
الساعة تسعة وعشرة كانت ميار قاعدة قدام جهازها بتحاول تتصرف كأن الصبح طبيعي.
وده كان صعب.
خصوصًا إن كل مرة حد يقول اسم “أدهم الكيلاني”…
مخها يعرض لها فورًا صورة راجل بأكمام مرفوعة بيلف على كعبه مع الموسيقى.
يارا زقتها بالقلم.
— مالك؟
— مفيش.
— بتبتسمي للشاشة من خمس دقايق.
ميار بصت للشاشة.
كان قدامها ملف إكسل.
قالت:
— بحب الجداول.
يارا قربت منها.
— ميار.
— نعم؟
— الإنسان الطبيعي مايبصش لإكسل بالطريقة دي إلا لو فيه فضيحة.
— مفيش .
— يعني فيه حاجة؟
— لأ.
— كدابة.
ميار مدت إيدها ناحية السماعة.
— عندي مكالمة.
يارا بصت للساعة.
— بعد نص ساعة.
— بحضر نفسي نفسيًا.
يارا فتحت بوقها ترد…
لكن باب القسم اتفتح.
الهدوء نزل على المكان زي البطانية.
واحد من الموظفين همس:
— يا نهار أبيض.
ميار رفعت عينيها.
والدم جمد في عروقها.
أدهم الكيلاني داخل القسم.
لوحده.
وده في حد ذاته كان حدث.
أدهم نادرًا ما ينزل لأدوار الموظفين.
وعادة لو نزل بيبقى مع مدير تنفيذي أو فريق كامل.
لكن المرة دي…
كان ماشي وسط المكاتب وحده.
وكل حد يعدي جنبه يقعد مستقيم زيادة.
وصل عند مدير القسم.
اتكلم معاه بصوت واطي.
المدير بص ناحية ميار.
بعدين رجع بصل لأدهم.
ميار حست معدتها وقعت.
يارا همست:
— هو بيبص عندنا ليه؟
— معرفش.
— إنتِ عملتي إيه؟
— ليه أنا؟
— لأن وشك بقى أبيض.
— الإضاءة.
— ميار.
أدهم اتحرك.
ناحيتهم.
يارا سحبت نفسها في الكرسي.
— يا ساتر.
وقف قدام مكتب ميار.
الصمت كان كامل لدرجة إن صوت الكيبورد من آخر القاعة بقى مسموع.
ميار رفعت عينيها له.
— صباح الخير يا فندم.
وشه ماظهرش عليه أي شيء.
— آنسة ميار جمال؟
“هو بيمثل إنه مش عارفني؟”
قالت:
— أيوه.
— عندك وقت؟
كل العيون كانت عليهم.
قالت:
— طبعًا.
— تعالي معايا.
لف ومشي.
يارا بصتلها بعينين مفتوحتين.
وهمست:
— عملتي إيه؟
ميار قامت وهي تجمع النوت بوك.
همست:
— غالبًا هعرف دلوقتي.
مشت وراه.
طول الطريق للأسانسير، محدش اتكلم.
دخلوا.
الباب اتقفل.
بقوا لوحدهم.
ميار حاولت تقف في الناحية التانية.
أدهم ضغط زر الدور 43.
بصت للرقم.
وبعدين له.
— هو مش الباب اتصلح؟
التفت لها ببطء.
— اتصلح.
— كويس.
— ومش محتاجة تكسريه المرة دي.
— أنا ماكسرتوش أصلًا.
سكت ثانية.
وبعدين قال:
— عندي اجتماع الساعة عشرة.
— تمام.
— صفقة شراكة كبيرة.
— تمام.
— العرض اللي فريقك مجهزه سيئ.
ميار رمشت.
— تمام… لأ، مش تمام.
— قريتيه؟
— النسخة الأخيرة لأ.
— اقريها.
ناولها تابلت.
بدأت تقلب.
صفحة.
اتنين.
ثلاثة.
وشها اتغير.
قال:
— إيه؟
رفعت عينيها.
— عايز الرد المهذب ولا الحقيقي؟
— الحقيقي.
— ممل.
عينيه ضاقت.
كملت:
— طويل. متردد. مليان كلام ملوش لازمة. وفي الصفحة الرابعة بنشرح للشركة التانية إحنا محظوظين قد إيه إنهم يفكروا يشتغلوا معانا.
— وإيه المشكلة؟
— إحنا مش محظوظين.
نظر لها.
قالت:
— هما كمان مستفيدين. العرض مكتوب كأننا بنطلب منهم معروف.
باب الأسانسير اتفتح.
أدهم خرج.
— عندك خمسين دقيقة.
مشيت وراه.
— لخمسين دقيقة إيه؟
— تصلحيه.
وقفت.
— أنا؟
لف لها.
— عندك اعتراض؟
— لأ، بس ده عرض مجلس الإدارة.
— عارف.
— والصفقة قيمتها…
— عارف.
— وإنت عايز موظفة بقالها ست أسابيع تعيد كتابته قبل الاجتماع بخمسين دقيقة؟
أدهم حط إيده في جيبه.
— على حسب كلامك في مقابلة التوظيف، إنتِ بتشتغلي أحسن تحت الضغط.
ميار اتجمدت.
— إنت قريت مقابلة التوظيف بتاعتي؟
— قريت ملفك.
شيء صغير اتحرك جواها.
استغراب.
وفضول.
— ليه؟
أدهم بص لها ثواني.
وبعدين قال:
— لأن بحب أعرف مين بيدخل الأدوار اللي ممنوعة عليه.
كانت متأكدة إنه بيتهرب.
لكن ماعندهاش وقت.
أشار لمكتب صغير داخل اللاونج.
— اشتغلي هنا.
دخلت.
قعدت.
وبدأت.
الساعة 9:56…
دفعت ميار التابلت ناحيته.
— خلص.
أدهم أخده.
قرأ أول صفحة.
وبعدين التانية.
فضل ساكت.
ميار بدأت تتوتر.
— لو مش عاجبك، أقدر…
رفع إيده.
سكتت.
قرأ لحد النهاية.
وبعدين حط التابلت.
— غيرتي نص العرض.
— اتنين وستين في المية.
نظر لها.
— حسبتي؟
— تقريبًا.
— شيلتي تلات صفحات.
— كانوا جنازة لغوية.
نظر لها طويلًا.
وبعدين قال:
— خدي النوت بوك.
— ليه؟
— داخلة الاجتماع.
عينها اتسعت.
— أنا؟
— عندك مشكلة مع كلمة “أنا” النهارده؟
— لأ، بس…
— الاجتماع الساعة عشرة.
قام.
مشيت وراه بسرعة.
— أنا مش مديرة.
— عارف.
— ومش مسؤولة عن الحساب.
— عارف.
— ومحدش بلغ مديري.
— بلغته.
— إمتى؟
— وإنتِ بتكتبي.
سكتت.
ثم قالت:
— بتحب ترتب الدنيا من ورا الناس كده؟
وقف.
لف لها.
— وإنتِ بتحبي تدخلي أماكن من ورا الناس.
ابتسمت.
— واحد واحد.
لثانية…
رجع نفس الشيء.
زاوية فمه اتحركت.
لكن المرة دي…
ميار ماعلقتش.
اكتفت بابتسامة صغيرة.
أدهم لاحظ.
قال:
— إيه؟
— ولا حاجة.
— ميار.
— حضرتك.
— ما تبصيش لي كده.
— ببص إزاي؟
— كأنك مستنية حاجة.
عضت شفايفها.
— حاضر.
دخل غرفة الاجتماعات.
قبل ما تلحقه، قال من غير ما يبصلها:
— ومش هضحك.
ردت بهدوء:
— أنا ماقولتش حاجة.
ولأول مرة في حياة أدهم الكيلاني المهنية…
دخل اجتماع مهم وهو ابتسامة.
الاجتماع كان قاسي.
الطرف التاني دخل مستعد يفاوض لآخر جنيه.
أسئلة مباشرة.
ضغط.
محاولات لتقليل قيمة عرض الشركة.
في أول عشر دقايق، ميار فضلت ساكتة.
بتراقب.
أدهم ماكانش محتاج مساعدة.
كان مرعب.
هادي.
دقيق.
كل اعتراض يقابله برقم.
كل محاولة ضغط يرد عليها بمعلومة تخلي الشخص اللي قدامه يعيد حساباته.
لكن عند نقطة معينة، مدير الشركة التانية قال:
— بصراحة، إحنا عندنا بدائل كتير. مش شايف إيه اللي يخلينا نختار الكيلاني جروب بالذات.
أحد المديرين فتح العرض.
أدهم سكت.
وبص لميار.
كانت إشارة صغيرة.
لكنها فهمتها.
ميار قعدت مستقيمة.
وقالت:
— ممكن أجاوب؟
الرجل بص لها باستغراب.
— طبعًا.
ابتسمت.
— حضرتك عندك بدائل فعلًا. وإحنا كمان.
الأوضة سكتت.
الرجل رفع حاجبه.
ميار كملت:
— إحنا مش هنا علشان نقنعكم إنكم محتاجينا. وإنتوا مش هنا علشان تقنعونا إنكم الفرصة الوحيدة. إحنا هنا لأن الأرقام بتقول إن الشراكة هتكسب الطرفين.
وبدأت تتكلم.
أرقام.
سوق.
نقاط ضعف.
فرص نمو.
في أقل من خمس دقايق…
اتغير اتجاه الاجتماع.
ولما خلصت…
أدهم كان باصص لها بطريقة مختلفة.
مش لرئيس وموظفة.
كأنه لأول مرة…
شايفها فعلًا.
بعد ساعة ونص…
تم الاتفاق المبدئي.
المديرين خرجوا مبسوطين.
واحد منهم قال لميار:
— شاطرة جدًا.
مديرها نفسه ابتسم لها بفخر.
ميار جمعت حاجتها.
كانت على وشك تخرج لما أدهم قال:
— ميار.
وقفت.
باقي الناس خرجوا.
الباب اتقفل.
بقوا لوحدهم.
قال:
— اقعدي.
قعدت.
أدهم وقف عند طرف الطاولة.
— إنتِ ليه في الشراكات؟
رمشت.
— ده شغلي.
— السؤال واضح.
فكرت.
— لأن بحب أخلي الناس تشوف القيمة اللي قدامها.
— وإنتِ شايفة نفسك قيمتك قد إيه؟
اتصدمت بالسؤال.
— سؤال HR ده؟
— لأ.
— أمال؟
— سؤال.
ميار سكتت.
وبعدين قالت:
— أعلى من المسمى الوظيفي اللي عندي حاليًا.
أدهم ماابتسمش.
لكنه ما استغربش.
قال:
— كويس.
— كويس إني مغرورة؟
— كويس إنك عارفة.
سكت لحظة.
— من النهارده، هتشتغلي على حساب المشروع ده مباشرة.
ميار اتعدلت.
— مع مين؟
— معايا.
كانت متوقعة أسماء كتير.
إلا دي.
— معاك إنت؟
— عندك مشكلة؟
— لأ.
ثم بسرعة:
— أقصد… غالبًا لأ.
أدهم مد لها ملف.
— أول اجتماع بكرة سبعة ونص.
أخدته.
وبعدين استوعبت.
— سبعة ونص؟
— بدري عليكي؟
— لأ.
بصت له.
ثم قالت ببطء:
— في الدور كام؟
أدهم عرف فورًا هي بتلمح لإيه.
ملامحه بردت.
— التالت والأربعين.
— في اللاونج؟
— أيوه.
— قبل ما باقي المديرين يوصلوا؟
— ميار.
— بسأل علشان الجدول.
— سبعة ونص.
رفعت إيديها باستسلام.
— حاضر.
قامت.
وقبل ما توصل للباب، قالت:
— القهوة على حساب الشركة؟
أدهم كان بيقلب في ورق قدامه.
— اخرجي.
ضحكت وهي تفتح الباب.
لكن قبل ما تخرج…
سمعت صوته.
— ميار.
لفت.
أدهم كان لسه باصص للورق.
قال:
— الساعة سبعة ونص.
— حاضر.
سكت ثانية.
ثم أضاف:
— ولو جيتي بدري…
رفعت حاجبها.
أخيرًا رفع عينه لها.
— اخبطي قبل ما تدخلي.
ابتسامتها وسعت.
— وعد.
خرجت.
وأدهم فضل لوحده.
ثواني طويلة.
وبعدين بص ناحية الباب.
حاول يرجع للشغل.
قرأ نفس السطر تلات مرات.
مافهمش كلمة.
رَمى القلم فوق المكتب بضيق.
لأن لأول مرة من سنين طويلة…
حد دخل مساحته الخاصة من غير إذنه.
شاف جانب فيه محدش كان يعرفه.
كلمه من غير خوف.
صححه.
ضحك عليه تقريبًا.
والأسوأ…
إنه بدل ما يبعده عنه…
حدد له ميعاد يرجع فيه تاني.
تاني يوم.
الساعة 7:28 صباحًا.
أدهم كان واقف قدام الشبابيك.
قهوة سودا في إيده.
اللاونج ساكت.
والموسيقى مش شغالة.
عينيه راحت للساعة.
7:29.
بعدين للباب.
ماحدش.
7:30.
الصمت.
وشه ما اتغيرش.
لكن صوابعه خبطت مرة على الفنجان.
7:31.
وفجأة…
ثلاث خبطات خفيفة.
تك.
تك.
تك.
أدهم رفع عينه.
الباب اتفتح سنة صغيرة.
رأس ميار ظهرت من وراه.
— أقدر أدخل ولا عندك بروفة سرية؟
بصلها ببرود.
— إنتِ متأخرة دقيقة.
دخلت وهي ماسكة كوبين قهوة وكيس ورق.
— لأ.
بص للساعة.
— الساعة سبعة وواحد وتلاتين.
— وأنا خبطت سبعة وتلاتين ثانية.
— ده اسمه تأخير.
حطت كوب قدامه.
— جبتلك قهوة.
نظر للكوب.
— أنا عندي قهوة.
— دي أحسن.
— ما طلبتش.
— عارفة.
حطت كيس صغير جنبها.
— وجبت كرواسون.
— مش باكل الصبح.
ميار قعدت.
— عارف إيه مشكلتك؟
أدهم بصلها.
— واضح إنك ناوية تقولي.
— محدش حواليك بيقولك لأ.
— وإنتِ قررتي تبقي أول واحدة؟
فتحت اللابتوب.
— قررت أبقى حد بيقولك الحقيقة.
سكت.
بعدين أخذ كوب القهوة اللي جابته.
من غير كلمة.
ميار لاحظت.
وماعلقتش.
لكن بعد دقيقتين…
أدهم مد إيده.
فتح كيس الكرواسون.
أخد واحدة.
ميار بصت له.
قال من غير ما يرفع عينه:
— كلمة واحدة…
ردت بمنتهى البراءة:
— أنا ساكتة خالص.
بدأ ياكل.
وهي بتشتغل.
وبعد شوية…
صوت موسيقى هادي خرج من السماعات.
ميار رفعت رأسها.
أدهم فضل مركز في الشاشة.
قال:
— الموسيقى بتساعدني أفكر.
ابتسمت.
— أكيد.
رفع عينه لها.
— متبدأيش.
— ماقلتلكش حاجة.
— وشك قال.
ضحكت.
وفي اللحظة دي…
أدهم عمل حاجة محدش في “الكيلاني جروب” كان ممكن يصدقها لو اتقالت له.
ابتسم.
ابتسامة صغيرة.
حقيقية.
وسريعة جدًا.
لكن ميار شافتها.
سكتت.
عينيها اتسعت.
وأدهم استوعب متأخر.
الابتسامة اختفت.
قال بتهديد هادي:
— ولا كلمة.
ميار قربت إيديها من بوقها كأنها بتقفل سوستة.
لكن عينيها كانت بتضحك.
وأدهم رجع يبص للشاشة.
بس المرة دي…
ماكنش قادر يركز.
لأن البنت اللي عرفته بالصدفة وهو بيرقص…
بقت أول شخص من سنين طويلة يشوفه يبتسم.
وهو ماكانش يعرف ساعتها إن بكرة…
هيكون أول يوم يستناها فيه قبل ما توصل.
وبعده…
هيلاحظ عطرها قبل ما تدخل.
وبعد أسبوع…
هيحفظ طلب قهوتها.
وبعد شهر…
هيكتشف إن أكتر حاجة كان بيخاف منها مش إن ميار جمال تعرف سره.
إنما إنها في يوم…
تبطل تيجي.
يتبع…




