حفله رجال الأعمال حكايات اسما السيد 2

ساد الصمت في القاعة.
صمت ثقيل…
لدرجة إن صوت خطوات هند وهي بتتقدم ناحية المنصة كان مسموع.
من دقائق بس…
كان كريم واقف وسط رجال الأعمال، رافع راسه، ومبسوط إن نادين متعلقة في دراعه.
دلوقتي؟
إيده كانت ساقعة.
ووشه فقد لونه.
نادين قربت منه وهمست:
— كريم… هي هند تبقى بنت ظافر السيوفي بجد؟
ما ردش.
لأنه هو نفسه كان عايز حد يقوله إن اللي قدامه مجرد تشابه أسماء.
لكن ظافر السيوفي كان واقف جنبها.
ورئيس مجموعة أوريون بنفسه كان بيقدم لها الميكروفون.
أمسكته هند.
بصت للحضور.
ثم قالت بهدوء:
— مساء الخير.
صفق الحضور.
أكملت:
— كنت بعيدة عن عالم الأعمال فترة… باختياري.
وقفت لحظة.
عينها مرت على كريم.
لكنه لم يستطع حتى يثبت نظره فيها.
— ويمكن البُعد خلاني أفهم حاجة مهمة… إن الإنسان ممكن يتنازل عن منصب، أو شغل، أو حتى اسم مشهور… لكن أكبر غلطة يعملها إنه يتنازل عن كرامته علشان يرضي حد.
تغير وجه كريم.
نادين همست:
— هي تقصدك؟
التفت لها بعصبية:
— اسكتي!
واصلت هند:
— اعتبارًا من النهارده، مجموعة السيوفي للاستثمار أصبحت المالك لأكبر حصة استثمارية في مجموعة أوريون.
ضجت القاعة بالتصفيق.
ثم قال رئيس الشركة:
— والأهم…
رفع يده طالبًا الهدوء.
— مجلس الإدارة وافق بالإجماع على تعيين ممثل مجموعة السيوفي في المجلس الجديد.
ابتسم ناحية هند.
— السيدة هند السيوفي.
اتسعت عينا كريم.
— إيه؟!
سمعه الرجل الواقف بجانبه.
فنظر إليه باستغراب.
لكن كريم لم يهتم.
مشروعه!
الشركة اللي شغال فيها!
الترقية اللي كان مستنيها!
كلها أصبحت مرتبطة بمجلس إدارة تجلس فيه هند.
نادين أمسكت بذراعه.
— كريم… إنت قلتلي إن مراتك ست بيت!
نظر إليها بحدة.
— وأنا أعرف منين؟!
وصل صوته إلى هند.
سمعته.
لكنها لم تلتفت.
أنهت كلمتها وسط التصفيق، ونزلت من المنصة.
وهنا…
تحرك كريم.
— هند!
توقفت.
كل العيون اتجهت له.
اقترب منها بسرعة.
— ممكن نتكلم؟
نظرت إليه بهدوء.
— بنتكلم في إيه؟
— لوحدنا.
— ليه؟
بلع ريقه.
— علشان إنتِ مراتي.
لأول مرة…
ظهرت ابتسامة صغيرة على وجه هند.
— افتكرت؟
سكت كريم.
قالت:
— من ساعة كنت بتقول إني ما أنفعش أقف وسط الناس دي.
بدأت الهمسات تنتشر حولهم.
حاول كريم يبتسم.
— هند، بلاش نعمل مشهد قدام الناس.
ردت بهدوء:
— أنا ما عملتش أي مشهد يا كريم… أنا جيت حفلة شغل.
وأشار بعينيه ناحية نادين.
— وهي؟
التفتت هند إليها.
نادين كانت واقفة مكانها، لا تعرف ماذا تفعل.
قال كريم بسرعة:
— نادين مجرد زميلة.
رفعت نادين حاجبيها.
— زميلة؟!
التفت إليها كريم.
— نادين، مش وقته.
ضحكت بصدمة.
— من عشر دقايق كنت هتعلن إني شريكة حياتك!
سكتت القاعة القريبة منهم تمامًا.
نظر ظافر إلى كريم.
تغيرت ملامحه.
— شريكة حياتك؟
قال كريم بسرعة:
— حضرتك فاهم غلط.
لكن هند رفعت يدها.
— سيبه يا بابا.
ثم نظرت إلى نادين.
— كملي.
تراجعت نادين خطوة.
— أنا…
— مش كنتِ بتقولي قبل ما تمشوا إنك ممكن ترجعيهولي… لو حب يرجع أصلًا؟
فتح كريم عينيه.
— نادين قالتلك كده؟
نظرت له هند.
— الفرق بيني وبينك يا كريم… إني مش محتاجة أكذب علشان أنقذ نفسي.
اقترب منها وهمس:
— هند، أنا غلطت.
— لأ.
— اسمعيني.
— إنت ما غلطتش الليلة بس.
سكت.
اقتربت خطوة.
— إنت بقالك تلات سنين بتعلمني إني أقل منك.
خفض عينيه.
— خليتني أبعد عن أهلي.
— كنت بحاول أبني نفسي بعيد عن اسم والدك.
— خليتني أسيب شغلي.
— علشان البيت.
— خليتني أخبي اسم عيلتي.
— هند…
قاطعتْه:
— وكل ده عملته علشان كنت بحبك.
ثم نظرت إلى نادين.
— لكن إنك تجيب واحدة تانية قدامي، وتمسك إيدها، وتقول إن هي اللي تليق بيك وأنا لأ…
سكتت لحظة.
ثم قالت:
— دي مش غلطة يا كريم.
رفعت عينيها إليه.
— دي حقيقتك.
استدار كريم ناحية ظافر.
— يا أستاذ ظافر، أنا—
قاطعه ظافر ببرود:
— ما تكلمنيش.
— حضرتك لازم تسمعني.
— أنا مش زوج هند.
وأشار إلى ابنته.
— اللي ظلمتها هي… واللي تقرر تسمعك أو لأ هي.
نظر كريم إليها.
— هند… نروح البيت ونتفاهم.
مدت يدها إلى حقيبتها.
وأخرجت شيئًا صغيرًا.
وضعته في كفه.
فتح يده.
الدبلة.
تجمد.
قالت:
— البيت؟
ابتسمت بألم.
— البيت اللي من ساعة قلتلي لو خرجتي منه ما ترجعيش؟
— أنا كنت متعصب.
— وأنا رجعت بيتي فعلًا.
نظر حوله بتوتر.
— يعني إيه؟
— يعني بيت أبويا.
ثم استدارت.
لكن كريم أمسك ذراعها.
— هند!
في ثانية…
وقف ظافر أمامه.
— إيدك.
ترك كريم ذراعها فورًا.
قالت هند:
— ما تلمسنيش تاني.
ثم مشت.
لكن قبل ما تبتعد…
جاء صوت من خلفهم.
— أستاذ كريم.
التفت.
كان رئيس مجموعة أوريون.
اقترب منه بملامح صارمة.
— كنت عايز تعلن حاجة الليلة، صح؟
فتح كريم فمه.
نظر إلى نادين.
ثم إلى هند.
— لأ… خلاص.
قال الرجل:
— ممتاز.
تنفس كريم براحة.
لكن الرجل أكمل:
— لأن عندنا إحنا كمان كلام معاك.
تجمد.
— بخصوص إيه؟
— المشروع الجديد اللي حضرتك مسؤول عنه.
اقترب كريم.
— ماله المشروع؟
فتح رئيس الشركة ملفًا كان يحمله مساعده.
— المراجعة المالية الأولية فيها أرقام محتاجة تفسير.
شحب وجه كريم.
هند توقفت.
التفتت ببطء.
قال كريم:
— أرقام إيه؟
— تحويلات مالية من ميزانية المشروع لشركة استشارات خارجية.
ابتلع كريم ريقه.
— دي مصاريف طبيعية.
— ممكن.
رفع الرجل الملف.
— لكن الغريب إن الشركة دي اتأسست من سبع شهور.
ثم نظر ناحية نادين.
— ومديرتها المسجلة رسميًا…
صمت لحظة.
— الآنسة نادين.
شهقت هند.
أما نادين…
فقد تغير لون وجهها.
نظر كريم إليها بجنون.
— إنتِ قلتي إن اسمك مش ظاهر في الورق!
خرجت الجملة منه قبل أن يفكر.
سقط الصمت.
نظر الجميع إليه.
نادين شهقت:
— كريم!
وأدرك كريم في اللحظة نفسها…
ما الذي قاله.
رفع رئيس الشركة حاجبه.
— يعني حضرتك كنت عارف؟
— لأ… أنا قصدي…
اقتربت هند منه.
هذه المرة لم يكن في عينيها وجع.
كان فيهما شيء أخطر.
تركيز امرأة عاشت عمرها وسط رجال الأعمال وعرفت كيف تقرأ الخوف.
قالت:
— كام يا كريم؟
— إيه؟
— كام جنيه اتحولوا للشركة دي؟
— هند، الموضوع مالكيش دعوة بيه.
ابتسم رئيس الشركة.
— بالعكس.
ثم ناول الملف لها.
— من النهارده… الموضوع كله ليها دعوة بيه.
فتحت هند الصفحة الأولى.
قرأت الرقم.
وتوقفت.
رفعت عينيها إلى كريم.
— اتناشر مليون؟
نادين تراجعت.
كريم قال بسرعة:
— أقدر أشرح.
قلبت هند الصفحة.
ثم الصفحة التالية.
وفجأة…
تجمدت أصابعها.
كان هناك مستند يحمل توقيعًا.
توقيع تعرفه جيدًا.
هند العابد.
رفعت رأسها ببطء.
— ده توقيعي.
قال كريم:
— هند…
— أنا عمري ما مضيت الورقة دي.
اقترب ظافر وأخذ نسخة المستند.
قرأها.
وتحول وجهه إلى غضب.
— ضمان شخصي؟
نظرت هند لأبيها.
قال ظافر:
— الورقة دي بتقول إنك ضامنة جزء من التزامات الشركة.
هزت رأسها بعنف.
— مستحيل.
نظر الجميع إلى كريم.
بدأ العرق يظهر على جبينه.
قال:
— أكيد حصل خطأ إداري.
هند لم ترد.
أخرجت هاتفها.
فتحت الكاميرا.
وصورت المستند.
ثم أعادت الملف لرئيس الشركة.
— من فضلك… محدش يلمس أصل الورقة.
قال كريم بتوتر:
— هند، إنتِ بتكبري الموضوع.
نظرت إليه.
— لأ.
ثم رفعت الهاتف أمامه.
— أنا لأول مرة بس… بطلت أصغّره.
اقترب ظافر من ابنته.
— نمشي.
هزت رأسها.
ثم نظرت إلى كريم للمرة الأخيرة.
— كنت فاكر إن أسوأ حاجة هتحصل لك الليلة إني أدخل بالفستان الأحمر وأحرجك قدام الناس؟
لم يجب.
قالت بهدوء:
— لأ يا كريم.
أشارت إلى الملف.
— أسوأ حاجة حصلت لك…
ثم نظرت مباشرة في عينيه.
— إني شفت الورقة دي.
خرجت هند مع والدها.
وبقي كريم واقفًا وسط القاعة.
وحيدًا.
حتى نادين بدأت تبتعد عنه.
أمسك يدها.
— رايحة فين؟
نزعت يدها بعنف.
— بعيد عنك!
— الشركة باسمك!
— وإنت اللي قلتلي نفتحها!
صرخ:
— وطي صوتك!
لكن الوقت كان قد فات.
الكلمات وصلت إلى أكثر من شخص.
وفي السيارة…
كانت هند جالسة بجوار أبيها.
تنظر إلى صورة المستند على هاتفها.
كبّرت التوقيع.
ثم همست:
— بابا…
— نعم؟
— التوقيع قريب جدًا من توقيعي.
— هنعمله فحص.
هزت رأسها.
لكنها ظلت تحدق في الورقة.
وفجأة…
تذكرت شيئًا.
من سنة تقريبًا…
دخل عليها كريم البيت ومعه مجموعة أوراق.
وقال لها:
— امضي هنا وهنا… دي أوراق تأمين البيت.
كانت تثق فيه.
فوقعت دون أن تقرأ.
رفعت هند رأسها فجأة.
— يا نهار أبيض.
— في إيه؟
وضعت يدها على فمها.
— أنا يمكن أكون مضيت فعلًا.
نظر إليها والدها.
— على الورقة دي؟
هزت رأسها ببطء.
— مش عارفة.
ثم نظرت إليه بخوف.
— كريم كان بيجيبلي ورق أبيض وسط المستندات أحيانًا ويقولي إمضي بسرعة.
ساد الصمت.
أخرج ظافر هاتفه.
اتصل بمحاميه.
— عايزك عندي خلال نص ساعة.
ثم نظر إلى ابنته.
— من اللحظة دي… مفيش ورقة باسمك هتفضل من غير ما نعرف وصلت لمين وليه.
لكن هند لم تكن تسمعه.
لأن رسالة وصلت إلى هاتفها القديم.
من رقم مجهول.
فتحتها.
كانت صورة.
صورة كريم…
وهو داخل أحد البنوك مع نادين منذ أربعة أشهر.
وتحت الصورة جملة واحدة:
“لو عايزة تعرفي جوزك عمل إيه باسمك خلال التلات سنين اللي فاتوا… دوري على الخزنة رقم 317.”
حدقت هند في الشاشة.
ثم رفعت عينيها إلى أبيها.
— بابا…
— مالك؟
ناولته الهاتف.
قرأ الرسالة.
وتغير وجهه.
لأن اسم البنك الظاهر في الصورة…
كان البنك نفسه الذي تحتفظ فيه عائلة السيوفي بأهم مستنداتها.
لكن السؤال الأخطر كان:
مين اللي بعت الرسالة لهند؟
وإيه اللي موجود جوه الخزنة 317…
لدرجة إن كريم كان مستعد يخاطر بجوازه ومستقبله علشان يخبيه؟
يتبع…



