امراه مسنه حكايات اسما السيد 3 والاخير

الفصل الخامس — الخائن الحقيقي الحاجة أمينة فضلت واقفة مكانها، والرسالة بترتعش في إيدها. قدامها الراجلين. واحد بيقول إنه حاول ينقذ ابنها. والتاني بيعترف إنه كان بيدور عليه. وفي الورقة… ابنها كاتب بوضوح: “واحد من الاتنين هو اللي سلّمني.” رفعت عينيها وقالت: — محدش فيكم هيمشي من هنا قبل ما أعرف الحقيقة.
الراجل الكبير ضحك بهدوء.
— الحقيقة مش دايمًا بتكون مريحة.
الحاجة أمينة ردت:
— وأنا عمري ما طلبت الراحة… أنا عايزة ابني.
كريم وقف جنبها.
— وأنا عايز أعرف مين أبويا كان بيهرب منه.
الرجل اللي وصل الأول قال:
— أنا هقولك كل حاجة.
الراجل الكبير قاطعه:
— طبعًا هتقول نسختك.
الحاجة أمينة ضربت بإيدها على السفرة.
— كفاية!
الاتنين سكتوا.
رفعت المفتاح.
— المفتاح ده بيفتح إيه؟
الرجل الكبير قال:
— صندوق أمانات.
الرجل التاني بصله بسرعة.
— إنت عرفت منين؟
ابتسم.
— لأني كنت موجود يوم ما اتحجز.
الحاجة أمينة اتجمدت.
— موجود مع ابني؟
— أيوه.
الرجل الأول قال:
— كداب.
الراجل الكبير بصله.
— قول لها الحقيقة إنت.
سكت.
فكمل الكبير:
— ابنها لما اكتشف السرقة، ماجاش لك لوحدك.
بص للحاجة أمينة.
— جه لنا إحنا الاتنين.
الحاجة أمينة قالت:
— ليه؟
— لأنه كان فاكر إننا هنساعده.
الرجل الأول نزل عينه.
الرجل الكبير كمل:
— لكنه ماكانش عارف إن صاحبه اللي واقف قدامك كان غرقان في ديون ضخمة.
الحاجة أمينة بصت للرجل الأول.
— الكلام ده صح؟
سكت.
— جاوبني!
قال بصوت واطي:
— أيوه.
كريم قال:
— يعني بعت أبويا عشان الفلوس؟
الرجل الأول رفع عينه بسرعة.
— لأ!
الرجل الكبير قال:
— أمال تقولها أنا؟
الرجل الأول صرخ:
— اسكت!
الحاجة أمينة بدأت تفهم.
— هو إنت اللي قلت لهم ابنّي هيكون فين؟
الرجل الأول عينيه اتمَلوا دموع.
— كنت فاكر إنهم هيخوفوه بس.
الحاجة أمينة شهقت.
كريم رجع خطوة.
— يعني إنت الخائن؟
الرجل الأول قال:
— أنا غلطت.
الحاجة أمينة قربت منه.
— غلطت؟
صوتها كان هادي.
— ابني اختفى خمستاشر سنة… وحفيدي عاش في الشارع… وإنت بتقول غلطت؟
الرجل قال:
— والله ما كنت أعرف إن الموضوع هيوصل لكده.
كريم قال بمرارة:
— بس عرفت وسكت.
الحاجة أمينة بصت للراجل الكبير.
— وإنت؟
قال:
— أنا كنت عايز الدليل.
— حتى لو ابنّي مات؟
سكت.
الحاجة أمينة هزت راسها.
— يبقى إنتوا الاتنين ضيعتوه.
الكلام نزل عليهم زي الحكم.
كريم بص للمفتاح.
— طيب الصندوق فين؟
الرجل الكبير طلع كارت قديم.
— البنك اللي اتحجز فيه الصندوق اتقفل من سنين، بس الخزائن اتنقلت لمخزن تابع لنفس المؤسسة.
الرجل الأول قال:
— متروحيش.
الحاجة أمينة ردت:
— ليه؟
— لأن لو الدليل لسه موجود، ناس كتير هتدور عليه.
الراجل الكبير ضحك.
— هما أصلًا بيدوروا عليه.
وفجأة…
موبايل الراجل الأول رن.
بص للشاشة.
وشه اتغير.
رد.
ماقالش غير كلمتين:
— عرفوا المكان.
وقفل.
الحاجة أمينة قالت:
— مين؟
الرجل الأول قرب من الشباك.
— لازم نخرج من هنا حالًا.
كريم قال:
— مش هنسيب البيت.
الرجل الكبير قال:
— لو فضلتوا، هما اللي هييجوا لكم.
الحاجة أمينة بصت للأطفال.
الأربعة واقفين في زاوية المطبخ، خايفين.
بصت لكريم.
وبعدين قالت:
— الولاد يفضلوا عند الجيران.
كريم قال:
— وأنا؟
مسكت إيده.
— إنت جاي معايا.
الرجل الأول قال:
— خطر.
الحاجة أمينة بصتله:
— من النهارده، محدش فيكم ياخد قرار يخص حفيدي غيري.
بعد نص ساعة، كانوا في الطريق.
الحاجة أمينة في العربية.
كريم جنبها.
والرجلين قدام.
وصلوا لمبنى قديم في طرف المدينة.
دخلوا لممر طويل.
الرجل الكبير وقف قدام خزنة معدنية.
قال:
— دي هي.
الحاجة أمينة حطت المفتاح.
لفته.
الخزنة اتفتحت.
جواها كان فيه صندوق صغير.
وكيس أوراق.
وفلاشة قديمة.
لكن الحاجة أمينة ما اهتمتش بأي حاجة منهم.
لأن فوقهم…
كان فيه جواب تاني.
مكتوب عليه:
“لأمي وكريم.”
كريم همس:
— هو كان عارف اسمي؟
الحاجة أمينة فتحت الجواب.
وأول سطر كان:
“يا أمي… يا ابني… لو إنتوا بتقروا ده سوا، يبقى حصلت المعجزة اللي كنت مستنيها.”
كريم بدأ يعيط.
الحاجة أمينة كملت.
“أنا عايش.”
إيدها وقفت.
رفعت عينيها.
— عايش؟
الرجلين بصوا لبعض.
رجعت للورقة بسرعة.
“بس ما تدوروش عليا بالطريقة العادية… لأن اسمي القديم مات من سنين.”
وفي آخر الورقة…
كان فيه عنوان.
وتاريخ مكتوب من أقل من شهر.
الفصل السادس — الباب الأخير
الحاجة أمينة ما استنتش.
قالت:
— هنروح العنوان ده.
الرجل الأول قال:
— ممكن يكون فخ.
ردت:
— ولو كان آخر مكان شاف ابني، هروحه.
الرجل الكبير سكت.
كان واضح إنه لأول مرة مش عنده إجابة.
العنوان كان لبيت صغير بعيد عن الزحمة.
مش قصر.
مش مكان حراسة.
بيت بسيط جدًا.
وصلوا بعد ساعة.
الحاجة أمينة نزلت من العربية.
كريم نزل وراها.
وقفت قدام الباب.
إيدها كانت بترتعش.
قالت لكريم:
— أنا خايفة.
كريم مسك إيدها.
— وأنا كمان.
ابتسمت له وسط دموعها.
وخبطت.
ثواني.
اتفتح الباب.
ظهر راجل في أواخر الأربعينات.
شعره فيه خصل بيضا.
وشه متغير.
أضعف.
لكن عينيه…
الحاجة أمينة عرفتها في ثانية.
حطت إيدها على بقها.
هو وقف كأنه فقد القدرة على الكلام.
قالت بصوت مكسور:
— يا ابني؟
الرجل دموعه نزلت.
— أمي؟
الحاجة أمينة صرخت.
مش صرخة خوف.
صرخة عمر كامل.
وجريت عليه.
حضنته بكل قوتها.
وهو ضمها كأنه بيحاول يرجع خمستاشر سنة في حضن واحد.
— سامحيني.
— إنت عايش.
— سامحيني يا أمي.
— إنت عايش يا ابني.
كانت بتكررها كأنها مش مصدقة.
كريم وقف بعيد.
بيبص عليهم.
أبوه رفع عينه.
شافه.
جسمه كله اتجمد.
الحاجة أمينة بعدت عنه شوية.
وقالت:
— بص.
الرجل بص لكريم.
— كريم؟
الولد ما ردش.
أبوه قرب خطوة.
— ابني؟
كريم عينيه اتمَلوا دموع.
لكنه قال:
— ليه؟
الرجل وقف.
— ليه سبتني؟
الجملة كسرت كل حاجة.
الأب قال:
— ما سبتكش.
— أنا نمت في الشارع.
— كنت فاكر إنك مع أمي.
كريم صرخ:
— ما كنتش!
الأب نزل عينه.
— عارف.
— عرفت إمتى؟
— متأخر.
كريم ضحك بوجع.
— كل الناس بتعرف متأخر.
الحاجة أمينة سكتت.
خليتهم يتكلموا.
الأب قال:
— بعد ما هربت، كانوا بيدوروا عليا في كل مكان. اضطررت أغير اسمي. اشتغلت شغل بسيط. كنت كل ما أحاول أبعت حد يجيبك، ألاقيهم ورايا.
كريم قال:
— وبعدين؟
— بعدها عرفت إن الأسرة اللي كنت معاها اختفت.
— وفضلت تدور؟
— كل يوم.
كريم قال:
— تلاتاشر سنة؟
— تلاتاشر سنة.
طلع من جيبه محفظة قديمة.
فتحها.
جواها صورة طفل صغير.
قال:
— دي آخر صورة كانت عندي ليك.
كريم بص لها.
كان هو.
الأب كمل:
— وكل سنة في عيد ميلادك، كنت بشتري هدية.
دخل البيت.
رجع بعد ثواني بصندوق كبير.
فتحه.
عربيات لعب.
كورة.
كتب.
جاكت صغير.
وساعة.
وفي الآخر…
عجلة صغيرة للأطفال.
كريم بص للعجلة.
وضَحِك وهو بيعيط.
— دلوقتي جايبلي عجلة مقاس 6 سنين؟
الأب ضحك وسط دموعه.
— واضح إني اتأخرت جدًا.
كريم حاول يفضل متماسك.
لكن فجأة قرب منه.
وحضنه.
الأب انهار.
فضل ماسكه وهو بيقول:
— ابني… ابني…
الحاجة أمينة سابت دموعها تنزل.
لكن اللحظة ما كملتش.
لأن صوت العربية برا اتحرك.
الرجل الكبير دخل بسرعة.
— لازم نمشي.
الأب بصله.
— إنت جيت؟
الرجل قال:
— لازم نقفل الملف النهارده.
الأب شاف الرجل الأول.
وشه اتغير فورًا.
— إنت؟
الرجل الأول نزل راسه.
— أنا آسف.
الأب قرب منه.
ثواني صمت.
وبعدين قال:
— آسف دي كنت محتاج أسمعها من خمستاشر سنة.
الحاجة أمينة قالت:
— كفاية ضياع.
بصت لابنها.
— الأوراق معانا.
الأب قال:
— يبقى خلاص.
— خلاص إيه؟
— نطلع كل حاجة للنور.
الرجل الكبير اتوتر.
— لو عملنا كده، كلنا هندخل في تحقيقات.
الأب رد:
— أحسن من إن أطفالنا يعيشوا بقية عمرهم مستخبيين.
الحاجة أمينة مدت له الفلاشة.
— إنت تعبت كفاية.
كريم قال:
— وأنا كمان مش عايز أهرب تاني.
الأب بصله.
وهز راسه.
— ولا أنا.
وفي الليلة دي…
لأول مرة من خمستاشر سنة…
قرروا إن السر اللي فرقهم…
هو نفسه اللي هيرجع لهم حياتهم.
الفصل السابع والأخير — البيت اللي وسع الكل
الأيام اللي بعدها ماكانتش سهلة.
الأوراق اتسلمت للجهات المختصة.
التحقيقات بدأت.
والرجل الكبير اتقدم يشهد بكل اللي يعرفه.
أما صديق ابن الحاجة أمينة…
فاعترف بدوره من البداية للنهاية.
ماحدش سامحه بسهولة.
خصوصًا كريم.
لكن الحاجة أمينة قالت جملة واحدة:
— الحساب له ناسه… وإحنا عندنا عمر لازم نلحق نعيشه.
بعد شهور، اتحولت القضية لحديث ناس كتير.
لكن الحاجة أمينة ماكانتش مهتمة.
هي كان عندها قضية أهم.
ابنها رجع.
وحفيدها بقى معاها.
لكن في ليلة، وهي بتحضر العشا، لقت كريم واقف ساكت.
قالت:
— مالك؟
— الولاد.
— مالهم؟
— اللي كانوا بياكلوا هنا.
ابتسمت.
— طب ما هما هييجوا.
كريم بص لها.
— بس أنا دلوقتي عندي بيت وأب… وهما لأ.
الحاجة أمينة سكتت.
ابنها كان واقف عند الباب وسمع الكلام.
قال:
— عندك فكرة؟
كريم بصله.
— نعمل البيت أكبر.
ضحك أبوه.
— نهده يعني؟
— لأ… نعمل مكان للولاد.
الحاجة أمينة بصت لهم.
وبعد أسبوع…
بدأوا.
مشروع صغير في الأول.
بيت قديم اتصلح.
كام سرير.
مطبخ.
فصل للمذاكرة.
وبعد فترة…
بقى المكان يستقبل أطفال محتاجين رعاية، بالتنسيق مع الجهات المسؤولة، بدل ما يفضلوا في الشارع.
الحاجة أمينة أصرت إن المطبخ يفضل أهم أوضة.
قالت:
— الطفل الجعان مش هيسمع منك نصيحة.
وكل يوم كانت تقف بنفسها تطمن على الأكل.
ابنها كان مسؤول عن المصاريف والإدارة.
وكريم؟
كريم بقى أول واحد يستقبل أي طفل جديد.
كان يقول له:
— ما تقلقش… هنا محدش هيقولك إنت ضيف.
وفي يوم افتتاح المكان رسميًا، اتعلق على الباب اسم اختارته الحاجة أمينة:
“بيت العيلة.”
ابنها قال لها:
— ماكنتيش عايزة تسميه باسمك؟
ضحكت.
— وأنا مالي؟ أنا كنت بطبخ بس.
كريم قال:
— إنتِ عملتي أكتر من كده.
بصتله.
— عملت إيه؟
قرب منها وحضنها.
— جمعتينا.
في آخر الليل، بعد ما الكل مشي، رجعت الحاجة أمينة بيتها القديم.
دخلت أوضتها.
فتحت الدرج.
طلعت الصورة القديمة.
صورة ابنها يوم التخرج.
فضلت باصة لها.
لكن المرة دي…
ما قالتش:
“ربنا يطمني عليك.”
لأن صوت ابنها جه من وراها:
— ماما… العشا برد.
لفت بسرعة.
كان واقف على الباب.
وكريم وراه ماسك طبقين.
قال كريم:
— يلا يا تيتة، إحنا مستنيينك.
الحاجة أمينة ضحكت.
مسحت دموعها.
ورجعت الصورة الدرج.
لكن قبل ما تقفله…
حطت جنبها صورة جديدة.
هي.
وابنها.
وكريم.
وحوالينهم الأطفال.
قفلت الدرج.
وقامت.
وقبل ما تطفي النور، بصت للبيت وقالت:
— سبحان اللي بيرجع الغايب… ويبعت العوض من باب ما يخطرش على بال حد.
كريم ناداها:
— يا تيتة!
قالت وهي خارجة:
— جاية يا حبيبي.
وقعدوا كلهم حوالين السفرة.
السفرة اللي بدأت يومًا بأربع أطباق بلاستيك قديمة…
وبقت سبب إن عيلة كاملة ترجع لبعض.
تمت
#حكايات_اسما_السيد
الكاتبة أسما السيد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




