الواقع 2 حكايات اسما السيد

فضلت ماسكة التليفون عند ودني حتى بعد ما الخط اتقفل.
ماهر كان واقف قدامي.
— مين؟
بصيتله.
كلام هناء لسه بيرن في دماغي:
“لو ماهر جنبك… اخرجي من البيت من غير ما يحس.”
قلت:
— رقم غلط.
ضيق عينه.
— رقم غلط خلاكي تصفري كده؟
— اتخضيت بس.
مد إيده.
— هاتي التليفون.
رجعت خطوة.
— ليه؟
— أشوف الرقم.
— وإنت من إمتى بتفتش تليفوني؟
سكت.
كنت شايفة الشك في عينه.
وفجأة…
خبط شديد جه على باب البيت.
ماهر لف بسرعة.
وأنا استغليت اللحظة وحطيت التليفون في جيبي.
الخبط اتكرر.
— مين؟
محدش رد.
قرب ماهر من الباب.
فتحه بحذر.
مفيش حد.
بس كان فيه ظرف على الأرض.
أخده.
فتحه.
طلع صورة.
أول ما شافها…
رجع خطوة.
خدت الصورة من إيده.
راجل واقف جنب عربية.
الصورة حديثة.
وفي ظهرها تاريخ من أسبوع واحد.
قلت:
— مين ده؟
ماهر رد بصوت مبحوح:
— سامح.
رفعت عيني.
— أخوك؟
هز رأسه.
— اللي المفروض مات؟
قعد على الكرسي.
— أنا حضرت يا مروة.
— شفت ؟
سكت.
كررت:
— شفتها؟
— لأ.
— أمال مين؟
حط إيده على راسه.
قعدت قدامه.
كل حاجة كانت بتتعقد أكتر.
— احكيلي من الأول.
— سامح كان أخويا الأصغر. اشتغل معايا فترة في تجارة المحاصيل. كان ذكي… بس كان بيحب الفلوس بطريقة تخوف.
— وعلاقته بهناء؟
— في الأول عادية.
سكت.
ثم قال:
— بعد ما بنتي بدأت تتعب، سامح هو اللي كان بيجيب أدوية كتير للبيت بحجة إنه بيساعدنا.
جسمي برد.
— وأخت هناء؟
رفع عينه.
— كانوا قريبين من بعض.
— قريبين إزاي؟
— أكتر مما كنت فاهم وقتها.
سألته:
— إنت شاكك إنهم كانوا متفقين؟
— دلوقتي؟ أيوه.
— على إيه؟
— مش عارف.
رن تليفوني تاني.
نفس الرقم.
ماهر بصلي.
قلت:
— هرد.
فتحت الخط.
صوت هناء:
— اخرجي ناحية الشجر اللي ورا البيت. لوحدك.
— ليه؟
— لأن عندي عشر دقايق قبل ما يمشوا من هنا.
قلبي وقف.
— مين “هم”؟
لكنها قفلت.
بصيت لماهر.
قلت:
— محتاجة أدخل الحمام.
مشيّت وأنا حاسة بعينه في ضهري.
دخلت الحمام.
قفلت.
فتحت الشباك الصغير.
كان ضيق.
لكن جسمي عدى بالعافية.
نزلت على الأرض من الناحية التانية.
وجريت ناحية الشجر.
بعد دقايق شفت ست واقفة بين الأشجار.
أول ما قربت…
عرفتها من الفيديو.
هناء.
لكنها كانت مختلفة.
أضعف.
أكبر.
وعينيها مليانة خوف.
قالت:
— إنتِ مروة؟
هزيت رأسي.
قربت مني.
— ماهر أذاكي؟
— لأ.
ارتاحت للحظة.
قلت:
— ليه هربتي؟
بصت ناحية البيت.
— علشان كنت فاكرة إن ماهر جزء من اللي حصل.
— وبعدين؟
— اكتشفت إنه ماكانش عارف.
— طب ليه ما رجعتيش؟
دموعها لمعت.
— لأني لما اكتشفت الحقيقة… كان الوقت فات.
— حقيقة إيه؟
مدت إيدها بورقة.
كانت كشف حساب قديم.
أرقام ضخمة.
تحويلات.
وأسماء شركات.
قلت:
— ده إيه؟
— ماهر ورث أرض كبيرة عن أبوه. الأرض قيمتها كانت بالملايين، بس ماهر ماكانش يعرف قيمتها الحقيقية وقتها.
— وإيه علاقة بنتك؟
نظرت إليّ.
— سامح كان محتاج ماهر يوقع تنازل عن جزء من الأرض.
— وبنتك؟
— مرضها كان وسيلة.
شهقت.
قالت:
— كل ما كانت تتعب، ماهر كان يسيب شغله ويروح مستشفيات. حساباته اتلخبطت. ثقته في نفسه انهارت. وسامح بدأ يدخل مكانه في التجارة.
— وأختك؟
صوتها انكسر.
— كانت بتحب سامح.
سكتت.
— وهو أقنعها إننا لو اختفينا من الصورة، هيعيشوا الحياة اللي عايزينها.
قلت:
— يعني أختك كانت بتأذي بنتك؟
أغمضت عينيها.
— أيوه.
— وإنتِ متأكدة؟
— شفتها بعيني بعد فوات الأوان.
ثم أمسكت إيدي.
— لكن فيه حاجة أسوأ.
— إيه؟
بصت ناحية البيت.
— سامح رجع علشان ماهر اتجوزك.
— وأنا مالي؟
قالت:
— لأن البيت والأرض مسجلين دلوقتي باسم ماهر بالكامل.
— وبعدين؟
— لو حصل لماهر حاجة…
سكتت.
قلت:
— إيه؟
— إنتِ الوريثة.
قبل ما أستوعب…
سمعت صوت ماهر من بعيد:
— مروة!
هناء شهقت.
— لازم أمشي.
مسكتها.
— استني!
قالت بسرعة:
— ما تشربيش ولا تاكلي أي حاجة حد يديهالك.
— مين؟
لكنها جريت بين الشجر.
وماهر ظهر قدامي.
كان غضبان.
— إنتِ بتعملي إيه هنا؟
قلت:
— كنت بتمشى.
بص ناحية المكان اللي اختفت فيه هناء.
ثم رجع لي.
— لو شوفتيها… ما تصدقيش كل حاجة تقولها.
قلت:
— ليه؟
اقترب.
— لأن في الحكاية دي مفيش حد بريء بالكامل.
حتى هناء.
يتبع…
وقفت أبص لهناء وأنا مش فاهمة.
— إنتِ ليكي علاقة بجوازي من ماهر؟
هناء ما ردتش.
ماهر كان لسه على الأرض، واعي بالعافية.
برا البيت، أصوات العربيات قربت.
لكن بالنسبة ليا، كل الأصوات اختفت.
ماعدا صوتي.
— ردي عليا.
هناء قالت:
— أيوه.
حسيت كأن حد ضربني.
— إزاي؟
— أنا اللي رشحتك لماهر.
ضحكت.
مش علشان الموضوع مضحك.
لكن من كتر الصدمة.
— رشحتيني؟ هو أنا وظيفة؟
— مروة، اسمعيني…
— تعرفيني منين أصلًا؟
هناء بصت في الأرض.
— من أمك.
سكتُّ.
— أمي؟!
— أعرفها من سنين.
رجعت خطوتين.
— أمي قالتلكم إيه عني؟
— إنها عندها بنت عايزة تتجوز.
— بس؟
سكتت.
صرخت:
— بس؟!
قالت:
— قالت إنك هادية، ومالكيش مشاكل، وإنك نفسك تخرجي من البيت بسرعة.
جسمي كله برد.
أمي كانت عارفة.
على الأقل كانت تعرف إن ماهر ما اختارنيش بالطريقة اللي أنا كنت متخيلاها.
قلت:
— وهي كانت تعرف إنه متجوز قبل كده؟
هناء سكتت.
وكان السكوت كفاية.
دموعي نزلت.
— كانت عارفة؟
— أيوه.
افتكرت سؤال أمي:
“الراجل مستعجل ليه؟”
دلوقتي فهمت.
هي ما كانتش بتسأل.
هي كانت بتمثل إنها ما تعرفش.
قلت:
— وأبويا؟
— غالبًا كان عارف جزء.
ضحكت وأنا بمسح دموعي.
يعني حتى باب الهروب اللي كنت فاكرة إني اخترته…
حد تاني كان فاتحهولي للمصلحة.
ماهر حاول يقوم.
— مروة…
بصيتله.
— وإنت وافقت ليه؟
قال:
— لأن هناء قالت إنك بعيدة عن كل اللي حصل.
— يعني آمنة.
— أيوه.
— ومناسبة للوصية.
سكت.
قلت:
— قولها.
خفض عينه.
— ومناسبة للوصية.
هزيت رأسي.
— كلكم استخدمتوني.
هناء قالت:
— أنا كنت بحاول أحمي ماهر.
لفيت لها.
— وأنا؟ مين كان بيحميني؟
ما ردتش.
ودي كانت الإجابة.
محدش.
من وأنا صغيرة…
محدش.
دخلت الشرطة.
سامح حاول ينكر كل حاجة.
لكن التسجيل كان موجود.
والزجاجة موجودة.
والأوراق موجودة.
والفيديوهات موجودة.
وأخت هناء وافقت تشهد.
أخدوا سامح.
وأخدوا أخت هناء للتحقيق.
والإسعاف أخد ماهر.
قبل ما يطلعوه، مد إيده ناحيتي.
ما مسكتهاش.
قال:
— تعالي معايا.
قلت:
— مش قادرة.
— مروة…
— أنا محتاجة أعرف أنا عايزة إيه لأول مرة في حياتي.
خرج.
وهناء فضلت واقفة عند الباب.
قالت:
— سامح مش هيقدر يقربلك تاني.
بصيتلها.
— وإنتِ كمان ما تقربيليش.
اتوجعت.
لكنها هزت رأسها.
— من حقك.
مشيت.
وفضلت لوحدي في البيت.
البيت اللي من أسبوع كنت فاكرة إنه بداية حريتي.
بصيت حواليّ.
الطرقة.
المطبخ.
باب الأوضة القديمة.
كل حاجة بقت مختلفة.
دخلت أوضة النوم.
طلعت شنطتي.
وحطيت هدومي فيها.
لكن وأنا بقفلها…
تليفوني رن.
أمي.
فضلت أبص للاسم.
وبعدين رديت.
— ألو.
قالت بسرعة:
— مروة! حصل إيه؟ واحدة قالتلي إن الشرطة عندكم!
سألتها بهدوء:
— إنتِ كنتِ عارفة إن ماهر كان متجوز؟
سكتت.
— ماما؟
— يا بنتي ما هو كان جواز وانتهى…
قفلت عيني.
— وعارفة إن مراته اختفت؟
— قالوا مشاكل عائلية.
— وعارفة إنهم اختاروني علشان وصية الأرض؟
الصمت طال.
ثم قالت:
— بصي يا مروة، إحنا كنا عايزين نطمن عليكي…
ضحكت.
— تطمنوا عليا؟
— ما تقلبهاش علينا بقى! الراجل عنده بيت وشغل وأرض، وإنتِ نفسك كنتِ عايزة تتجوزي.
— يعني بعتموني؟
— عيب الكلام ده!
— خدتوا فلوس؟
سكتت.
قلبي وقع.
قلت:
— ماما… خدتوا فلوس؟
قالت بسرعة:
— أبوكي أخد مبلغ بسيط من ماهر علشان مصاريف الفرح…
ما سمعتش باقي كلامها.
قفلت.
وقعدت على السرير.
إذن حتى أهلي…
كان لهم تمن.
بكيت.
لكن الغريب إن البكاء المرة دي ماكانش ضعف.
كان كأني بغسل سبعة وعشرين سنة من جوايا.
وبعدها قمت.
شلت الشنطة.
وخرجت.
لكن قبل ما أقفل باب البيت…
لقيت ظرفًا تحت العتبة.
ماكانش موجود من شوية.
فتحته.
جواه صورة ليا.
صورة متصورة من بعيد…
يوم فرحي.
وعلى ظهرها مكتوب:
“سامح ماكانش لوحده.”
يتبع…
خرجنا من المكان من باب جانبي.
أبويا كان ماشي بسرعة.
ركبت معاه العربية.
قلت:
— وديني للشرطة.
— مش قبل ما نجيب الأصل.
— أصل الفلاشة فين؟
— عندي.
بصيتله بصدمة.
— إنت؟
— هناء ادهتهولي من خمس سنين.
كل إجابة كانت بتفتح كذبة جديدة.
قلت:
— إنت تعرف هناء؟
— أنا اللي ساعدتها تختفي.
سكتُّ تمامًا.
أبويا أكمل:
— يوم ما جتلي كانت مرعوبة. قالت إن سامح والمحامي بيقلبوا الأوراق ضدها. وإنها لو فضلت، هيحطوها في مصحة أو يلبسوها قضية.
— ليه ما قلتش لماهر؟
— هي رفضت.
— وإنت وافقت؟
— كنت خايف.
ضحكت بمرارة.
— واضح إن الخوف كان العذر الرسمي لكل الناس في الحكاية دي.
ما ردش.
وصلنا لمخزن صغير قديم.
دخل.
طلع صندوق حديد من مكان مخفي.
فتحناه.
كان فيه فلاشة تانية.
رجعنا للعربية.
شغلتها على اللابتوب.
مجلدات كتير.
وفي الآخر تسجيل صوتي.
صوت ست كبيرة.
أم ماهر.
كانت بتقول:
— أنا عملت الوصية علشان أحمي الأرض من سامح، مش علشان أديه سبب يأذي أخوه. لو حصل لماهر أو مراته أو الطفل حاجة، المحامي عنده تعليمات ينقل الملكية لمؤسسة خيرية.
بصيت لأبويا.
— يعني سامح لو قتل ماهر مش هياخد الأرض أصلًا؟
— بالضبط.
التسجيل كمل.
— لكن المحامي اقترح تعديل الورق بعد وفاتي. وأنا رفضت.
سكت الصوت لحظة.
ثم قالت:
— ولو التسجيل ده ظهر، يبقى المحامي حاول ينفذ خطته.
قفلت التسجيل.
كل حاجة اتجمعت.
سامح كان طماع.
لكن فيه حد أذكى منه.
حد يعرف القانون.
الوصية.
الأوراق.
وإزاي يخلي كل واحد يشك في التاني.
قلت:
— المحامي كان عايز الأرض لنفسه؟
أبويا قال:
— مش الأرض.
— أمال؟
— العمولة من الشركة اللي هتشتريها.
المبلغ كان كفاية يخلي ناس كتير تخسر ضميرها.
بصيت لأبويا.
— وإنت خدت كام؟
نزل عينه.
— كتير.
دموعي نزلت.
— كنت جزء منهم.
— في الأول… أيوه.
— وبعدين لما خفت على بنتك صحيت؟
— لما فهمت إنهم ممكن يأذوكي.
قلت:
— يعني لما كانت بنت ناس تانية وطفلتها بيتأذوا، ماكانش مهم؟
ما عرفش يرد.
قفلت اللابتوب.
— هنروح الشرطة.
المرة دي ما اعترضش.
التحقيقات أخدت أسابيع.
سامح اعترف بجزء بعد ما واجهوه بالتسجيلات.
أخت هناء اعترفت بدورها.
المحامي حاول يهرب، لكن اتقبض عليه.
وأبويا اضطر يعترف بكل اللي يعرفه.
أما وفاة الطفلة، فاتفتحت قضيتها من جديد، والتحقيق هو اللي بقى مسؤول عن تحديد مسؤولية كل شخص بالأدلة، بعيدًا عن كذب السنين واتهامات العيلة.
وأنا؟
رجعت بيت ماهر مرة
فضلت واقفة في نص الصالة، مش قادرة أستوعب جملة ماهر.
— قولي لمروة ليه اخترتها هي بالذات.
بصيت لهناء.
— اختارني؟ إنتِ كنتِ تعرفيني؟
هناء ما ردتش فورًا.
صوت عربيات الشرطة كان قرب، وسامح واقف عند الباب كأنه بيحسب فرص الهروب.
لكن بالنسبة لي، كل ده اختفى.
ما بقاش يهمني غير إجابة واحدة.
— ردي عليا.
هناء أخدت نفسًا طويلًا.
— أنا اللي دورت عليكي.
حسيت كأن حد ضربني في صدري.
— دورتِ عليا أنا؟
— أيوه.
— ليه؟
بصت لماهر، وبعدين رجعتلي.
— لما عرفت إن سامح لسه عايش وإنه بيراقب الأرض، فهمت إنه مستني ماهر يتجوز.
— وإيه علاقتي؟
قالت:
— كنت محتاجة واحدة مالهاش علاقة بالعيلة، ولا بسامح، ولا بالمنطقة. واحدة لو دخلت البيت تقدر تشوف حاجات إحنا بقينا عميان عنها من كتر الخوف.
ضحكت بصدمة.
— يعني جبتوني هنا طُعم؟
ماهر حاول يقوم.
— مروة، أنا…
صرخت:
— ما تتكلمش!
بصيت لهناء.
— كملي.
قالت:
— سألت عن عرايس مناسبين لماهر عن طريق ست بتعرف عيلتكم.
وهنا افتكرت.
الخاطبة.
الست اللي أمي قالت إنها جابت العريس.
قلت:
— إنتِ اللي بعتي الخاطبة؟
هناء هزت رأسها.
— أنا اللي خليتها توصل اسمك لماهر.
دموعي نزلت.
— وعرفتي عني إيه؟
سكتت.
قلت:
— عرفتي إني عايزة أهرب من بيت أهلي، صح؟
نزلت عينيها.
وكان سكوتها الإجابة.
ضحكت وأنا بمسح دموعي.
— يا سلام.
بصيت لماهر.
— وإنت وافقت؟
قال:
— كنت عارف إنها رشحتك، لكن ماكنتش أعرف كل اللي عرفته عنك.
— بس عرفت إني مناسبة للوصية.
سكت.
— قول.
— أيوه.
غمضت عيني.
كنت طول عمري فاكرة إن أسوأ حاجة عملتها إني اتجوزت علشان أهرب.
لكن الحقيقة؟
أنا ما اخترتش الباب أصلًا.
حد كان واقف من الناحية التانية وفتحهولي لأنه محتاجني أدخل.
سامح استغل انشغالنا وحاول يجري.
لكن ما وصلش بعيد.
رجال الشرطة كانوا وصلوا للسور.
عليه.
وأخت هناء سلمت الزجاجة القديمة والتسجيلات وكل الورق اللي احتفظت بيه.
أما ماهر، فنقلوه المستشفى.
قبل ما الإسعاف يتحرك، حاول يمسك إيدي.
رجعتها.
بصلي.
— حقك.
قلت:
— حقي أكبر من كلمة آسف.
هز رأسه.
— عارف.
— لو خرجت من المستشفى، ما ترجعش تتوقع تلاقيني مستنياك.
قال بصوت ضعيف:
— مش هطلب منك تستنيني.
ودي كانت أول جملة منه حسيت إنها مش محاولة للسيطرة عليا.
التحقيق استمر شهور.
والحقيقة طلعت أقبح من اللي عرفناه في الليلة دي.
سامح كان عارف قيمة الأرض من سنين.
وكان عايز ماهر يبيع، لكن ماهر وأبوه رفضوا.
بعد وفاة الأب، اكتشف سامح إن الوصية بتعقد أي بيع.
فبدأ يضغط على ماهر من نقطة ضعفه.
بيته.
مراته.
وبنته.
استغل تعلق أخت هناء المرضي بأختها، وأقنعها إن هناء هتبعد عنها بعد الولادة.
وفي البداية كانت بتدي الطفلة نقط مهدئة بجرعات صغيرة علشان تنام، وهي مقتنعة بكلام سامح إنها مش مؤذية.
لكن الجرعات اتغيرت.
والطفلة بدأت تمرض.
وفي النهاية…
التحقيقات أثبتت إن سامح كان بيتدخل في الجرعات، وإنه استغل حالة أخت هناء النفسية وتعلقها المرضي علشان يحولها لأداة.
لكن ده ما برأهاش.
هي نفسها اعترفت إنها كانت بتدي رضيعة دواء من غير علم أمها ولا طبيب.
واتحاسبت على دورها.
وسامح؟
قصة موته المزيف اتكشفت.
الحادث القديم كان مدبرًا علشان يختفي بعد ما بدأت الشكوك تقرب منه، والجثمان اللي اتدفن وقتها لم يكن جثمانه.
أما هناء…
فهربت يوم اكتشفت إن سامح لسه بيراقبها.
كانت مقتنعة إن ظهورها هيعرض ماهر للخطر.
ومرت السنين وهي تجمع أدلة، لكن خوفها كان أكبر من قدرتها على المواجهة.
لحد ما دخلت أنا الحكاية.
بعد شهرين رجعت بيت أهلي.
مش علشان أعيش هناك.
كنت رايحة آخد حاجتي القديمة.
أمي فتحتلي الباب.
أول ما شافتني قالت:
— أهو اللي ما يسمعش كلام أهله…
رفعت إيدي.
لأول مرة في حياتي قاطعتها.
— أنا مش جاية أسمع لوم.
اتصدمت.
أبويا خرج من الصالة.
— إيه طريقة كلامك دي؟
بصيتله.
زمان كنت بخاف من نبرة صوته.
اليوم…
ماحسيتش بحاجة.
قلت:
— نفس طريقة الكلام اللي علمتوني بيها إن الجواز هو المخرج الوحيد للبنت.
أمي قالت:
— وإحنا مالنا بجوزك؟
— ليكم إنكم علمتوني أهرب بدل ما أختار.
سكتوا.
دخلت أوضتي القديمة.
جمعت كتبي.
شوية هدوم.
صندوق صور.
وأنا خارجة، أمي قالت:
— هتروحي فين؟
وقفت عند الباب.
ابتسمت.
— بيتي.
— أنهي بيت؟
قلت:
— البيت اللي أنا اخترته.
ومشيت.
استأجرت شقة صغيرة في المدينة.
أوضة وصالة.
كانت أصغر بكتير من بيت ماهر.
لكن أول ليلة نمت فيها هناك…
ماكانش فيه باب ممنوع أفتحه.
ولا تعليمات.
ولا حد بيحددلي أخرج إمتى وأدخل إمتى.
اشتغلت في مكتب صغير لتجارة المنتجات الزراعية.
يمكن غريب إني اخترت نفس المجال تقريبًا.
لكن خلال الشهور اللي عشتها مع ماهر كنت اتعلمت كتير عن الحسابات والمحاصيل والأسعار.
وبعد سنة…
بقيت شريكة في المكتب.
أما ماهر…
فما حاولش يرجعني بالقوة.
ولا بعت أهله.
ولا وقف تحت البيت.
بعت رسالة واحدة:
“أنا بدأت جوازنا بكذبة، ومفيش حب يتبني فوق حاجة زي دي. مش هطلب منك ترجعي. كل اللي بطلبه إنك في يوم تعرفي إن دخولي حياتك بالطريقة دي كان غلط، حتى لو مشاعري بعد كده بقت حقيقية.”
ما رديتش.
مش لأنني كنت بكرهه.
ودي كانت المشكلة.
جزء مني كان لسه بيفتكر الراجل الهادي اللي كان يعمل الشاي الصبح.
والجزء التاني كان بيفتكر إنه اختار بنتًا هاربة لأنه احتاج زوجة.
فاخترت نفسي.
مرت سنتين.
وفي صباح يوم كنت في المكتب، السكرتيرة قالت:
— فيه واحد اسمه ماهر مستني بره.
قلبي دق بنفس الطريقة القديمة.
قلت:
— دخليه.
دخل.
كان مختلف.
أهدى.
في شعره كام شعرة بيضا ماكانوش موجودين.
وقف قدام المكتب.
— إزيك يا مروة؟
— كويسة.
حط ملف قدامي.
— إيه ده؟
— أوراق الأرض.
— وأنا مالي؟
— بعتها.
بصيتله.
— الوصية؟
ابتسم.
— قدرت أحل الموضوع قانونيًا بعد القضية.
— مبروك.
— اتبرعت بجزء من تمنها لمستشفى أطفال باسم بنتي.
سكت.
— والباقي بدأت بيه شغل في مكان تاني.
قلت:
— ليه جاي تقولي؟
— مش علشان ترجعي.
قعد.
— جاي أقولك إني فهمت حاجة متأخر.
— إيه؟
— إن البيت مش أرض ولا حيطان ولا اسم مكتوب في عقد.
نظر إليّ.
— البيت هو المكان اللي الواحد ما يخافش فيه من الشخص اللي عايش معاه.
الجملة وجعتني.
لأنها كانت الشيء الوحيد اللي دورت عليه طول عمري.
قال:
— وأنا ما ادتهولكيش.
سكتنا.
ثم قام.
— أتمنى تكوني لقيتيه.
قلت:
— لقيته.
ابتسم.
ومشى ناحية الباب.
لكن قبل ما يفتحه…
قلت:
— ماهر.
وقف.
بصلي.
قلت:
— ممكن نشرب قهوة.
ما ابتسمتش وأنا بقولها.
وما كانش معناها إني سامحته.
ولا إننا رجعنا.
كانت مجرد قهوة.
لكن المرة دي…
أنا اللي اخترت أفتح الباب.
ما رجعتش لماهر في اليوم ده.
ولا الأسبوع اللي بعده.
احتاج الأمر شهورًا طويلة.
قهوة.
ثم مكالمة.
ثم مقابلة.
ثم اعتذار من غير تبريرات.
وكل مرة كنت أحط حدودًا…
كان يحترمها.
لحد ما في يوم سألني:
— ينفع نبدأ من جديد؟
قلت:
— لأ.
ابتسمت.
— ماينفعش نبدأ من جديد، لأن اللي حصل حصل. نقدر نبدأ من مكان جديد… وإحنا فاكرين القديم.
هز رأسه.
— موافق.
رجعنا لبعض بعد ما اتأكدت إن رجوعي مش هروب من الوحدة.
ولا خوف من كلام الناس.
ولا شفقة عليه.
رجعت لأنني اخترت.
وبعد سنة عملنا حفل صغير جدًا.
المرة الأولى كنت عروسة مستعجلة تهرب.
المرة التانية…
دخلت وأنا عارفة بالضبط أنا رايحة لمين.
هناء بدأت حياة جديدة بعيدًا عن المكان.
فضل بيننا تواصل بسيط.
وفي ذكرى ميلاد بنتها، كانت كل سنة تبعتلي صورة ورد أبيض وتحطها عند المكان اللي اتعمل باسم الطفلة في المستشفى.
أما الأوضة القديمة…
فماهر سألني:
— نعمل فيها إيه؟
دخلتها.
بصيت للسرير الصغير.
للصور.
للمكان اللي بدأ منه كل شيء.
قلت:
— ما نمسحش الماضي.
— يعني؟
— نخليه ذكرى… مش .
احتفظنا بصندوق صغير لصور الطفلة وحاجاتها.
والباقي اتشال.
فتحنا الشباك.
دخلت الشمس.
واتغير الباب.
وبعد تلات سنين…
كنت واقفة في نفس الطرقة.
لكن المرة دي ماكانش فيه خبط مرعب.
كان فيه صوت ضحك.
طفل صغير بيجري ناحية المطبخ.
وماهر وراه بيقوله:
— بالراحة يا حبيبي!
ضحكت.
وشلت ابننا قبل ما يقع.
ماهر بصلي.
— فاكرة أول يوم جيتي هنا؟
قلت:
— للأسف.
— كنتِ عايزة تهربي.
بصيت للبيت.
ثم لابني.
ثم له.
وقلت:
— كنت فاكرة إن الحرية معناها ألاقي باب مفتوح وأجري منه.
— ودلوقتي؟
ابتسمت.
— دلوقتي عرفت إن الحرية إن محدش يختار الباب بدالي.
وفي الليلة دي، بعد ما نام ابننا، مشيت في الطرقة.
وقفت قدام الباب اللي كان يومًا ممنوعًا عليا.
فتحته.
دخل نور الصالة للغرفة.
ماكانش فيه خبط.
ولا أسرار.
ولا خوف.
قفلت الباب بهدوء.
مش بالمفتاح.
لأن بعض الأبواب بنقفلها علشان نخبي الحقيقة…
وبعضها بنقفلها ببساطة…
لأن الحكاية خلصت.
تمت
“أنا ما اتجوزتش علشان كنت بحبه… اتجوزته علشان أهرب. لكن لما رجعتله، رجعت علشان لأول مرة في حياتي كنت حرة أختار.”
لكل واحدة افتكرت يومًا إن النجاة معناها إلى أول باب مفتوح… اختاري نفسك أولًا، لأن البيت الحقيقي مش المكان اللي إليه، بل المكان اللي ندخله بإرادتنا، ونعيش فيه من غير خوف.
ممنوع نسخ الرواية أو إعادة نشرها دون إذن الكاتبة.



