قبل موعدي حكايات اسما السيد 2

أخبرت الضابط المسؤول عن التسجيلات. شاهد جزءًا منها ثم تغيرت ملامحه تمامًا. طلب مني ألا أتصل بزوجتي، وألا أخبرها بما اكتشفته. ذهبنا إلى المنزل. كانت زوجتي لا تزال هناك. عندما رأتني برفقة الشرطة قالت: — جايبهم تفتشوا بيتي؟ قلت: — بيتي أنا كمان. نظرت إليّ . — واضح إن أمك نجحت توقع بينا. لم أرد.
دخلت غرفة أمي.
فتحت الدولاب.
وجدت علبة الخياطة الزرقاء خلف مجموعة من البطاطين.
كانت قديمة، أتذكرها منذ طفولتي.
فتحتها.
في الأعلى كانت هناك بكرات خيط وإبر وأزرار.
رفعتها.
لم أجد شيئًا.
كدت أظن أنني أخطأت.
لكن أحد الضباط لاحظ أن قاع العلبة سميك بطريقة غريبة.
نزعه.
كان تحته هاتف صغير.
ومفتاح.
وذاكرة إلكترونية.
وورقة مطوية.
فتحت الورقة.
كانت بخط العاملة.
«لو حصل لي أو للحاجة أي حاجة، التسجيلات موجودة هنا.»
نظرت إلى زوجتي.
تغير وجهها.
قالت بسرعة:
— البنت دي حرامية! أنا قلتلك من الأول إنها مش طبيعية!
لكن الضابط أخذ الهاتف والذاكرة.
أما المفتاح، فكان عليه رقم محفور:
214
سألت:
— ده مفتاح إيه؟
لم تجب زوجتي.
لكنني لاحظت أنها تنظر إلى سامح.
أو بالأحرى…
إلى المكان الذي كان سامح يضع فيه حقيبته عندما يأتي.
فتشنا التسجيلات مرة أخرى.
وفي أحد المقاطع رأيناه يخرج المفتاح نفسه من جيبه.
قال الضابط:
— غالبًا خزنة أو صندوق أمانات.
عندها تكلمت زوجتي للمرة الأولى بنبرة مختلفة.
قالت:
— أنا عايزة محامي.
لم تكن تبكي الآن.
لم تعد الزوجة المظلومة.
كانت تعرف أن اللعبة انتهت.
لكننا لم نكن نعرف بعد أن الرقم 214 سيقودنا إلى شيء لم يكن له علاقة ببيت أمي فقط.
بل بأموالي أنا أيضًا.
في اليوم التالي، تمكن المحققون من تحديد مصدر المفتاح.
كان يعود إلى صندوق أمانات خاص.
وبعد الإجراءات القانونية اللازمة، فُتح الصندوق.
كنت حاضرًا عندما بدأوا في إخراج محتوياته.
أول شيء كان مبلغًا كبيرًا من المال.
ثم مجوهرات.
عرفت بعضها فورًا.
كانت لأمي.
قطع قديمة ورثتها عن جدتي.
كنت أعتقد أنها لا تزال في خزانتها.
لكن تحت المجوهرات كانت هناك ملفات.
نسخ من بطاقة أمي.
عقود.
توكيلات.
صور لتوقيعها.
وتقارير طبية.
أمسك المحقق أحد التقارير.
قرأه.
ثم نظر إليّ.
— والدتك عندها فقدان أهلية؟
قلت:
— لأ.
— عندها خرف؟
— لأ.
ناولني الورقة.
كان تقريرًا طبيًا يفيد بأن أمي تعاني من تدهور إدراكي شديد يجعلها غير قادرة على إدارة أموالها واتخاذ القرارات القانونية بمفردها.
قلت:
— ده كذب.
سأل:
— تعرف الدكتور اللي موقع عليه؟
نظرت إلى الاسم.
لم أعرفه.
لكنني تذكرت شيئًا.
قبل شهر، قالت لي زوجتي في مكالمة:
«والدتك بقت تنسى كتير. يمكن لازم نفكر نعمل لها تقييم طبي.»
وقتها صدقتها.
الآن فهمت لماذا.
كانوا يريدون أن يجعلوا أمي غير مؤهلة قانونيًا.
ثم ظهر مستند آخر.
هذه المرة كان باسمي أنا.
فتحته.
وتوقفت عن التنفس.
كان طلبًا لتحويل مبلغ ضخم من حساب استثماري أملكه.
والتوقيع في الأسفل يشبه توقيعي تمامًا.
لكنني لم أوقعه.
قلت:
— ده مزور.
سألني المحقق:
— مين عنده نماذج من توقيعك؟
ضحكت بمرارة.
— مراتي.
كانت تملك عشرات الأوراق التي تحمل توقيعي.
عقود المنزل.
مستندات البنك.
أوراق التأمين.
قال المحقق:
— واضح إن موضوع والدتك كان جزءًا من حاجة أكبر.
قلت:
— كانوا عايزين ياخدوا إيه بالضبط؟
قال:
— ده اللي لازم نعرفه.
ثم أخرج آخر ملف.
قرأ الصفحة الأولى.
وتغير وجهه.
سألني:
— حضرتك عامل وثيقة تأمين على حياتك؟
قلت:
— أيوه.
— بمبلغ كبير؟
أومأت.
نظر إليّ لثوانٍ.
ثم سأل:
— مين المستفيد الأساسي؟
لم أحتج إلى التفكير.
قلت:
— زوجتي.
أغلق الملف ببطء.
وقال:
— أعتقد إننا محتاجين نراجع سبب إصرارها إنك تفضل في السفر لحد الموعد الأصلي.
لأول مرة منذ عودتي…
لم أخف على أمي فقط.
خفت على نفسي.
كانت الذاكرة التي أخفتها العاملة أهم دليل.
لم تكن تحتوي على صور فقط.
كانت هناك تسجيلات صوتية.
العاملة بدأت تسجل سرًا بعدما لاحظت أن زوجتي تمنع أمي من الاتصال بي بمفردها.
في أحد التسجيلات سمعت زوجتي تتحدث مع سامح.
قال:
— أهم حاجة توقيع العجوز.
ردت زوجتي:
— مش راضية.
— يبقى التقرير الطبي يخلص الموضوع.
— وجوزي؟
صمت سامح لحظة.
ثم قال:
— لما يرجع، كل حاجة هتكون خلصت.
ردت زوجتي:
— هو مش هيرجع قبل يوم 18.
قال:
— متأكدة؟
ضحكت.
— أنا مراته. أكيد عارفة.
شعرت ببرودة تسري في جسدي.
كنت أخطط للعودة يوم 18.
لكنني عدت يوم 15.
ثلاثة أيام فقط.
ثلاثة أيام فصلت بين ما وجدته وبين ما كانوا يخططون له.
استمر التسجيل.
قالت زوجتي:
— بس موضوع التأمين خلّيه بعيد دلوقتي.
رد سامح:
— ما أنا قلتلك، خطوة خطوة.
ثم انقطع الصوت.
نظرت إلى المحقق.
قلت:
— يعني إيه موضوع التأمين؟
قال:
— ما نستبقش التحقيق.
لكنني رأيت القلق في وجهه.
في تسجيل آخر، كانت زوجتي وحدها تتحدث في الهاتف مع شخص لم يظهر اسمه.
قالت:
— الحجز زي ما هو؟
صمتت تستمع.
ثم قالت:
— ممتاز. هو فاكر إني هعمل له مفاجأة لما يرجع.
ضحكت.
— أيوه… الرحلة يوم 19.
شعرت بأن قلبي توقف.
كان يوم 19 هو اليوم التالي لموعد عودتي الأصلي.
وكانت زوجتي قد أخبرتني قبل سفري أنها تحضر لنا «رحلة رومانسية» عندما أعود.
قال المحقق:
— كنت تعرف وجهة الرحلة؟
قلت:
— لأ.
بحثوا في هاتفها.
ووجدوا الحجز.
من المفترض أن نسافر بالسيارة إلى منتجع جبلي بعيد.
لكن الشيء الذي لفت انتباه المحققين لم يكن الفندق.
كان اسم شركة تأجير السيارات.
لأن زوجتي طلبت تحديدًا سيارة مسجلة باسمها وحدها…
وأضافت تأمينًا استثنائيًا على الحوادث.
وعندها قال المحقق جملة لم أنسها:
— عودتك قبل موعدك بثلاثة أيام ممكن تكون أنقذت شخصين، مش شخص واحد.
يتيع
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



