روايات وقصص

امراه مسنة حكايات اسما السيد 1

امرأة مسنة كانت تطعم أطفالًا بلا مأوى كل ليلة… وفي يوم، توقفت أمام بيتها سيارة فاخرة ونزل منها رجل غيّر كل شيء الجزء الأول — يا حبيبتي، خدي الطبق ده لأخوكي بسرعة قبل ما الأكل يبرد. قالت الجملة وهي بتحط آخر ملعقة رز في طبق بلاستيك قديم، وبعدين مدت إيدها لطفلة صغيرة واقفة قدامها عند باب المطبخ.

 

البنت كانت عندها حوالي تسع سنين.

هدومها واسعة عليها، وشبشبها مقطوع من الجنب، وشعرها مترب ومربوط برباط مطاط قديم.

خدت الطبق بإيديها الاتنين وقالت:

— ربنا يخليكي لينا يا تيتة.

ابتسمت الست الكبيرة.

— ربنا اللي يخليكم يا بنتي… يلا كلي إنتِ وأخوكي قبل ما يبرد.

اسمها ماكانش يفرق مع حد في الحارة.

الكل بيناديها:

الحاجة أمينة.

ست عندها سبعين سنة تقريبًا، عايشة لوحدها في بيت صغير قديم في آخر شارع جانبي هادي.

جوزها مات من سنين.

وابنها الوحيد سافر بره البلد من أكتر من خمسة عشر سنة.

في الأول كان بيتصل.

بعدها المكالمات قلت.

وبعدين بقت في المناسبات بس.

وبعد فترة…

اختفى صوته تقريبًا من حياتها.

لكن الحاجة أمينة ماكانتش بتحب تتكلم عنه.

كل ما حد يسألها:

— ابنك عامل إيه؟

تبتسم وتقول:

— ربنا يوفقه ويرزقه.

وبس.

ماحدش كان يعرف إنها كل ليلة، قبل ما تنام، بتفتح درج صغير جنب سريرها، وتطلع صورة قديمة لشاب لابس بدلة يوم تخرجه.

تمسح التراب عنها.

وتقول بهمس:

— ربنا يطمني عليك قبل ما أموت يا ابني.

وبعدين ترجع الصورة مكانها.

من حوالي تلات سنين، بدأت حاجة غريبة تحصل في الحارة.

أطفال صغار مالهمش أهل معروفين بقوا يظهروا جنب السوق.

مرة بنت صغيرة.

مرة ولدين إخوات.

ومرة طفل كان بينام تحت سلم عمارة مهجورة.

الناس كانت أوقات تديهم أكل.

وأوقات تطردهم.

لكن الحاجة أمينة عملت حاجة محدش توقعها.

بدأت كل يوم تطبخ كمية زيادة.

طبق رز.

شوية خضار.

عيش.

أي حاجة موجودة.

وكانت تنادي الأطفال واحد واحد.

في الأول، كانوا بيقفوا عند الباب.

بعد أسبوع بقوا يدخلوا الحوش.

بعد شهر، بقوا يقعدوا حوالين السفرة الصغيرة جوه المطبخ.

وكانت تقول لهم كل مرة:

— الأكل هنا مش صدقة.

فيبصولها باستغراب.

فتكمل:

— ده بيتكم طول ما إنتوا جعانين.

أكبرهم كان ولد اسمه كريم.

عنده حوالي تلاتاشر سنة.

كان دايمًا يحاول يساعدها.

يشيل عنها أكياس.

يجيب عيش.

وينضف الحوش.

في يوم قالت له:

— يا ابني إنت ضيف عندي، متعملش حاجة.

قال لها:

— ما أنا مش عايز أفضل ضيف.

بصت له.

قال:

— أنا عايز أبقى من أهل البيت.

الجملة دي خلت عينيها تدمع.

لفت وشها بسرعة وقالت:

— طب روح اغسل إيدك وتعالى كل.

لكن من يومها…

فضلت الجملة في قلبها.

كانت بتصرف عليهم من معاش بسيط.

ومن شغل خياطة بسيط كانت لسه بتعمله للستات في الحارة.

وأوقات كانت تقلل أكلها هي.

مش عشان تعمل بطولة.

لكن عشان كانت بتقول:

— أنا شبعت في عمري كتير… هما لسه ما شبعوش.

في عصر يوم شتا بارد، كانت واقفة قدام البيت بتوزع سندوتشات جبنة على أربع أطفال.

واحد منهم كان بيضحك لأنه أخد سندوتش أكبر من الباقي.

قالت له:

— إنت بقى المرة الجاية تاخد الأصغر.

قال:

— ليه؟

قالت وهي بتضحك:

— عشان العدل.

وفجأة…

صوت موتور هادي لكنه قوي قطع ضحك الأطفال.

عربية سودا فاخرة جدًا دخلت الشارع.

العربية كانت غريبة على المكان.

غريبة لدرجة إن أصحاب المحلات وقفوا يتفرجوا.

حتى الأطفال سكتوا.

العربية وقفت بالضبط قدام بيت الحاجة أمينة.

اتفتح الباب الخلفي.

ونزل رجل في أواخر الأربعينات.

طويل.

لابس بدلة غالية.

وشه جامد.

وساعته لوحدها شكلها أغلى من بيوت كتير في الحارة.

وقف كام ثانية بيبص للبيت.

وبعدين للحاجة أمينة.

هي اتوترت.

مسحت إيديها في طرف مريلتها وقالت:

— خير يا ابني؟

ما ردش فورًا.

بص للأطفال اللي حواليها.

وبعدين قال:

— إنتِ بتأكلي الأطفال دول كل يوم؟

ردت بحذر:

— أيوه.

— من إمتى؟

— من كام سنة.

وشه اتغير.

قرب خطوة.

— وعلى حساب مين؟

رفعت راسها وقالت:

— على حسابي.

الرجل بص للبيت القديم.

وبعدين قال:

— بمعاشك؟

سكتت.

قال:

— ولا من فلوس بتجيلك من حد؟

ملامحها شدت.

— معلش يا ابني… إنت مين؟

الرجل أخد نفس طويل.

وبص لطفل واقف جنبها.

الطفل كان ماسك الساندوتش بإيد، وبالإيد التانية ماسك هدوم الحاجة أمينة كأنه خايف منها تسيبه.

الرجل بص للمشهد فترة طويلة.

وبعدين قال:

— أنا جاي أسألك عن ولد.

قلبها اتحرك.

لكنها حاولت ما تبينش.

قالت:

— ولد مين؟

الرجل مد إيده جوه الجاكيت.

طلع صورة قديمة.

ومدها لها.

أول ما الحاجة أمينة بصت للصورة…

الساندوتشات وقعت من إيدها.

وشها شحب.

وإيديها بدأت ترتعش.

لأن الصورة اللي في إيده…

كانت نفس الصورة اللي مخبياها في درج أوضتها من خمستاشر سنة.

صورة ابنها.

رفعت عينيها للرجل وقالت بصوت متقطع:

— الصورة دي معاك إزاي؟

الرجل ما ردش على السؤال.

قال جملة واحدة خلت رجليها ما تشيلهاش:

— أنا كنت مع ابنك قبل ما يختفي.

الأطفال اتجمعوا حواليها.

كريم مسك دراعها.

قال:

— تيتة… إنتِ كويسة؟

لكن الحاجة أمينة كانت مش سامعة حد.

كل تركيزها في الراجل اللي قدامها.

سألته:

— ابني فين؟

سكت.

قالت بصوت أعلى:

— ابني فين؟!

الرجل بص بعيد لحظة.

وبعدين رجع بصلها وقال:

— قبل ما أقولك هو فين… لازم تعرفي حاجة.

حست قلبها بيدق بعنف.

قال:

— الأطفال اللي إنتِ بتطعميهم دول…

سكت.

وبعدين كمل:

— واحد منهم مش موجود هنا بالصدفة.

الحاجة أمينة بصت بسرعة للأطفال حواليها.

واحد.

اتنين.

تلاتة.

أربعة.

كلهم بصين لها بخوف.

الرجل رفع إيده ببطء…

وأشار ناحية واحد منهم.

وفي اللحظة دي…

الحاجة أمينة حسّت إن الماضي اللي فضل مقفول خمستاشر سنة…
#الكاتبه_اسما_السيد واقف قدام باب بيتها.
#عيش_الابداع #عشق #viral
يتبع…”الحكاية لم تنتهِ بعد…”
📖 رابط القصة الكاملة في أول تعليق.
✍️ الكاتبة أسما السيد

الفصل الثاني — الولد اللي مش موجود بالصدفة

إيد الراجل فضلت مرفوعة ناحية الأطفال.

الحاجة أمينة بصت في الاتجاه اللي بيشاور عليه…

وكان كريم.

الولد اللي بقاله تلات سنين تقريبًا داخل خارج بيتها كأنه واحد من أهلها.

كريم اتجمد مكانه.

وبص للحاجة أمينة، وبعدين للراجل.

— هو بيشاور عليا ليه يا تيتة؟

الحاجة أمينة قربت منه بسرعة، وحطت إيدها على كتفه.

— إنت تعرف الولد ده؟

الراجل رد بهدوء:

— أعرف عنه أكتر ما هو يعرف عن نفسه.

كريم اتعصب.

— إنت مين أصلًا؟

الرجل ما ردش عليه.

فضل باصص للحاجة أمينة.

وبعدين قال:

— ممكن نتكلم جوه؟

هزت راسها برفض.

— الكلام اللي يخص الولاد يتقال قدامهم.

اتنهد.

وبعدين بص لكريم.

— اسم أمك كان إيه؟

وش كريم اتغير.

سكت.

الحاجة أمينة بصت له باستغراب.

هي تعرف إنه عمره ما كان بيتكلم عن أهله.

كل اللي قاله لها زمان إنه كان عايش مع أمه، وإنها ماتت وهو صغير، وبعدها اتنقل بين بيوت ناس وملاجئ لحد ما هرب.

الراجل كرر:

— اسم أمك؟

كريم قال بعصبية:

— معرفش إنت عايز إيه مني.

الرجل طلع محفظته.

ومنها ورقة صغيرة قديمة مطوية.

فتحها.

وقال:

— أمك كان اسمها ليلى.

كريم وشه شحب.

الحاجة أمينة حسّت بإيده تحت إيدها وهي بتترعش.

قال:

— إنت عرفت الاسم ده منين؟

الرجل بصله وقال:

— لأن أبوك هو اللي قالهولي.

الحاجة أمينة شهقت.

كريم رجع خطوة لورا.

— أبويا؟

الرجل هز راسه.

— أيوه.

كريم ضحك ضحكة مكسورة.

— أنا أبويا مات قبل ما أشوفه.

— مين قالك كده؟

كريم سكت.

الرجل بص للحاجة أمينة.

وبعدين قال:

— ابنك ما اختفاش من خمستاشر سنة لأنه نسيك.

الحاجة أمينة قربت منه.

— أمال اختفى ليه؟

— لأنه كان خايف يرجع.

— خايف من إيه؟

— من الحقيقة.

بدأت ملامحها تتغير.

— حقيقة إيه؟

الرجل طلع الصورة القديمة تاني.

وقلبها على ضهرها.

كان مكتوب بخط إيد ابنها:

“لو حصل لي حاجة… رجّع ابني لأمي.”

الحاجة أمينة حطت إيدها على بُقها.

كريم بص للورقة.

وبعدين بص لها.

— يعني إيه الكلام ده؟

الراجل قال:

— يعني إن الست اللي بتقول لها “تيتة” بقالك سنين…

هي فعلًا جدتك.

الصمت نزل على المكان كأنه سقف وقع عليهم.

كريم بص للحاجة أمينة.

شفايفه اتحركت، لكن مفيش صوت خرج.

هي نفسها ماقدرتش تتحرك.

بصت لملامحه.

لعينيه.

لشكل حواجبه.

للطريقة اللي بيعض بيها شفته وهو متوتر.

وفجأة…

شافت ابنها فيه.

مش شبه بسيط.

لأ.

كأن الزمن رجع قدامها تلاتين سنة.

مدت إيدها ناحية وش كريم.

لكنه رجع لورا.

قال بصوت مكسور:

— لأ.

الحاجة أمينة دموعها نزلت.

— يا حبيبي…

صرخ:

— لأ!

كل الأطفال اتخضوا.

كريم بص للراجل.

— لو هي جدتي… أنا كنت فين طول السنين دي؟!

الرجل سكت.

كريم كمل:

— وليه محدش جابني لها؟ وليه أنا نمت في الشوارع؟ وليه كنت بجوع؟!

الحاجة أمينة بصت للرجل بغضب.

— جاوبه!

الرجل غمض عينه لحظة.

وبعدين قال:

— لأن الشخص اللي كان المفروض يجيبك لها… خان أبوك.

الحاجة أمينة شهقت.

— مين؟

الرجل رد:

— أنا.

كريم بصله بصدمة.

الحاجة أمينة قربت منه ورفعت إيدها.

لكن قبل ما تضربه، وقفها كلامه:

— اضربيني براحتك… بس لو عملتي كده قبل ما تسمعي الباقي، ممكن عمرك ما تعرفي ابنك عايش ولا مات.

إيدها وقفت في الهوا.

عينيها اتسعت.

قالت بصوت ضعيف:

— ابني… عايش؟

الرجل بص لها فترة طويلة.

ثم قال:

— آخر مرة شفته فيها…

كان عايش.

لكن اللي حصل بعد الليلة دي…

هو السبب إني جيتلك النهارده.

يتبع

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى