الراجل الغامض بسلامته حكايات اسما السيد 2

بعد أسبوعين…
بقى في حاجة غريبة بتحصل كل صباح في الدور التالت والأربعين.
حاجة محدش في الشركة يعرف عنها حاجة.
الساعة سبعة ونص تقريبًا…
ميار تخبط تلات خبطات.
تك.
تك.
تك.
وبعد ثانيتين ييجي صوت أدهم من جوه:
— ادخلي.
في الأول، كانت بتدخل ومعاها اللابتوب والملفات.
بعد كام يوم، بقت تدخل ومعاها قهوتين.
وبعد أسبوع…
بقى فيه فطار بسيط بيتحط تلقائيًا على الترابيزة.
أدهم في الأول كان بيقول:
— مش باكل الصبح.
وبعدين بقى ياكل من غير ما يتكلم.
ميار ماعلقتش.
مرة واحدة بس قالت له وهي بتزق طبق ناحيته:
— خُد.
رفع عينه.
— إيه ده؟
— سندوتش.
— شايف.
— كل.
— إنتِ بتأمري رئيس مجلس الإدارة؟
— بأمنع رئيس مجلس الإدارة من الإغماء في اجتماع مهم.
— عمري ما أغمي عليا.
— لأن محدش كان بيجيبلك فطار قبلي.
فضل باصص لها ثانيتين.
وبعدين أخد السندوتش.
قالت وهي تفتح اللابتوب:
— شاطر.
أدهم وقف المضغ.
— ميار.
ضحكت.
— خلاص، آسفة.
لكنها ماكانتوش ة الوحيدة اللي اتغيرت.
المشكلة إن أدهم نفسه بدأ يتغير.
ببطء.
بشكل محدش يقدر يمسكه بإيده.
لكن الكل حاسه.
مرة، مدير دخل اجتماع متأخر دقيقتين.
كل الموظفين توقعوا إن أدهم يقطعه بنظرة.
لكن أدهم قال:
— اقعد.
وخلاص.
في يوم تاني، موظفة صغيرة وقعت منها الملفات قدامه.
قبل كده، كان هيكمل طريقه.
المرة دي…
وقف.
ساعدها تلم ورقة وقعت تحت الترابيزة.
الموظفة فضلت واقفة بعد ما مشي كأنها شافت معجزة.
لكن أكبر صدمة حصلت يوم الخميس.
كان اجتماع الشراكة متوتر جدًا.
واحد من المديرين قال جملة غبية لدرجة إن يارا، اللي كانت قاعدة آخر الطاولة، غمضت عينيها من الإحراج.
ميار حاولت تمسك نفسها.
لكن خرج منها صوت ضحكة صغيرة.
مديرها بص لها بتحذير.
أدهم لف ناحيتها.
ميار غطت بوقها.
— آسفة.
أدهم حاول يكمل الاجتماع.
فشل.
زاوية فمه اتحركت.
بعد ثانيتين…
ضحك.
مش ابتسامة.
ضحكة حقيقية.
قصيرة.
بس واضحة.
غرفة الاجتماعات كلها .
واحد من المديرين فتح بوقه.
يارا بصت لميار كأنها بتقول:
“إنتِ عملتي إيه في الراجل؟”
أدهم استوعب إن الكل باصص له.
رجع لوشه الطبيعي فورًا.
— نكمل؟
الجميع هز راسه في نفس اللحظة.
ميار بصت للورق علشان ما تضحكش.
لكنها كانت حاسة بنظرته عليها.
بعد الاجتماع، يارا سحبتها من دراعها أول ما خرجوا.
— تعالي هنا.
— في إيه؟
— إنتِ ساحرة؟
— نعم؟
— أدهم الكيلاني ضحك.
— طبيعي.
يارا فتحت عينيها.
— طبيعي إيه؟ ده الراجل لو وقع عليه إعلان كوميدي مش هيضحك.
ميار هزت كتفها.
— يمكن المدير كان مضحك فعلًا.
يارا قربت منها.
— لأ.
— لأ إيه؟
— هو بصلك الأول.
ميار سكتت.
— ما تخترعيش.
— أنا ماخترعتش. أنا شفت.
— إنتِ بتكبري الموضوع.
يارا بصتلها نظرة طويلة.
— ميار…
— نعم؟
— إنتِ وهو فيه بينكم إيه؟
ردت بسرعة زيادة عن اللزوم:
— شغل.
يارا ابتسمت.
— ماشي.
— بجد.
— ماشي يا شغل.
مشت.
ميار فضلت واقفة مكانها.
مستفزة.
لأنها كانت تعرف إن يارا غلط.
طبعًا غلط.
هي وأدهم بينهم شغل.
بس.
مش أكتر.
حتى لو هو بقى يعرف إنها بتحب القهوة من غير سكر.
حتى لو هي عرفت إنه بيكره الاجتماعات اللي بعد الساعة أربعة.
حتى لو بقت تعرف إنه لما يضايق، يلف القلم بين صوابعه مرتين.
ولما يعجبه اقتراح…
يسكت قبله ثلاث ثواني.
حتى لو بقى كل صباح يسألها:
— نمتي كويس؟
وكأن السؤال عادي.
وكأن مفيش رئيس مجلس إدارة في الدنيا بيسأل موظفة بالشكل ده.
أكيد شغل.
بس.
المشكلة إن أدهم…
ماكنش مقتنع بالكلام ده خالص.
الساعة كانت سبعة إلا ربع مساءً.
الشركة بدأت تفضى.
ميار كانت قاعدة في مكتبها بتراجع عرض آخر.
سمعت صوت رسالة.
فتحت الموبايل.
رقم داخلي.
“مكتبي.”
بس.
بصت للشاشة.
ولا “من فضلك”.
ولا “تعالي”.
ولا حتى اسم.
قالت لنفسها:
— رومانسي جدًا يا أدهم.
قامت.
لما وصلت مكتبه، السكرتيرة كانت مشيت.
خبطت.
— ادخلي.
دخلت.
أدهم كان واقف جنب الشباك.
جاكيته مرمي على الكنبة.
الكرافتة مفكوكة.
في إيده ملف.
قال:
— اقفلي الباب.
قفلت.
— خير؟
ناولها الملف.
— شوفي الصفحة 12.
قعدت.
فتحت.
قرأتها.
بعدين قالت:
— الرقم غلط.
— عارف.
— نسبة النمو محسوبة على ربع سنة بدل سنة كاملة.
— عارف.
بصت له.
— جبتني ليه طالما عارف؟
سكت.
دي كانت أول مرة تحس إنه…
ما عندوش إجابة جاهزة.
قال أخيرًا:
— كنت عايز رأيك في باقي العرض.
— بعتلي كنت قريته.
— كنتِ لسه هنا.
— ما أنا دايمًا هنا.
— مش دايمًا.
ميار رفعت حاجبها.
— إيه؟
أدهم رجع بصلها.
— ولا حاجة.
قعد قدامها.
بدأوا يراجعوا الملف.
مرت عشرين دقيقة.
وبعدين أربعين.
وبعد ساعة…
ميار قفلت اللابتوب.
— كفاية.
— لسه.
— لأ.
— في جزئين.
— بكرة.
أدهم بص للساعة.
كانت تمنية إلا عشرة.
قال:
— عندي سواق يوصلك.
— لأ، هاخد أوبر.
— السواق موجود.
— أدهم…
اتجمدت.
هي نفسها اتصدمت.
أول مرة تناديه باسمه من غير “أستاذ” أو “يا فندم”.
الصمت نزل بينهم.
أدهم رفع عينه ببطء.
ميار حسّت خدودها سخنت.
— أقصد… أستاذ أدهم.
قال بهدوء:
— قوليها تاني.
— إيه؟
— اسمي.
ميار ضحكت بتوتر.
— هو إحنا في امتحان نطق؟
— ميار.
— نعم؟
— قولي اسمي.
سكتت.
عينيه ثابتة فيها.
قالت أخيرًا:
— أدهم.
شيء في ملامحه اتغير.
مش ابتسامة.
أهدى.
أقرب.
قال:
— أحسن.
قلبها ة غبية.
قامت بسرعة.
— أنا همشي.
وقف هو كمان.
— السواق هيوصلك.
— مش لازم.
— لازم.
— ليه؟
رد بلا تردد:
— الساعة متأخرة.
— أنا برجع لوحدي عادي.
— عارف.
— أمال؟
صمته طال.
وبعدين قال:
— علشان أبقى مرتاح.
ميار ثبتت عينيها فيه.
لأول مرة…
مفيش هزار.
مفيش شغل.
مفيش اجتماع.
بس جملة بسيطة.
“علشان أبقى مرتاح.”
قالت بهدوء:
— حاضر.
أدهم ضغط زر الاتصال الداخلي.
— العربية تحت.
ميار أخدت شنطتها.
قبل ما تخرج، قالت:
— تصبح على خير.
رد:
— وإنتِ من أهله.
قفلت الباب.
أدهم رجع للشباك.
وبص للقاهرة تحت.
نفس المدينة.
نفس الأنوار.
نفس المكتب.
لكن حاجة فيه كانت مش نفسها.
وهو كان عارف.
وده اللي كان مقلقه.
تاني يوم…
ميار ماجتش.
الساعة 7:30.
أدهم كان في اللاونج.
مستني.
7:32.
ولا خبط.
7:40.
رفع الموبايل.
فتح الإيميل.
مفيش حاجة.
7:47.
كوباية القهوة بردت.
الساعة 8:05…
دخلت السكرتيرة.
— صباح الخير يا فندم.
— صباح النور.
— اجتماعكم الأول تسعة.
— عارف.
سكت لحظة.
— قسم الشراكات بدأ؟
— أظن آه.
أدهم رفع عينه.
— ميار جمال وصلت؟
السكرتيرة رمشت.
— مش عارفة يا فندم.
قال بسرعة:
— خلاص.
لكن بعد أقل من خمس دقايق…
كان بيتصل بمديرها.
— صباح الخير.
— صباح النور يا فندم.
— ميار في المكتب؟
سكت الرجل ثانية.
— لأ يا فندم.
أدهم اتعدل.
— ليه؟
— باعتة الصبح إنها تعبانة شوية.
صمت.
— تعبانة إزاي؟
— قالت حرارة وإرهاق.
— أخدت إجازة؟
— أيوه.
— تمام.
قفل.
فضل ماسك الموبايل.
بص للشاشة.
عرف إنها مش جاية.
المفروض يكمل يومه.
اجتماعات.
توقيعات.
عروض.
لكن الساعة تسعة ونص…
دخل المدير المالي مكتبه وقال:
— بالنسبة للعرض…
أدهم قاطعه:
— أعد السؤال.
الرجل اتلخبط.
— أنا لسه ما سألتش.
أدهم سكت.
— كمل.
بعد عشرين دقيقة، السكرتيرة دخلت بملفين.
— تحب أطلب لحضرتك غدا؟
— لأ.
— حضرتك ماكلتش من الصبح.
نظر للساعة.
اتذكر ميار وهي بتحط السندوتش قدامه وتقول:
“كل.”
ضاق صدره.
— بعدين.
الساعة واحدة…
فتح محادثة العمل الخاصة بميار.
كتب:
“عاملة إيه؟”
مسحه.
كتب:
“هل تحتاجين شيئًا يتعلق بالعمل؟”
بص للجملة.
مسحها.
كتب:
“سلامتك.”
فضلت الجملة قدامه.
بعت.
بعد دقيقة…
علامة القراءة ظهرت.
ردت:
“الله يسلمك.”
وبعدين…
“متقوليش إنك أكلت من غيري.”
أدهم فضل باصص للموبايل.
ابتسم من غير ما يحس.
كتب:
“إنتِ تعبانة وده اللي شاغلك؟”
ردت:
“أيوه. الإدارة مسؤولية.”
كتب:
“نامي.”
ردت:
“حاضر يا بابا.”
أدهم رفع حاجبه.
كتب:
“ميار.”
ظهر إنها بتكتب.
“خفت أهو. تصبح على خير.”
بص للساعة.
الساعة واحدة الظهر.
كتب:
“الساعة واحدة.”
جاء الرد:
“أنا عندي حرارة. الزمن نسبي.”
ضحك.
لوحده.
في مكتبه.
وبعدين استوعب.
وقف الضحك.
حط الموبايل على المكتب.
لكن بعد ثانيتين…
أخده تاني.
وكتب:
“لو احتجتي حاجة قولي.”
الميار شافت الرسالة.
المرة دي ما ردتش بهزار.
كتبت:
“شكرًا يا أدهم.”
قرا اسمه.
مرة.
وبعدين مرة تانية.
وساب الموبايل قدامه باقي اليوم.
اليوم اللي بعده…
ميار برضه ماجتش.
أدهم ما سألش مديرها.
قال لنفسه مش هيسأل.
بس الساعة عشرة…
بعت لها:
“أحسن؟”
جاء الرد بعد عشر دقايق:
“شوية.”
“روحتي لدكتور؟”
“لا.”
أدهم كتب فورًا:
“ليه؟”
“مجرد برد.”
“إنتِ دكتورة؟”
“لا.”
“إذن روحي.”
ميار ردت:
“أوامر؟”
كتب:
“اقتراح.”
“كذاب.”
فضل باصص للشاشة.
وبعدين رد:
“روحي.”
“حاضر.”
بعد ساعة…
بعتت صورة روشتة بدون أي تعليق.
أدهم قرأها.
“تمام.”
ردت:
“مبسوط؟”
“آه.”
“غريب.”
“إيه الغريب؟”
“إن أبرد رجل أعمال في مصر طلع بيقلق.”
صوابعه وقفت فوق الشاشة.
كتب:
“ما بقلقش.”
الرد جه بسرعة:
“طبعًا.”
“بتسخري؟”
“وأنا أقدر؟”
أدهم عرف إنها بتضحك من ورا الشاشة.
وكره إنه ما يشوفهاش وهي بتضحك.
ودي كانت المشكلة.
في اليوم الثالث…
الساعة 7:26 صباحًا…
أدهم كان واقف في اللاونج.
مش عارف ليه وصل بدري.
ولا ليه طلب قهوتين.
ولا ليه كان باصص للباب كل شوية.
7:29.
خبط.
تك.
تك.
تك.
لف بسرعة.
الباب اتفتح.
ميار دخلت.
وشها لسه مرهق شوية.
شعرها مربوط ببساطة.
لابسة قميص أبيض واسع وبنطلون أسود.
من غير مكياج تقريبًا.
لكن أول ما شافها…
حاجة جواه هديت.
قال ببرود حاول يخليه طبيعي:
— رجعتي.
وقفت.
— واضح.
بص لها من فوق لتحت.
— لسه تعبانة.
— أحسن.
— كان ممكن تاخدي يوم كمان.
— افتقدت القهوة.
أدهم نظر لها.
— القهوة؟
ابتسمت.
— والشغل.
— بس؟
اتقالت الكلمة قبل ما يفكر.
ميار رفعت حاجبها.
— بس إيه؟
أدهم رجع لوشه الطبيعي.
— ولا حاجة.
اتجهت للترابيزة.
شافت كوبين.
وقفت.
بصت للكوب بتاعها.
— ده ليا؟
— آه.
شالته.
شمته.
شربت رشفة.
وبعدين عينيها اتسعت.
— من غير سكر.
— إنتِ بتشربيها كده.
بصت له.
— فاكر؟
أدهم فتح ملف.
— مش موضوع صعب.
ابتسمت.
— ماشي.
قعدت.
بعد عشر دقايق شغل، كحت.
أدهم رفع عينه فورًا.
— إنتِ كويسة؟
— آه.
— متأكدة؟
— أدهم.
— نعم؟
— أنا بردانة، مش بموت.
سكت.
رجع للملف.
بعد دقيقة…
قام.
خفض التكييف.
ميار لاحظت.
ابتسمت.
ماقالتش حاجة.
وده كان أسوأ.
لأن أدهم كان عارف إنها لاحظت.
بعد أسبوع…
حصلت أول مشكلة حقيقية.
والسبب كان راجل اسمه رامي شرف.
مدير تطوير أعمال في شركة منافسة.
رامي كان ذكي.
ناجح.
وسيم بطريقة عارفها كويس.
دخل الشركة علشان اجتماع تعاون محتمل.
أول ما شاف ميار…
ابتسم.
— ميار جمال؟
هي بصت له.
— رامي؟
ضحك.
— أخيرًا.
قرب وسلم عليها بحرارة.
— إنتِ اختفيتي بعد الجامعة.
— إنت اللي سافرت.
— رجعت.
— واضح.
يارا كانت واقفة جنب ميار.
بصت بينهم.
— تعرفوا بعض؟
رامي قال:
— كنا في نفس الدفعة.
ميار أضافت:
— وكان أكتر شخص مستفز فيها.
رامي حط إيده على قلبه.
— وأنتِ كنتِ أكتر شخص بيكسبني في كل مناظرة.
— كنت بتخسر لوحدك.
ضحكوا.
وفي نفس اللحظة…
باب الأسانسير اتفتح.
أدهم خرج.
كان بيتكلم مع مدير.
رفع عينه.
شافهم.
ميار بتضحك.
رامي قريب منها.
قريب زيادة في رأيه.
ملامح أدهم ما اتغيرتش.
لكنه وقف لحظة.
المدير اللي معاه قال:
— يا فندم؟
أدهم كمل مشي.
دخل غرفة الاجتماعات.
بعد خمس دقايق…
ميار دخلت مع رامي والفريق.
أدهم كان قاعد في رأس الطاولة.
رامي مد إيده.
— أستاذ أدهم، سعيد جدًا بلقائك.
صافحه أدهم.
— أهلًا.
رامي قعد.
وميـار قعدت قدامه.
الاجتماع بدأ.
رامي كان محترف.
لكن كل شوية…
يرمي تعليق لميار.
— فاكرة المشروع بتاع الجامعة؟
أو:
— ميار أكيد هتختلف معايا في النقطة دي، زي عادتها.
وهي ترد.
وتضحك.
وأدهم ساكت.
لكن القلم في إيده…
بيلف.
مرة.
اتنين.
مرة.
اتنين.
ميار لاحظت.
“مضايق.”
بس ليه؟
في نهاية الاجتماع، رامي وقف.
— ميار، عندك وقت نتغدى؟
قبل ما ترد…
صوت أدهم جه بارد:
— عندها اجتماع.
ميار لفت له.
— عندي؟
أدهم بص لها.
— آه.
رامي ابتسم.
— نخليها بعد الشغل إذن؟
ميار فتحت بوقها.
أدهم قال:
— جدولها النهارده كامل.
الصمت وقع.
يارا بصت للأرض علشان تخبي تعبير وشها.
رامي رفع حاجبه.
— تمام. نخليها وقت تاني.
بص لميار.
— كلميني.
خرج.
بعد ما الباب اتقفل…
ميار بصت لأدهم.
— ممكن أعرف الاجتماع اللي عندي؟
قال وهو بيجمع الورق:
— هنراجع العرض.
— راجعناه امبارح.
— هنراجعه تاني.
— ليه؟
— علشان فيه تعديلات.
— إيه هي؟
— هقولك.
يارا خرجت بسرعة.
كل المديرين خرجوا.
ميار فضلت.
الباب اتقفل.
قالت:
— أدهم.
— نعم؟
— في إيه؟
— مفيش.
— لأ، فيه.
— عندنا شغل.
— مفيش شغل يستدعي تمنعني أتغدى مع حد.
رفع عينه.
— أنا ما منعتكيش.
— قلت قدامه إن جدولي كامل.
— وهو كامل.
— بإيه؟
سكت.
ميار قربت من الترابيزة.
— إنت مضايق ليه؟
— مش مضايق.
بصت للقلم في إيده.
— لفيته عشرين مرة في الاجتماع.
إيده ثبتت.
— إيه؟
— القلم.
نظر له.
ميار ابتسمت.
— لما بتتضايق بتلفه مرتين.
أدهم حط القلم.
— مركزة زيادة.
— عيب؟
— أحيانًا.
سكتت.
وبعدين قالت:
— رامي صاحبي قديم.
أدهم رد بسرعة:
— ما سألتش.
ميار ابتسامتها وسعت.
— عارف.
— إذن؟
— بحب أوضح.
— مفيش حاجة تتوضح.
— جميل.
مسكت شنطتها.
— يبقى هقوله نتغدى بكرة.
أدهم رفع عينه.
— بكرة عندنا اجتماع.
— بعده.
— عندك تقرير.
— بعده.
— ميار.
وقفت.
— نعم؟
أدهم سكت.
هو نفسه سمع شكل الحوار.
وشاف الحقيقة واقفة قدامه.
وماحبهاش.
قال ببطء:
— اعملي اللي إنتِ عايزاه.
ابتسامتها اختفت شوية.
— ما أنا بعمل.
لفت ناحية الباب.
وقبل ما تخرج…
قال:
— هو كان مرتبط بيكي؟
وقفت.
اتلفتت.
أدهم وشه كان جامد.
كأنه سأل عن سعر سهم.
ميار ضحكت.
— آه.
ملامحه اتصلبت.
قالت:
— في خياله.
أدهم رمش.
— يعني؟
— كان معجب بيا في الجامعة. وأنا لأ.
الصمت.
قال:
— تمام.
ميار ضيقت عينيها.
— تمام قوي كده ليه؟
— عادي.
— طبعًا.
مشت.
فتحت الباب.
سمعت صوته:
— ميار.
— نعم؟
— العرض الساعة سبعة ونص بكرة.
ضحكت.
— حاضر.
خرجت.
وأدهم فضل واقف مكانه.
بعد ثواني…
بص للقلم.
لفه بين صوابعه مرة.
اتنين.
ورماه على الترابيزة بعصبية.
تاني يوم الصبح…
ميار دخلت اللاونج.
موسيقى هادية شغالة.
أدهم واقف عند الشباك.
قالت:
— صباح الخير.
— صباح النور.
حطت شنطتها.
— فين قهوتي؟
أشار للكوب.
أخدته.
سكتوا.
بعد شوية…
قالت:
— أنت غيور.
أدهم رفع عينه ببطء.
— إيه؟
— غيور.
— لأ.
— آه.
— ميار.
— أدهم.
— ما تلعبيش اللعبة دي.
— أي لعبة؟
— الاستفزاز.
— يبقى اعترف.
ضحك بسخرية قصيرة.
— أعترف بإيه؟
— إن رامي ضايقك.
— وجوده ما يفرقليش.
— كذاب.
وقف.
اقترب خطوة.
— خلي بالك من كلامك.
ميار ما اتحركتش.
— ليه؟
خطوة تانية.
المسافة بينهم بقت صغيرة.
قال بصوت واطي:
— لأنك مش عارفة إنتِ بتقولي إيه.
نظرت في عينيه.
— عارفة.
— لأ.
— عارفة إنك كنت مضايق لما قرب مني.
فكه شد.
قال:
— وماذا لو كنت؟
اتغير الهواء بينهم.
ميار ما توقعتش الرد.
ولا هو.
سكتت.
أدهم قرب أكتر.
— ها؟
نبضها زاد.
قالت بصوت أهدى:
— يبقى عايزة أعرف ليه.
أدهم فضل باصص لها.
لثواني طويلة.
كان ممكن يقول.
كان ممكن يفتح الباب اللي قافله بقاله سنين.
لكنه رجع خطوة.
— علشان التركيز في الشغل.
ميار ضحكت بخفة.
لكن الضحكة المرة دي ماكانتش سعيدة.
— صح.
أدهم حسها.
قال:
— ميار…
— نبدأ الشغل؟
فتحت اللابتوب.
الحاجز رجع.
هو اللي بناه.
وهو أول واحد اتضايق منه.
في نفس اليوم…
بعد الظهر…
ميار نزلت مع رامي تتغدى.
وأدهم عرف.
مش لأنه سأل.
لكن لأنه شافهم من مكتبه.
رامي فتح لها باب العربية.
هي ركبت.
أدهم وقف قدام الشباك.
إيديه في جيوبه.
المدينة كلها تحته.
لكن عينيه على عربية واحدة وهي بتبعد.
دخلت السكرتيرة.
— يا فندم؟
ما ردش.
— أستاذ أدهم؟
لف.
— نعم؟
— الاجتماع بعد عشر دقايق.
— ألغيه.
— حضرتك؟
— ألغيه.
— حاضر.
خرجت.
أدهم رجع للشباك.
وكان لأول مرة في حياته…
بيكره إحساس ما يقدرش يتحكم فيه.
ميار رجعت الساعة تلاتة ونص.
أول ما دخلت القسم…
يارا قالت:
— المدير الكبير سأل عليكي.
ميار وقفت.
— مين؟
يارا بصتلها.
— هو عندنا كام مدير كبير بيخوف الناس وهو ساكت؟
— أدهم؟
— بعينه.
— قال إيه؟
— سأل “ميار رجعت؟”
— وبعدين؟
— ولا حاجة.
ميار حاولت تتصرف طبيعي.
— عادي.
يارا قربت.
— عادي؟
— شغل.
يارا انفجرت ضحك.
— لو قلتي “شغل” تاني هضربك.
في اللحظة دي…
الموبايل رن.
رقم أدهم.
ميار بصت ليارا.
يارا أشارت لها:
— روحي لشغلك.
ميار ردت:
— ألو؟
صوته:
— مكتبي.
— حاضر.
طلعت.
لما دخلت…
أدهم كان واقف.
قال من غير مقدمات:
— الغدا كان كويس؟
ميار اتفاجئت.
— جدًا.
— تمام.
— ده اللي طلبتني عشانه؟
— لأ.
ناولها ملف.
أخدته.
— إيه ده؟
— ترقية.
سكتت.
— إيه؟
— اعتبارًا من أول الشهر، هتبقي مديرة شراكات استراتيجية.
عينيها اتسعت.
— بتتكلم جد؟
— آه.
قلبت الورق بسرعة.
مرتب أعلى.
مسمى أكبر.
صلاحيات أكتر.
بصت له.
— ليه؟
— لأنك تستحقي.
الجملة خرجت منه ببساطة.
ميار سكتت.
قال:
— عندك مشكلة؟
— لأ.
بالعكس.
كانت فرحانة.
بس في حاجة جواها كانت متلخبطة.
قالت:
— شكرًا.
أدهم هز راسه.
— ما تشكرينيش على حاجة بتاعتك.
عينيها ثبتت عليه.
الجملة دي…
ضربتها في مكان حساس.
كل حياتها كانت بتحارب علشان حد يشوف تعبها.
وأدهم…
رآه.
من غير مجاملة.
من غير ما يقلل منها.
ابتسمت.
— برضه شكرًا.
أدهم بص لها لحظة أطول من اللازم.
قال:
— مبروك.
— الله يبارك فيك.
أخدت الملف.
تحركت ناحية الباب.
وبعدين وقفت.
لفت.
— أدهم؟
— نعم؟
— أنا ما وافقتش أخرج مع رامي تاني.
هو ما اتحركش.
لكن عينيه اتغيرت.
قال:
— مش شأني.
ميار ابتسمت.
— عارفة.
خرجت.
وأدهم ضحك لنفسه.
لأنه كان عارف إنها قالتها له مخصوص.
وعارف أكتر…
إنه ارتاح.
مرت أيام.
القرب بينهم زاد.
والحدود…
بقت أضعف.
لحد ليلة الخميس.
كان فيه حفل كبير للشركة في فندق فاخر.
مستثمرين.
صحافة.
رجال أعمال.
كل الموظفين المهمين موجودين.
ميار دخلت القاعة متأخرة شوية.
ولما دخلت…
أدهم كان بيتكلم مع مجموعة رجال.
لكنه سكت في نص الجملة.
لثانية.
بس.
لأن ميار كانت مختلفة.
فستان أسود بسيط.
طويل.
من غير مبالغة.
شعرها سايب على كتفها.
حلقان دهب صغيرة.
وابتسامة هادية.
يارا قربت منها وهمست:
— هو بيبصلك.
— مين؟
— بابا نويل.
— يارا.
— أدهم طبعًا.
ميار رفضت تبص ناحيته.
قالت:
— تخيلات.
يارا ردت:
— طب ما تبصي.
— لأ.
— خايفة؟
— من إيه؟
— تلاقي إني صح.
ميار بصت.
وكان فعلًا…
لسه باصص لها.
عينيهم اتقابلت.
أدهم ما لفش.
ولا هي.
ثلاث ثواني.
أربع.
يارا همست:
— أنا همشي قبل ما أولع بينكم.
اختفت.
بعد دقايق…
أدهم قرب.
— مساء الخير.
— مساء النور.
عينه نزلت للفستان ورجعت لوشها.
— شكلك…
وقف.
ميار رفعت حاجبها.
— شكلي إيه؟
أدهم، اللي بيقفل صفقات بمليارات من غير ما يتردد…
اتردد.
قال:
— مختلف.
ميار ضحكت.
— دي مجاملة؟
— غالبًا.
— هنكتب التاريخ.
زاوية فمه اتحركت.
— متعودتيش.
بدأت موسيقى هادية.
ناس بدأت ترقص.
ميار بصت لهم.
بعدين بصت له.
— بترقص في الأماكن العامة؟
وشه جمد.
— ميار.
ضحكت.
— بسأل.
— لأ.
— خسارة.
— ليه؟
— لأنك كويس.
قرب منها.
قال بصوت واطي:
— عندك هوس بالموضوع ده؟
— عندي فضول.
— خطر.
— عارفة.
سكتوا.
الموسيقى اتغيرت.
لحن أبطأ.
ميار قالت:
— ممكن أسألك سؤال؟
— اسألي.
— ليه كنت بترقص لوحدك الصبح؟
التعبير اختفى من عينه.
سكت.
قال:
— مش كل الأسئلة لازم تتجاوب.
ميار لاحظت الوجع.
قالت:
— آسفة.
كانت هتمشي.
لكن إيده تحركت.
مسك رسغها برفق.
وقفت.
نظر لإيده.
وسابها فورًا.
قال:
— استني.
بصت له.
أدهم اتنفس.
— أمي كانت بترقص.
ميار سكتت.
دي أول مرة يتكلم عنها.
قال:
— كانت بتحب الموسيقى طول الوقت. البيت كله كان صوت.
ابتسامته كانت حزينة.
— وأنا صغير كانت تجبرني أرقص معاها.
ميار ابتسمت.
— تجبرك؟
— حرفيًا.
— كنت وحش؟
— كنت ممتاز.
ضحكت.
هو كمل.
— ماتت وأنا عندي سبعتاشر سنة.
ابتسامتها اختفت.
— أنا آسفة.
— بعد موتها… بطلت أسمع الموسيقى.
سكت.
— سنين.
— وبعدين؟
نظر ناحية القاعة.
— من كام شهر لقيت أغنية كانت بتحبها.
— ورقصت.
هز راسه.
— لوحدي.
ميار فهمت.
الموضوع ماكانش سر محرج.
كان ذكرى.
جرح.
قالت بهدوء:
— شكرًا إنك قلتلي.
أدهم بص لها.
— ماعرفش ليه قلتلك.
قالت:
— يمكن لأنك واثق فيا.
سكت.
وبعدين قال:
— يمكن.
الموسيقى لسه شغالة.
ميار مدت إيدها.
أدهم بص لها.
— إيه؟
— رقصة.
— لأ.
— أدهم.
— قلت لأ.
— مفيش حد مركز.
— القاعة فيها 300 شخص.
— كلهم بيمثلوا إنهم مهمين. محدش فاضي لنا.
أدهم نظر لإيدها.
وبعدين لوشها.
— ميار…
— رقصة واحدة.
سكت.
وبعدين…
حط إيده في إيدها.
يارا من بعيد شهقت.
مدير مالي ساب الكوباية من إيده تقريبًا.
اتنين من أعضاء مجلس الإدارة بصوا لبعض.
أدهم الكيلاني…
دخل ساحة الرقص.
مع ميار.
إيده استقرت على خصرها.
إيدها على كتفه.
قالت وهي مبتسمة:
— شايف؟ ما موتناش.
— لسه.
— متوتر؟
— لأ.
— كذاب.
قرب منها شوية.
— إنتِ بتحبي الكلمة دي جدًا.
— لما تنطبق.
بدأ يتحرك.
بسهولة.
ميار ضحكت.
— أهو.
— إيه؟
— رجع الراقص السري.
أدهم بص لها.
لثواني…
كل الناس اختفوا.
فضلت هي.
وصوت الموسيقى.
قال بصوت منخفض:
— المشكلة إن المرة دي مش لوحدي.
قلبها وقف لحظة.
قالت:
— دي مشكلة؟
أدهم عينه ثبتت فيها.
— جدًا.
— ليه؟
قرب.
المسافة بينهم بقت نفس المسافة اللي كانت في اللاونج.
لكن المرة دي…
ماكنش فيه شغل يستخبوا وراه.
قال:
— لأن من يوم ما دخلتي عليا وأنا برقص…
وقف.
ميار اتنفست بصعوبة.
— إيه؟
أدهم لأول مرة ما هربش.
قال:
— وأنا مش عارف أبعدك.
صمتت.
الموسيقى مستمرة.
الناس حواليهم.
لكن ميار ما سمعتش غيره.
قالت بصوت خافت:
— مين قال إني عايزاك تبعد؟
أدهم وقف مكانه تقريبًا.
ونظر لها كأنه مش متأكد إنه سمع صح.
وقبل ما يرد…
صوت جه من وراهم:
— أدهم؟
جسمه كله اتصلب.
ميار شافت اللون يختفي من وشه.
لف ببطء.
كانت واقفة عند طرف ساحة الرقص امرأة أنيقة في أواخر الخمسينات.
عينيها معلقة بميار.
وشها مش مصدوم.
كان أسوأ.
عارف.
قالت المرأة بهدوء قاتل:
— واضح إني جيت في وقت مش مناسب.
أدهم قال:
— طنط ناهد.
ميار بصت له.
ثم لها.
ناهد ابتسمت ابتسامة باردة.
— مش هتعرفني بالآنسة؟
أدهم سكت لحظة.
قال:
— ميار جمال.
ناهد كررت الاسم.
— ميار.
وبعدين بصت لها من فوق لتحت.
— غريب.
ميار سألت:
— إيه الغريب؟
ناهد ابتسامتها اختفت.
— إنك شبهها قوي.
أدهم قال بسرعة:
— كفاية.
ميار اتجمدت.
— شبه مين؟
ناهد بصت لأدهم.
ثم قالت الجملة اللي خلت عينيه تتحول من برود لخوف حقيقي:
— شبه البنت اللي أدهم كان هيتجوزها قبل ما تختفي من حياته.
ميار لفت لأدهم.
— إيه؟
لكنه ما ردش.
وناهد كملت:
— واللي من يومها… أدهم عمره ما سمح لست تقرب منه.
الصمت نزل.
ميار بصت في عينيه.
وسألت:
— هي اختفت إزاي؟
أدهم قال بصوت خشن:
— ميار، مش هنا.
ناهد ردت قبله:
— ماتت.
ميار اتجمدت.
أدهم غمض عينيه لحظة.
ونا هد قالت:
— قدامه.
ميار ماقدرتش تتكلم.
لكن ناهد ما خلصتش.
قربت خطوة.
وقالت:
— ومن يومها، أدهم مقتنع إن أي حد يحبه…
مصيره يضيع منه.
أدهم لف لها بعصبية:
— كفاية!
الميـار شافت حاجة عمرها ما شافتها فيه.
مش برود.
مش قوة.
رعب.
رعب حقيقي.
وفجأة فهمت.
ليه بيقرب…
وبعدين يرجع.
ليه كل مرة الكلام يوصل عند نقطة معينة، يستخبى ورا الشغل.
ليه قال إن وجودها “مشكلة”.
المشكلة ماكانتش إنها موظفة.
ولا إنه رئيسها.
المشكلة…
إن أدهم الكيلاني كان بدأ يحبها.
وكان مرعوب إن التاريخ يعيد نفسه.
لكن ميار ماكانتش تعرف ساعتها إن موت البنت القديمة…
ماكانش حادث عادي.
وإن ناهد ماجتش الحفل صدفة.
وإن في نفس الليلة…
هيظهر ملف قديم من خزنة أدهم، فيه صورة للبنت دي.
والصدمة؟
إن البنت في الصورة ماكانتش بس شبه ميار.
كانت نسخة منها تقريبًا.
وعلى ظهر الصورة، مكتوب بخط أدهم:
“لو رجعت بي الأيام… كنت همنعها تروح المكان ده.”
وميار…
كانت بالفعل رايحة نفس المكان صباح اليوم التالي.
من غير ما أدهم يعرف.
يتبع…



