ليك قبل وفاته.
قلت:
— وإيه المشكلة؟
السواق قال:
— المشكلة إن الورقة عليها توقيع تاني.
— توقيع مين؟
— توقيعك.
قلت:
— أنا عمري ما مضيت حاجة زي دي.
قال:
— عارف.
— عرفت منين؟
قال:
— لأن التاريخ المكتوب على الورقة كان يوم إنت كنت مسافر برا مصر.
حسيت الدنيا رجعت تلف.
تزوير باسمي.
مش مرة واحدة.
الطلاق.
نقل ملكية.
قلت:
— الشنطة فين دلوقتي؟
قال:
— مخبيها في بيتي القديم.
قلت:
— هنروح نجيبها حالًا.
مراتي قالت:
— استنى.
بصيتلها.
— لو الناس دي فعلًا خطيرة للدرجة دي، ما ينفعش نروح من غير ما حد يعرف إحنا فين.
عندها حق.
اتصلنا بمحامي مستقل.
بعتله صور من أهم ورق في الملف.
وقلت له لو ما سمعش مني خلال ساعتين يتصرف.
وبعدين خرجنا.
أنا والسواق.
رفضت مراتي تيجي.
قالت:
— يوسف أهم.
وافقت.
ركبنا العربية.
الطريق كان هادي.
والفجر قرب.
وصلنا بيت صغير قديم في طرف المدينة.
السواق فتح الباب.
دخلنا.
ريحة تراب وقدَم.
طلعنا أوضة فوق.
حرك دولاب خشب قديم.
ورا الدولاب كان فيه باب صغير.
فتحه.
طلع صندوق حديد.
قلبي كان بيدق.
فتح القفل.
جواه شنطة جلد سودة.
عرفتها فورًا.
شنطة أبويا.
كنت بشوفها معاه كل يوم تقريبًا.
مديت إيدي ألمسها.
لكن السواق قال:
— استنى.
بصيتله.
أشار للسوستة الجانبية.
— فيه حاجة أنا ما لمستهاش من يومها.
فتحتها.
كان فيها مفتاح صغير.
وعليه رقم.
214.
قلت:
— ده مفتاح إيه؟
السواق هز راسه.
— ماعرفش.
فتحت الشنطة الرئيسية.
الأوراق لسه موجودة.
بعضها اصفر.
بعضها متكرمش.
وأول ملف لقيته فعلًا كان بعنوان:
“نقل حصة الملكية.”
قلبت.
لقيت توقيع باسمي.
مزور.
وبجانبه توقيع أبويا.
قلت:
— لو الورق مزور، كان هدفهم إيه؟
السواق قال:
— اقرا آخر صفحة.
قلبت بسرعة.
ولقيت بند.
قرأته مرة.
وبعدين تاني.
“في حالة وفاة المالك الأصلي قبل إتمام إجراءات النقل، تؤول الحصة محل الاتفاق إلى الوصي الإداري المؤقت لحين تسوية النزاع.”
قلت:
— مين الوصي الإداري؟
قلبت الصفحة.
وكان الاسم مكتوب.
اسم أمي.
فهمت.
لو أبويا مات قبل ما يتم النقل الحقيقي ليا…
أمي تبقى ماسكة الحصة.
لكن لسه فيه حاجة مش راكبة.
قلت:
— طب ليه يزوروا توقيعي؟
السواق ما ردش.
بدأت أقلب باقي الورق.
وفجأة وقعت صورة من بين الصفحات.
رفعتها.
كانت صورة قديمة.
أبويا واقف جنب أبو مراتى.
وفي النص بينهم…
طفل صغير.
أنا.
بس فيه شخص رابع واقف على طرف الصورة.
ست شابة.
بصيت كويس.
كانت أمي.
وخلف الصورة مكتوب بخط أبويا:
“اليوم اللي اتفقنا فيه نحمي الولد من الحقيقة.”
قلبي وقف.
قلت:
— إيه الحقيقة؟
السواق قال:
— اقلب الصورة.
قلت:
— قلبتها.
— لأ.
أشار لركنها.
كان فيه طبقتين ورق لازقين ببعض.
فصلتهم بحذر.
وطلعت قصاصة صغيرة.
كان فيها سطر واحد.
“لو قرأت الورقة دي بعد موتي، اعرف إن الراجل اللي رباك مش أبوك البيولوجي.”
ما فهمتش.
فضلت باصص للجملة.
مرة.
واتنين.
وتلاتة.
قلت:
— إيه؟
السواق نفسه اتصدم.
قال:
— أنا عمري ما شفت الورقة دي.
إيدي بدأت ترتعش.
قريت السطر تاني.
“الراجل اللي رباك مش أبوك البيولوجي.”
حسيت إن نفسي اختفى.
قلت:
— مستحيل.
قلبت القصاصة.
وفي الناحية التانية كان فيه اسم.
اسم واحد بس.
اسم أبو مراتي.
وقع الورق من إيدي.
السواق قال:
— يا ابني…
أنا ما سمعتوش.
لأن كل اللي كان بيدور في دماغي سؤال واحد.
لو أبو مراتي…
هو أبويا الحقيقي…
يبقى مراتي تبقى إيه؟
وفي اللحظة دي، موبايلي رن.
كانت مراتي.
رديت بسرعة.
صوتها كان بيترعش.
قالت:
— ارجع الفندق فورًا.
قلت:
— حصل إيه؟
قالت:
— يوسف اختفى.
اتجمدت.
صرخت:
— يعني إيه اختفى؟!
قالت وهي بتعيط:
— صحيت… لقيت باب الأوضة مفتوح.
سكتت.
— وعلى السرير ورقة.
قلت:
— مكتوب فيها إيه؟
ردت:
— “الشنطة مقابل الطفل.”
يتبع…




