عام

الرجل الغامض بسلامته حكايات اسما السيد 1

حكايات اسما السيد

دخلت على أبرد رجل أعمال في مصر وهو بيرقص لوحده وقت الشروق… ومن اللحظة دي، ماعرفش يبعد عنها

الجزء الأول

أول حاجة عرفتها ميار جمال عن أدهم الكيلاني… إن محدش في القاهرة شافه بيبتسم قبل كده.

ولا مرة.

مش لما شركة “الكيلاني جروب” ابتلعت شركة منافسة في صفقة خلّت السوق كله يتقلب في يوم واحد.

ومش لما اتبرع بمبلغ ضخم بنى بيه جناح كامل في مستشفى أطفال واتصور وسط التصفيق كأنه تمثال رخامي مابيحسش.

ولا حتى اليوم اللي مدير كبير اتزحلق فيه على قهوة في بهو الشركة واتعلق في نبات زينة ضخم وقع نص الريسبشن، بينما الموظفين كانوا بيحاولوا يستخبوا من الإحراج.

أدهم الكيلاني بصّ مرة واحدة بس وقال ببرود:

“خلو الصيانة تنظف المكان.”

وده كان كل شيء.

ده الراجل اللي الناس كلها بتخاف منه.

الراجل اللي اسمه متحفر بحروف فضية على برج ضخم في التجمع الخامس.

الراجل اللي بدلته الرمادي الغامق كانت متفصلة كأنها معمولة بمعادلات هندسية.

الراجل اللي صوته الواطي كان كفاية يسكت  اجتماعات كاملة أسرع من صوت إنذار

الموظفين الجداد كانوا يهمسوا باسمه جنب الأسانسير… والمديرين يتجنبوا يعارضوه إلا لو مستعدين يخسروا شغلهم.

وعشان كده… اللي شافته ميار الساعة 7:43 صباح يوم ثلاث عشوائي، في الدور التالت والأربعين فوق القاهرة… كان أخطر سر وقعت عليه بالغلط.

ميار كانت بقالها ست أسابيع بس شغالة في “الكيلاني جروب”.

ست أسابيع بتتعلم إن القاهرة السريعة مش شبه إسكندرية اللي جاية منها.

القاهرة كانت أشرس… أسرع… وكأن المدينة كلها مستعجلة على حاجة وممكن تدوس عليك لو وقفت تاخد نفسك.

ست أسابيع من ركوب المترو بإيد ماسكة القهوة والإيد التانية ماسكة شنطتها.

ست أسابيع بتكلم أمها كل جمعة من الصغيرة في مدينة نصر، وأمها تسألها إذا كانت بتاكل أكل حقيقي ولا “عايشة على قهوة الشركات والهواء المكيف”.

وست أسابيع بتبني سمعة في قسم الشراكات إنها البنت اللي مش بس بتخلص الشغل…

لا.

بتخليه أحسن.

كانت تلاقي مشاكل محدش واخد باله منها.

تعيد كتابة العروض فتخليها تبان واثقة بدل ما تكون متوسلة.

تعترض في الاجتماعات بطريقة مهذبة تخلي الناس ماتاخدش بالها إنها صححتهم غير بعد ما الاجتماع يخلص.

هي أخدت الوظيفة بموهبتها… وتعبها… وبورتفوليو خلا لجنة التوظيف تسكت شوية قبل ما المدير يقول أخيرًا:

“تقدري تبدأي إمتى؟”

ابتسمت ميار وقالت:

“كنت أفضل أبدأ امبارح… بس الاثنين مناسب.”

ضحكوا.

وأخدت الوظيفة قبل ما تنزل من المبنى.

حتى لبس أول يوم ليها بقى حكاية صغيرة وسط الموظفين.

بنطلون أوف وايت واسع بخطوط حادة.

هاي كول أسود بسيط.

بليزر بلون الطوبي ماكانش المفروض يليق على شركة رسمية بالشكل ده… لكنه كان مثالي عليها.

حلقان دهب صغيرة.

وكوتشي أبيض شكله بيقول: “أنا قريت قواعد اللبس… وبعدين حسّنتها.”

شعرها كان متلموم في ذيل حصان عالي، وشكلها كله كان مرتب بشكل يخلي أي حد يبص مرتين.

زميلتها يارا بصتلها أول يوم وقالت:

“إنتِ هتبقي مشكلة.”

ردت ميار وهي تاخد رشفة قهوة:

“بس مشكلة مفيدة.”

يارا ضحكت وقالت:

“المشاكل المفيدة…  نوع.”

وده كان فعلًا أسلوب ميار في الحياة.

بالخفة.

بالذكاء.

وبثقة حد اتقلل منه كتير لدرجة إنه بقى يعرف قيمته كويس.

وده بالضبط اللي خلاها تكتشف لاونج الإدارة.

من الناحية الرسمية… اللاونج اللي في الدور التالت والأربعين كان للمديرين التنفيذيين وضيوف مجلس الإدارة فقط.

ومن الناحية الرسمية… الباب كان لازم يفضل مقفول.

ومن الناحية الرسمية… موظفين قسم الشراكات مكانهم الدور التامن والتلاتين جنب ماكينة قهوة طعمها كأن حد همس بكلمة “إسبريسو” فوق مياه مغلية وخلاص.

لكن لاونج الإدارة…

كان فيه ماكينة قهوة إيطالي أصلية.

ومن خلال مهارات تحقيقية كانت ميار نفسها شايفة إنها تستحق تتحط في تقييم الأداء… اكتشفت إن المكان بيبقى فاضي تمامًا بين 7:30 و8:15 الصبح.

عمال النظافة يخلصوا بدري.

المديرين يوصلوا بعد الثمانية والنص.

والأمن مابيحبش يزعج الناس المهمة قبل الكافيين.

يعني…

كان فيه فرصة.

وميـار جمال عمرها ما كانت بتفوت فرصة.

بقالها 3 أسابيع بتدخل الصبح بهدوء… تعمل إسبرسو… وتقف قدام الشبابيك العملاقة تشوف القاهرة وهي بتصحى تحتها بلون دهبي جميل.

أربعطاشر دقيقة بالظبط.

تمسح المكان.

وترجع الدور التامن والتلاتين كأنها كانت في الحمام مش أكتر.

ومحدش شافها.

لحد صباح الثلاثاء.

سمعت الموسيقى قبل ما تفتح الباب.

مش موسيقى هادية بتاعة الشركات.

ولا جاز ممل بيتشغل في الأسانسيرات.

دي كانت موسيقى فيها روح.

خط الباص فيها كان بيهز الأرض تحت رجلها.

موسيقى قديمة… حقيقية… من النوع اللي يخلي الجسم يتحرك قبل ما المخ يفكر.

وقفت ميار وإيدها على المقبض.

المفروض المكان يكون فاضي.

المفروض تمشي.

هي معاها ماجستير وفاهمة يعني إيه تحافظ على شغلها.

لكنها فتحت الباب برضه.

وفي اللحظة دي… إحساسها بالواقع كله اتكسر.

أدهم الكيلاني…

كان بيرقص.

مش بيتمايل.

مش بيهز راسه بإحراج زي الرجالة في الأفراح.

لا.

بيرقص فعلًا.

حركته كاملة.

مسيطر.

حقيقي.

جاكيته كان مترتب على ضهر الكرسي بدقة غريبة.

أكمامه مرفوعة لحد ساعده.

الكرافتة مختفية.

والراجل اللي معروف عنه إنه أبرد شخص في عالم البيزنس… كان بيتحرك مع الموسيقى كأنها عايشة جواه من سنين.

خطواته كانت سريعة ودقيقة بشكل صادم.

كعب… طرف… دوران سلس.

وبعدين جسمه كله بقى أنعم… أكتافه ارتخت… والإيقاع مشي فيه كأنه جزء منه.

مخ ميار…

فصل تمامًا.

وفي اللحظة اللي عينيه رفعت واتقابلت بعينيها…

الموسيقى ماوقفتش.

بس هو وقف.

وسكت المكان كله…. وو

فضلت ميار واقفة عند الباب.

إيدها لسه على المقبض.

وعينيها متعلقة بالراجل اللي قدامها كأن مخها رافض يستوعب إن ده فعلًا أدهم الكيلاني.

أدهم نفسه.

الراجل اللي الموظفين بيخفضوا صوتهم لما يعدي.

الراجل اللي المديرين يراجعوا كلامهم مرتين قبل ما يدخلوا مكتبه.

الراجل اللي من ست أسابيع كاملة، ميار ما شافتش في وشه غير تعبير واحد…

برود رسمي يصلح يتحط على واجهة بنك.

دلوقتي كان واقف قدامها بأكمام مرفوعة، أنفاسه أسرع شوية، وشعره اللي دايمًا متظبط بمنتهى الدقة وقع منه خصلة صغيرة على جبينه.

وبينهم…

الموسيقى لسه شغالة.

أدهم مد إيده ببطء ناحية الريموت.

ضغط زر.

الموسيقى اتقطعت فجأة.

الصمت اللي جه بعدها كان أسوأ.

ميار بلعت ريقها.

وقالت أول حاجة غبية طلعت في دماغها:

— صباح الخير.

عينيه ضاقت.

— صباح الخير؟

قالتها بسرعة:

— هو الصبح فعلًا… يعني منطقي أقول صباح الخير.

فضل باصص لها ثانيتين.

وبعدين سأل بصوت هادي جدًا:

— إنتِ مين؟

لسبب ما، السؤال استفزها.

مش لأنه مش عارف اسمها.

طبيعي مايعرفش.

الشركة فيها آلاف الموظفين.

لكن طريقته كانت كأنه لقاها مستخبية تحت

رفعت دقنها شوية.

— ميار جمال. قسم الشراكات.

نظر للباب.

وبعدين رجع بصلها.

— قسم الشراكات في الدور التامن والتلاتين.

— عارفة.

— وإحنا في الدور التالت والأربعين.

— ملاحظة ممتازة.

الحاجب اليمين بتاعه اتحرك حاجة بسيطة.

حاجة صغيرة جدًا.

لكن ميار كانت متأكدة إنها أول علامة على إن الراجل ده عنده أعصاب بشرية فعلًا.

قال:

— إيه اللي جابك هنا؟

بصت ناحية ماكينة القهوة.

وبعدين رجعت له.

— الحقيقة؟

— ياريت.

— القهوة.

سكت.

قالت وهي تشير للماكينة:

— عندنا تحت حاجة بيسموها ماكينة قهوة، لكن دي إهانة للقهوة وللماكينات في نفس الوقت.

فضل ساكت.

فكملت:

— فباخد إسبرسو من هنا الصبح.

— من إمتى؟

كان المفروض تكذب.

أي إنسان عاقل كان هيقول: أول مرة.

لكن ميار قالت:

— تلات أسابيع.

أدهم رمش ببطء.

— تلات أسابيع؟

— تقريبًا.

— بتدخلي لاونج الإدارة كل يوم بقالك تلات أسابيع؟

— مش كل يوم.

اتنفس ببطء.

— كام يوم؟

ميار فكرت.

— أربع مرات في الأسبوع.

— ده المفروض يخليني أحس أحسن؟

— كنت بحاول أكون دقيقة.

اتحرك ناحيتها.

خطوة واحدة.

بس ميار حسّت إن الغرفة صغرت فجأة.

أدهم كان أطول مما يبدو في الاجتماعات.

وأخطر بكتير من الصور.

قال:

— وإنتِ عارفة إن المكان ده ممنوع على الموظفين؟

— عارفة.

— ومع ذلك دخلتي؟

— أيوه.

— ليه؟

بصت له ثانية، وبعدين قالت ببساطة:

— لأن الباب كان مفتوح.

صمته طال.

ميار حست إنها بتحفر قبرها الوظيفي بإيديها، لكن خلاص.

بدأت…

تكمل.

أدهم قرب أكتر.

— الباب مش بيكون مفتوح.

الميزة الوحيدة في ميار إنها لما تتوتر، بدل ما تخاف…

بتتكلم أكتر.

قالت:

— أنا ماقلتش إنه بيكون مفتوح.

لأول مرة، ظهر شيء في عينيه.

اهتمام.

— يعني؟

— يعني عرفت طريقة فتحه.

هنا فعلًا…

اتغير وشه.

— إنتِ اخترقتي نظام الدخول؟

شهقت.

— لأ طبعًا!

— أمال؟

أشارت ناحية الباب.

— القفل بيعلق لو سحبته الأول لفوق وبعدين ضغطت المقبض لتحت.

سكتت ثانية.

— المفروض تكلموا الصيانة بالمناسبة.

أدهم بص للباب.

وبعدين لها.

ولأول مرة…

ميار شافت حاجة غريبة جدًا تحصل.

زاوية فمه اتحركت.

مش ابتسامة.

لأ.

يمكن محاولة فاشلة من عضلة نسيت وظيفتها من سنين.

لكنها شافتها.

واتصدمت لدرجة إنها قالت من غير تفكير:

— إنت كنت هتضحك؟

التعبير اختفى فورًا.

وشه رجع حجر.

— لأ.

— كنت هتضحك.

— ماحصلش.

— شوفته.

— واضح إنك بتتخيلي حاجات كتير الصبح.

— لا، أنا متأكدة.

حدق فيها.

— آنسة ميار…

— اتفضل.

— إنتِ داخلة مكان ممنوع، ا باب، وضبطتيني في لحظة خاصة جدًا، ومع ذلك أكتر حاجة شاغلاكي إني كنت هضحك؟

فكرت ثانية.

— لما تقولها كده… الموضوع فعلًا يبان مش في صالحي.

سكت.

وبعدين نظر لماكينة القهوة.

— خدي قهوتك.

ميار رمشت.

— إيه؟

— ما إنتِ جاية علشانها.

بصت له بريبة.

— يعني مش هتطي؟

— لسه ماقررتش.

— جميل جدًا.

— إيه الجميل؟

— إن فيه “لسه”.

اتجهت للماكينة بحذر كأنها ماشية جنب أسد قرر يأجل أكلها.

بدأت تحضر الإسبريسو.

وهي حاسة بعينيه عليها.

ضغطت الزر.

صوت الطحن ملأ المكان.

ماقدرتش تمنع نفسها.

— على فكرة…

صوته جه من وراها.

— لأ.

لفت له.

— أنا لسه ماقلتلكش.

— أيا كان اللي هتقوليه… لأ.

ابتسمت.

— كنت هقول إنك بترقص كويس.

أدهم ثبت نظره عليها.

لو كانت نظرة ممكن …

كانت اتدفنت جنب ماكينة القهوة.

قال ببطء:

— اللي حصل هنا النهارده…

— مش هقول لحد.

— أنا ماطلبتش وعدك.

— وأنا ما استنيتش طلبك.

قرب منها.

— ومين قال إني واثق إنك هتسكتي؟

شالت فنجانها.

وخدت رشفة.

وبعدين قالت:

— محدش.

وقف قدامها.

— أمال؟

— لازم تقرر بنفسك.

— بناءً على إيه؟

رفعت كتفها.

— أنا شفت رئيس مجلس إدارة شركتي بيرقص لوحده قبل الدوام. مش شفته بيختلس فلوس.

العصب في فكه تحرك.

قالت بسرعة:

— آسفة… مثال سيئ جدًا.

— جدًا.

— قصدي إن الموضوع شخصي.

— شخصي جدًا.

الميزة في نبرته المرة دي إنها ماكانتش

كان فيها حاجة تانية.

حاجة شبه التحذير.

ميار هدأت.

ولأول مرة، بطلت تهزر.

قالت:

— خلاص. مش هيتقال.

أدهم فضل باصص لها.

كأنه بيحاول يقرر إذا كانت صادقة ولا لأ.

سأل:

— ليه؟

— ليه إيه؟

— ليه مش هتقولي؟

ردت ببساطة:

— لأن مش كل حاجة نعرفها عن الناس تبقى من حقنا نحكيها.

الجملة خبطته.

بان في عينيه رغم إنه حاول يخفيها.

ميار نفسها ماعرفتش ليه حست إن الجملة لمست مكان حساس.

حطت الفنجان على الرخامة.

— ممكن أمشي؟

قال:

— ممكن.

بدأت تمشي.

لحد ما وصلت للباب.

صوته وقفها:

— ميار.

دي كانت أول مرة ينطق اسمها.

والغريب إن اسمها بصوته طلع مختلف.

لفت.

كان واقف جنب الشبابيك، ضهره لضوء الشروق.

— نعم؟

— بكرة…

استنت.

— أيوه؟

قال بمنتهى الجدية:

— الباب هيتصلح.

ميار عضت شفايفها علشان ماتضحكش.

— مفهوم.

فتحت الباب.

لكنه أكمل:

— وما تدخليش هنا تاني.

ابتسامتها خفت.

— حاضر.

خرجت.

الباب قفل وراها.

وقفت في الممر ثواني.

بصت للفنجان اللي في إيدها.

وبعدين للباب.

وهمست لنفسها:

— أنا اتقفشت بسرق قهوة من أدهم الكيلاني وهو بيرقص…

وسكتت.

— وماتطردتش.

هزت راسها.

— يا بنتي إنتِ عندك حظ مش طبيعي.

لكن الحقيقة…

إن الحظ كان لسه بيبدأ.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى