تحت ظل المطر حكايات اسما السيد

أنا لسه عروسة…مكملتش حتى أسبوعين في بيتي الجديد، ولسه ريحة هدومي الجديدة مالية الدولاب، ولسه في حاجات من جهازي ما استخدمتهاش، ولسه ما لحقتش أفرح إني بقيت مرات.
بس واضح إن في ناس كانت مستعجلة جدًا تفهمني دوري الجديد.
إحنا من الأرياف، وعندنا عادة جميلة إن أهل العروسة في أول شهر جوازها يفضلوا يبعتولها أكل وفاكهة وحاجات من البيت.
مش عشان بنتهم مش لاقية تاكل…
لأ.
عشان يحسسوها إن بيت أهلها لسه مفتوحلها، وإنهم فاكرينها حتى وهي في بيت جوزها.
وأهلي، ربنا يخليهملي، كانوا كل يومين تقريبًا يبعتولي حاجات.
مرة فاكهة.
مرة أكل.
مرة حلويات.
وأنا كل مرة كانت تيجي حاجة، كنت بفرح بيها زي الأطفال.
وكنت دايمًا آخد منها وأنزل لحماتي وأهل البيت.
كنت بقول لنفسي:
— أنا مش عايزة حد يحس إني داخلة البيت بإيدي فاضية.
كنت بحاول أكسب محبتهم.
وأثبتلهم إني بنت ناس ومتربية.
لكن الظاهر إني ما كنتش عارفة إن في فرق كبير بين إنك تساعدي بمحبتك… وإن حد يعتبر مساعدتك واجب عليه.
النهارده حماتي خبطت على باب أوضتي.
فتحتلها وأنا مبتسمة.
قالتلي:
— يلا يا بنتي، انزلي نتغدى تحت.
قولتلها:
— حاضر يا ماما، خمس دقايق وأنزل.
قفلت الباب، وبصيت على الأكل والفاكهة اللي أهلي كانوا باعتينهم الصبح.
قلت آخد شوية منهم وأنزل.
زي كل مرة.
وأول ما نزلت…
حسيت إن في حاجة غلط.
بصيت في وش حماتي.
لقيته اتغير.
مش نفس الابتسامة اللي كانت من شوية.
حطيت الحاجة على السفرة وقلت:
— اتفضلي يا ماما، أهلي كانوا باعتين دول الصبح.
بصتلي وقالت:
— حلو.
وبعدين سكتت ثواني.
وفجأة قالت:
— على فكرة، من بكرة مفيش قعدة فوق لحد الضهر كده.
بصيتلها باستغراب.
— يعني إيه؟
قالت بمنتهى الجدية:
— يعني من الساعة سبعة الصبح تكوني نازلة.
قولتلها:
— نازلة فين؟
قالت:
— تحت… معانا. تساعدي في البيت، وتقعدي مع أهل البيت. مفيش واحدة قاعدة فوق في أوضتها طول اليوم وتيجي تاكل لوحدها.
فضلت باصة لها ثواني.
يمكن كنت مستنية تضحك وتقول إنها بتهزر.
لكنها ما ضحكتش.
قولتلها بهدوء:
— يا ماما أنا لسه عروسة، ومكملتش أسبوعين حتى. ولو حضرتك عايزة مساعدة أنا عمري ما هتأخر عنك.
قاطعتني:
— لا يا حبيبتي، ده نظام البيت هنا.
قولتلها:
— النظام حاجة، وإن حياتي تتحددلي حاجة تانية.
هنا ملامحها بدأت تتغير.
وقالت بصوت أعلى:
— يعني إيه حياتك تتحددلك؟ ده بيت واحد، وكلنا بنصحى ونشتغل.
قولتلها:
— وأنا مش برفض أساعد، بس مش هينفع من أول يوم يبقى مفروض عليا أصحى الساعة سبعة وأنزل أخدم البيت كل يوم.
ساعتها حطت المعلقة من إيدها.
وقالت الجملة اللي عمري ما هنساهالها:
— ده بيتي… وطالما انتي قاعدة فيه تسمعي كلامي.
والله العظيم…
الجملة دي وجعتني.
مش عشان أنا بكره حماتي.
ولا عشان مش عايزة أساعد.
لكن عشان فجأة حسيت إن أنا مش زوجة ابنها.
حسيت إني واحدة جاية البيت عشان تشتغل فيه.
قولتلها:
— حضرتك صاحبة البيت وأنا مقدرة ده، بس أنا كمان إنسانة وليا حياتي. ومساعدتي ليكي تكون بمحبة، مش بالأوامر.
قالتلي بعصبية:
— أمال انتي فاكرة الجواز إيه؟
قولتلها:
— أكيد مش معناه إني أبقى خدامة.
وهنا…
الدنيا قلبت.
حماتي قامت وقالت:
— أهو ده كلامك بقى! خدامة؟! محدش قالك خدامة!
قولتلها:
— حضرتك اللي بتقوليلي من بكرة الساعة سبعة تنزلي، وتفضلي تخدمي البيت.
قالتلي وهي بتزعق:
— اللي مش عاجبه نظام البيت… يرجع بيت أبوه!
سكت.
وبصيتلها.
يمكن كانت متوقعة إني أخاف.
يمكن كانت متوقعة إني أعيط.
أو أقول حاضر وخلاص.
لكن الكلمة دي بالذات…
«بيت أبوكي».
عملت جوايا حاجة.
رفعت عيني وبصيتلها وقلت:
— بيت أبويا مفتوحلي في أي وقت يا ماما.
سكتت.
كملت وأنا بحاول أتحكم في صوتي:
— وأنا مش هخاف من كلمة بيت أبوكي. أنا متجوزة ابنك… مش متجوزة بيت العيلة.
في اللحظة دي…
جوزي كان قاعد.
وأنا كنت مستنية منه كلمة.
أي كلمة.
كنت مستنية يقول:
«يا أمي، اهدي.»
أو يقول:
«يا حبيبتي، نتفاهم.»
أي حاجة تحسسني إن في حد شايفني.
لكن اللي حصل…
كان أول صدمة حقيقية في جوازي.
بصلي وقال:
— ماينفعش تكلمي أمي بالطريقة دي.
لفيت وشي ناحيته.
وقولتله:
— وأنا؟ ينفع حد يكلمني بالطريقة دي؟
سكت.
قولت:
— زي ما أنا مطالبة أحترم أمك، أمك كمان مطالبة تحترمني. أنا مش جاية هنا عشان حد يحددلي هصحى إمتى وأنزل إمتى وأعيش إزاي.
قال بعصبية:
— دي أمي!
قولتله:
— وأنا مراتك!
وساعتها…
حسيت إن أول أسبوعين من الفرح انتهوا.
كأن الفستان الأبيض اللي كنت لسه شايفة صورتي فيه من كام يوم…
اتشال من حياتي فجأة.
طلعت أوضتي.
قفلت الباب.
وقعدت على السرير.
وبعدين مسكت تليفوني…
واتصلت بأبويا.
وقولتله وأنا بعيط:
— يا بابا… تعالى خدني.
لكن اللي حصل بعد كده…
ما كانش مجرد زيارة من أهلي.
لأن بعد أقل من ساعة…
لقيت باب البيت بيتفتح.
وأبويا وأمي وإخواتي داخلين.
وأمي أول ما شافتني…
عرفت من وشي إن بنتها ما بقتش عروسة فرحانة.
قالتلي بصوت واطي:
— مين زعلك يا بنتي؟
وحماتي كانت واقفة قدامها.
وأنا وقتها…
ما كنتش أعرف إن أمي هتقول جملة واحدة…
#الكاتبه_اسما_السيد
الجملة دي هتخليني ألم هدومي وأسيب بيتي وأنا لسه ما فرحتش بيه.
يتبع…لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
@أبرز المعجبين
الجزء الثاني
فضلت واقفة في أوضتي ماسكة أوراق العربية، وأنا سامعة ضحك بنتي وصاحبتها من الصالة.
لأول مرة في حياتي، صوت ضحكتها ماحسسنيش إنها بنتي.
حسسني إني عايشة مع واحدة غريبة.
واحدة اتعودت تاخد مني لدرجة إنها نسيت إن اللي باخده منها مش واجب عليا.
فتحت الدولاب.
طلعت علبة بلاستيك صغيرة كنت بحط فيها مفاتيحي القديمة.
وكان جوّاها مفتاح العربية الاحتياطي.
حطيته جنب الأوراق.
وبعدها فتحت موبايلي.
اتصلت بالراجل اللي ساعدنا وقت شراء العربية.
رد وقال:
— أيوه يا حاجة، عاملة إيه؟
قلتله:
— الحمد لله… كنت عايزة أسألك سؤال.
— اتفضلي.
بصيت للأوراق قدامي وقلت:
— العربية اللي باسمي… لو أنا مش عايزة حد يستخدمها تاني، أعمل إيه؟
سكت ثانية.
وقال:
— العربية باسم حضرتك بالكامل؟
— أيوه.
— والقرض باسمك؟
— أيوه.
— يبقى حضرتك صاحبة العربية قانونيًا. بس لو فيه أقساط أو التزامات، لازم نشوفها الأول.
قلت:
— تمام. أنا جاية لك بكرة الصبح.
قفلت المكالمة.
وفي اللحظة دي، خبط على الباب.
صوت بنتي.
— يا ماما؟
ماسكتش نفسي.
كنت متعودة أول ما تناديني أقول:
“أيوه يا حبيبتي.”
لكن المرة دي قلت:
— نعم؟
فتحت الباب من غير ما تستنى.
بصتلي من فوق لتحت.
كنت غيرت هدومي ولبست روب تقيل.
قالت:
— هو إنتِ جيتي إمتى؟
بصيت لها.
— من شوية.
ضحكت بتوتر وقالت:
— طب كويس… إحنا جعانين أوي.
سكت.
هي كملت:
— كنت قلتلك تعملي فراخ، فاكرة؟
بصيت لها كام ثانية.
— لأ.
وشها اتغير.
— لأ إيه؟
قلت بهدوء:
— مش هعمل عشا.
ضحكت كأنها سمعت نكتة.
— مالك يا ماما؟ زعلانة عشان موضوع العربية؟
ما رديتش.
قالت:
— يا ماما بلاش حساسية زيادة. أنا كان معايا صاحبتي، وكنت محرجة.
قلت:
— محرجة مني؟
سكتت.
وبعدين قالت بسرعة:
— مش منك إنتِ… من شكلك وقتها. إنتِ كنتِ غرقانة وطينك لحد رجلك.
ضحكت ضحكة صغيرة من غير فرحة.
— يعني كنتِ محرجة من أمك عشان مبلولة من المطر؟
نفخت بضيق.
— يا ماما بلاش دراما بقى.
الجملة دي وجعتني أكتر من كل اللي قبلها.
لكن المرة دي ماعيطتش.
قلت:
— انزلي لصاحبتك.
— طيب والعشا؟
— اطلبوا أكل.
— معاكي فلوس؟
بصيت لها.
ولأول مرة هي فهمت النظرة.
قالت بسرعة:
— خلاص خلاص… هنطلب.
وخرجت وهي بتتمتم.
قبل ما تقفل الباب، قلت:
— على فكرة…
لفت.
— إيه؟
قلت:
— سيبي مفتاح العربية عندي الليلة.
ضحكت.
— ليه؟
— عشان محتاجاه.
وشها اتغير.
— محتاجاه في إيه؟
— العربية بتاعتي.
سكتت.
ثانيتين.
ثلاثة.
وبعدين ضحكت بصوت أعلى.
— يا ماما… إحنا لسه هنرجع للنقطة دي؟
قلت:
— المفتاح.
قالت بعصبية:
— أنا اللي بسوقها بقالي سنة ونص!
— والمفتاح.
— دي عربيتي قدام الناس!
— والمفتاح يا بنتي.
صاحبتها ظهرت وراها.
واضح إنها كانت بتسمع.
قالت بنتي وهي محرجة:
— مش وقته يا ماما.
قلت:
— بالعكس.
مديت إيدي.
— ده أحسن وقت.
وشها احمرّ.
حطت المفتاح في إيدي بعنف وقالت:
— خدي! وبكرة لما تهدي هترجعيهولي.
بصيت للمفتاح.
وبعدين بصيت لها.
— بكرة مش هتكوني محتاجاه.
— يعني إيه؟
ابتسمت لأول مرة من ساعة المطر.
— بكرة تعرفي.
وقفلت الباب.
وفي الصالة…
اختفى الضحك.
الجزء الثالث
تاني يوم صحيت الساعة ستة الصبح.
بنتي كانت لسه نايمة.
صاحبتها كانت مشيت بالليل.
عملت لنفسي كوب شاي.
وقعدت جنب الشباك.
العربية كانت واقفة تحت المظلة.
لامعة.
ناشفة.
كأنها مش نفس العربية اللي عدّت جنبي وأنا بغرق.
الساعة تمنية، لبست هدومي، خدت الأوراق، ونزلت.
ركبت العربية بنفسي.
أنا أصلًا بعرف أسوق.
يمكن ببطء.
لكن بعرف.
ولما دورت الموتور، حسيت بحاجة غريبة.
مش فرحة.
استرداد.
وصلت للمكتب.
الراجل راجع الأوراق كلها.
وقال:
— حضرتك فعلًا المالكة المسجلة.
وبدأنا نحسب الأقساط اللي اتدفعت.
بنتي كانت دفعت أول كام شهر.
بعدها، كل ما يحصل ظرف، كانت تقوللي:
“ادفعي الشهر ده بس وأنا أعوضك.”
الشهر ده بقى شهرين.
والشهرين بقوا سنة تقريبًا.
لما جمعنا المبالغ، اكتشفت إني دفعت أكتر منها بكتير.
قال الراجل:
— حضرتك عندك أكتر من اختيار.
قلت:
— أنا عايزة أخلص من العربية.
بصلي باستغراب.
— تبيعيها؟
قلت:
— أيوه.
— متأكدة؟
افتكرت وش بنتي وهي بتقول:
“دي عربيتي قدام الناس.”
قلت:
— جدًا.
بدأت إجراءات عرضها للبيع.
ومابعتش لبنتي أي حاجة.
هي اللي اتصلت الساعة عشرة.
مرة.
اتنين.
خمس مرات.
في السادسة رديت.
صرخت:
— إنتِ خدتي العربية؟!
قلت:
— أيوه.
— من غير ما تقوليلّي؟
— عربيتي.
— يا ماما عندي شغل!
— اركبي الأتوبيس.
سكتت.
الصمت اللي جه بعدها كان أثقل من أي صرخة.
قالت:
— إنتِ بتنتقمي مني؟
قلت:
— لأ.
— أمال بتعملي إيه؟
بصيت من شباك المكتب.
— بتعلم أحترم نفسي.
قفلت.
إيدي كانت بتترعش.
مش من الخوف.
من إحساسي بالذنب.
أيوه.
حتى بعد كل اللي عملته، جزء مني كان لسه بيقول:
“دي بنتك.”
لكن جزء تاني رد:
“وإنتِ أمها… مش خدامتها.”
رجعت البيت بعد الضهر.
لقيتها مستنياني عند الباب.
وشها متشنج.
قالت:
— العربية فين؟
— في مكانها.
— أنهي مكان؟
— المعرض.
فتحت بقها.
— معرض إيه؟
— عرضتها للبيع.
شهقت.
— إنتِ مجنونة؟!
كانت أول مرة بنتي تقوللي الكلمة دي.
وقفت قدامها.
قلت:
— وطّي صوتك.
— إنتِ هتبيعي عربيتي؟!
— عربيتي.
— أنا محتاجاها!
— وأنا امبارح كنت محتاجاها.
سكتت.
قلت:
— كنت محتاجة توصيلة عشر دقايق.
— يا ماما…
— وإنتِ اخترتي أكياس التسوق.
ملامحها بدأت تتغير.
لكن مش ندم.
خوف.
قالت:
— طب الناس هتقول إيه؟
وهنا فهمت كل حاجة.
مش “هروح شغلي إزاي؟”
مش “إنتِ زعلانة مني؟”
مش “حقك عليا.”
أول حاجة فكرت فيها كانت:
الناس هتقول إيه؟
قلت:
— خلي الناس يركبوكي.
وسبتها ودخلت.
لكن قبل ما أقفل الباب، سمعتها تقول:
— لو بعتي العربية… أنا همشي من البيت.
وقفت.
لفيت لها.
قلت:
— إنتِ متأكدة إنك عايزة تقولي الجملة دي؟
رفعت راسها بعناد.
— أيوه.
قلت:
— تمام.
وطلعت أوضتي.
لأن اللي هي ماكانتش تعرفه…
إن البيت كمان كان باسمي.
الجزء الرابع
بعد ساعتين، خبطت على باب أوضتي.
المرة دي ما دخلتش من غير إذن.
قالت:
— ممكن أدخل؟
قلت:
— ادخلي.
دخلت وقعدت على طرف الكرسي.
ملامحها كانت مختلفة.
أهدى.
قالت:
— أنا كنت متعصبة.
ما رديتش.
قالت:
— أنا مش قصدي أمشي من البيت.
قلت:
— براحتك.
رفعت عينيها لي.
— إنتِ مالك اتغيرتي كده فجأة؟
السؤال خلاني أضحك.
قلت:
— فجأة؟
— أيوه.
— أنا ما اتغيرتش فجأة. أنا بس بطلت أوافق.
سكتت.
قلت:
— من إمتى وإنتِ شايفة إن كل حاجة أعملها لك واجب؟
قالت:
— أنا ماقلتش كده.
— لأ… إنتِ ماقلتيش. إنتِ اتصرفتي على أساسه.
بدأت تعد على صوابعي:
— العربية.
— البيت.
— الأكل.
— الغسيل.
— الفواتير اللي اتأخرتي فيها.
— الأقساط اللي وعدتيني تدفعيها.
— وكل مرة كنتي تقولي: “معلش يا ماما الشهر ده.”
عينيها نزلت للأرض.
قلت:
— عمري ما حسبت عليكِ حاجة، لأنك بنتي.
سكت لحظة.
— لكن امبارح، وإنتِ معدية جنبي بالعربية اللي أنا دفعت أغلب تمنها، حسيت إني مش أمك.
بصتلي.
قلت:
— حسيت إني عاملة نظافة عندك.
دموعها بدأت تتجمع.
لكن جوايا كان فيه حاجة بقت أهدى من إنها تتأثر بسرعة.
قالت:
— صاحبتي كانت معايا…
قلت:
— صاحبتك ماقالتلكيش سيبي أمك في المطر.
— كنت محرجة.
— مني؟
سكتت.
قلت:
— قوليها.
قالت بصوت واطي:
— من شكلك وقتها.
هزيت راسي.
— أهو ده الصدق.
سكتنا.
بعدها قلت:
— العربية هتتباع.
رفعت راسها بسرعة.
— يا ماما بالله عليكي…
— هتتباع.
— وأنا هعمل إيه؟
— نفس اللي قولتيلي عليه.
بصتلي بصدمة.
قلت:
— الأتوبيس موجود.
قامت واقفة بعصبية.
— إنتِ عايزة تذليني!
قلت:
— لأ.
وقفت أنا كمان.
— أنا عايزة أبطل أذل نفسي.
خرجت وهي بتعيط.
وقبل المغرب، لقيتها بتكلم صاحبتها في الصالة.
صوتها كان عالي.
— أنا مش عارفة أعمل إيه! أمي اتجننت وعايزة تبيع العربية.
سمعت صوت صاحبتها من الموبايل.
كان على السماعة.
قالت:
— طب ما تقولي لها العربية بتاعتك وإنتِ اللي بتدفعي؟
بنتي سكتت.
صاحبتها قالت:
— إنتِ اللي بتدفعي صح؟
بنتي ما ردتش.
ثواني طويلة عدت.
وبعدين قالت:
— يعني… مش كلها.
صاحبتها قالت:
— قصدك إيه؟
قالت بنتي:
— العربية أصلًا باسم ماما.
سكتت صاحبتها.
وبعدين قالت:
— لحظة… إنتِ طول الوقت كنتِ بتقولي إنها عربيتك!
أنا ماشفـتش وش بنتي.
لكن قدرت أتخيله.
قالت:
— ما هي كانت جايباها عشاني.
ردت صاحبتها:
— بس مش بتاعتك.
وبعدين غيرت الموضوع بسرعة.
ولأول مرة، بنتي شافت بعينيها إن الصورة اللي كانت بتحاول تحافظ عليها قدام صاحبتها…
ماكانتش حقيقية من الأساس.
الجزء الخامس
بعد أسبوع، العربية اتباعت.
لما الفلوس دخلت حسابي، عملت أول حاجة كنت مأجلاها من سنتين.
حجزت كشف عيون.
وعملت النضارة اللي كنت كل مرة أقول:
“مش مهم… بعدين.”
بعدها اشتريت كرسي جديد كويس لماكينة الخياطة.
الكرسي القديم كان مسببلي ألم في ضهري.
واحتفظت بالباقي.
مش لبنتي.
مش لحد.
ليا أنا.
الغريب إن بنتي ماكلّمتنيش يومين كاملين بعد بيع العربية.
كانت تروح شغلها مواصلات.
وترجع متأخرة.
ما بقيتش أعمل لها الأكل.
ما بقيتش ألم هدومها من على الأرض.
وما بقيتش أصحيها.
وفي اليوم التالت، رجعت البيت الساعة سبعة بالليل.
لقيتني قاعدة على ماكينة الخياطة.
وقفت عند الباب.
قالت:
— ماما؟
قلت:
— نعم؟
قربت.
كانت ماسكة كيس صغير.
حطته قدامي.
فتحت الكيس.
لقيت فيه نضارة شمس بسيطة.
ضحكت.
— إيه دي؟
قالت:
— مش عارفة… شفتها وافتكرتك.
رفعت عيني لها.
قالت بسرعة:
— مش عشان أصلح اللي حصل يعني.
سكتت.
وبعدين قالت:
— أصل اللي حصل مايتصلحش بهدية.
كانت أول جملة صح تقولها من أسبوع.
قعدت قدامي.
قالت:
— أنا آسفة.
ما رديتش بسرعة.
قالت:
— آسفة إني سيبتك في المطر.
وسكتت.
ثم كملت:
— وآسفة أكتر إني ضحكت عليكي بعد ما رجعتي.
عيني دمعت.
لكن مسحت دموعي.
قالت:
— صاحبيتي ماكلمتنيش من يومين.
قلت:
— وليه؟
ضحكت بمرارة.
— تقريبًا لما عرفت إن العربية مش بتاعتي، بقيت أقل إبهارًا.
قلت:
— خليكي فاكرة الإحساس ده.
بصتلي.
قلت:
— لأنك خليتيني أحس إن قيمتي أقل عشان بلوفري قديم.
عيطت.
المرة دي ماجريتش أحضنها.
خليتها تعيط.
مش عقاب.
لكن لأن ساعات الإنسان لازم يقعد شوية مع نتيجة اللي عمله.
قالت:
— أقدر أصلح ده إزاي؟
قلت:
— مش بكلام.
— أمال؟
قلت:
— بوقت.
الجزء السادس
عدّى شهر.
حصلت حاجات صغيرة.
لكن بالنسبالي كانت كبيرة.
بنتي بدأت تدفع جزء من مصاريف البيت.
مش عشان طلبت.
هي اللي عرضت.
بدأت تغسل هدومها بنفسها.
وتعمل أكل أوقات.
وفي يوم رجعت البيت لقيتها قاعدة قدام ماكينة الخياطة.
كانت ماسكة بنطلون مقطوع وبتحاول تدخل الخيط في الإبرة.
ضحكت غصب عني.
قلت:
— بتعملي إيه؟
قالت:
— بحاول أصلحه.
— إنتِ؟
— أيوه.
— وإيه اللي جرالك؟
قالت:
— الخياطة غالية.
ضحكت.
قالت وهي بتبصلي:
— وإنتِ كنتِ بتعملي ده أربعين سنة؟
قلت:
— أكتر.
فضلت ساكتة.
وبعدين قالت:
— أنا عمري ما سألتك ضهرك كان بيوجعك قد إيه.
الجملة وقفتني.
مش عشان كانت عظيمة.
لكن عشان لأول مرة…
هي شافتني.
مش شافت “ماما اللي بتعمل الأكل”.
ولا “ماما اللي معاها فلوس الأقساط”.
ولا “ماما اللي البيت باسمها”.
شافت الست اللي كانت قاعدة قدام ماكينة خياطة أربعين سنة.
قلت:
— كان بيوجعني كتير.
نزلت عينيها.
وقالت:
— وأنا زودت وجعك.
ما رديتش.
مديت إيدي وخدت البنطلون منها.
قلت:
— تعالي أعلّمك.
قعدت جنبي.
وبدأت أوريها إزاي تدخل الخيط.
كانت إيدي أبطأ من زمان.
وعيني محتاجة النضارة الجديدة.
لكن لأول مرة من فترة طويلة…
ماحسيتش إني بخدمها.
حسيت إني أمها.
الفصل الأخير
بعد ست شهور، كنت خارجة من نفس العيادة.
والجو بدأ يمطر.
وقفت تحت مظلة صغيرة كنت اشتريتها لنفسي.
وفجأة عربية وقفت قدامي.
مش العربية الرمادي.
عربية صغيرة مستعملة.
الشباك نزل.
كانت بنتي.
قالت:
— اركبي يا ماما.
بصيت للكراسي.
كان عليها غطا بسيط.
قلت وأنا بضحك:
— ما أنا مبلولة شوية.
وشها اتغير للحظة.
هي افتكرت.
وأنا افتكرت.
نزلت من العربية.
فتحت الباب بنفسها.
وقالت:
— لو غرقتي العربية كلها مية… مش مهم.
بصيت لها.
قالت:
— الكراسي تتنضف.
وبصوت أهدى:
— إنما في حاجات لو اتكسرت… صعب تتصلح.
ركبت.
لاحظت ورقة صغيرة معلقة جنب التابلوه.
قلت:
— إيه دي؟
قالت:
— أول إيصال قسط.
بصيت لها.
ابتسمت وقالت:
— العربية دي باسمي.
وبعدين ضحكت.
— والقرض باسمي.
ضحكت أنا كمان.
قالت:
— واتعلمت الدرس.
تحركنا بالعربية وسط المطر.
وأنا ببص من الشباك للموقف اللي وقفت فيه يوم كامل تقريبًا من ست شهور.
اليوم ده كنت فاكرة إن بنتي سابتني هناك.
لكن الحقيقة؟
هي ما سابتنيش بس.
هي سابت نسخة مني كنت محتاجة أتخلص منها من زمان.
الست اللي كانت بتفتكر إن التضحية معناها إنك تسمح للناس ياخدوا كل حاجة منك.
وإن الأم لازم تسكت مهما حصل.
وإن كلمة “دي بنتي” كفاية تمسح أي إهانة.
لأ.
الأم بتحب.
وتسامح.
وتدي.
لكن الأم كمان إنسانة.
ولها كرامة.
وأوقات…
أقوى درس ممكن تعلمه لأولادك مش إنك تفضل تديهم.
لكن إنك تعرف إمتى تقول:
كفاية.
بنتي مدت إيدها وشغلت المسّاحات.
المطر اختفى من على الزجاج قدامنا.
وبصتلي وقالت:
— نروح نشرب شاي؟
ابتسمت.
— بشرط.
— إيه؟
قلت:
— المرة دي إنتِ اللي تعمليه.
ضحكت.
— حاضر يا ماما.
وساعتها عرفت إن علاقتنا ما رجعتش زي زمان.
والحقيقة إني ماكنتش عايزاها ترجع زي زمان.
لأن “زمان” كان فيه واحدة بتاخد…
وواحدة بتدي لحد ما تتعب.
إنما دلوقتي…
كان فيه أم وبنت.
وكل واحدة فيهم أخيرًا عرفت قيمة التانية.
تمت.
#حكايات_أسما_السيد بقلم الكاتبة أسما السيد — حصري




