بنتي الوحيده حكايات اسما السيد 2

فضلت باصة لها وأنا حاسة إن وداني سمعت حاجة مستحيل تكون حقيقية.
— إيه اللي إنتِ قولتيه ده؟
بنتي كانت واقفة قدامي، وشها شاحب، والطفل في بيعيط، والراجل اللي دخل الأوضة باصص لنا كأنه مستني اللحظة دي من سنين.
قالت وهي بتبكي:
— عندك بنتين يا ماما.
ضحكت ضحكة قصيرة، متوترة، وقلت:
— لأ.
هي قربت خطوة.
— ماما…
— لأ!
بصيت للدكتور.
— هي تعبانة، صح؟ بتخرف؟ عندها حاجة في المخ؟
الدكتور اتردد.
لكن بنتي هزت راسها.
— أنا مش بخرف.
بصيت لها تاني.
— أنا ولدت مرة واحدة.
حطيت إيدي على صدري.
— وأنا فاكرة اليوم ده كويس جدًا.
— عارفة.
— خلفتك إنتِ بس.
سكتت.
— الدكتور نفسه قال بنت واحدة.
نزلت عينيها.
— الدكتور قالك اللي كانوا عايزينك تعرفيه.
التفت للراجل بسرعة.
— مين “هما”؟
الراجل قال:
— الكلام ده مش مكانه هنا.
بنتي صرخت فيه:
— إنت مالكش دعوة!
بصلها بنظرة خلتها تسكت.
النظرة دي وحدها كانت كفاية تخليني أفهم إنها مرعوبة منه.
وقفت قدامها أكتر.
— متبصلهاش كده.
رفع إيده.
— أنا مش جاي أعمل مشكلة.
قلت:
— أمال داخل علينا بالطريقة دي ليه؟
— علشان آخد الطفل.
بنتي حضنت البيبي لصدرها.
— مش هتاخده.
قال بهدوء مخيف:
— ده مش قرارك.
أنا بصيت للطفل.
وبعدين لبنتي.
— مين الطفل ده؟
قالت:
— ابن أختي.
— أختك اللي أنا عمري ما شوفتها؟
هزت راسها.
— أيوه.
قلت:
— اسمها إيه؟
سكتت.
— اسمها إيه؟!
بصت للراجل.
هو قال:
— مفيش داعي.
لفيت ناحيته.
— أنا سألت بنتي.
سكت.
بنتي همست:
— اسمها سلمى.
الاسم نزل عليا كأنه حجر.
مش علشان أعرف حد بالاسم ده.
لكن علشان كان فيه حاجة بعيدة جدًا في ذاكرتي اتحركت.
اسم سمعته قبل كده.
من سنين طويلة.
قبل حتى ما بنتي تكبر.
فضلت أكرر:
— سلمى…
بنتي لاحظت.
— فاكرة الاسم؟
بصيت لها.
— لأ.
لكن الحقيقة إني كنت حاسة إني سمعته.
الراجل اتحرك ناحية الباب.
— كفاية لحد هنا.
بنتي قالت:
— لا. مش كفاية.
بصلها بعصبية.
— إنتِ مش فاهمة اللي بتعمليه.
— أنا فاهمة كويس.
— بعد تلتاشر سنة افتكرتي تبقي شجاعة؟
وشها اتوجع.
وأنا لفيت له.
— إنت مين بالظبط؟
بصلي.
ما ردش.
بنتي قالت:
— فاكرة لما كنت صغيرة وكان فيه راجل بييجي لنا كل فترة؟
اتجمدت.
بدأت صور قديمة تطلع في دماغي.
راجل كان ييجي فعلًا.
مش كتير.
كل كام شهر.
مرة يقول إنه صاحب قديم لجوزي.
مرة يجيب هدية لبنتي.
مرة يساعدنا في إجراء ورق.
أنا عمري ما ارتحت له.
لكن جوزي كان دايمًا يقول:
— الراجل ده وقف جنبي كتير.
بصيت للراجل.
— إنت…
ابتسم ابتسامة باهتة.
عرفته.
مش بس من الجنازة.
من قبلها بسنين.
قلت:
— إنت صاحب أبوها.
قال:
— كنت.
بنتي قالت:
— لأ يا ماما.
صوتها كان فيه غضب.
— هو عمره ما كان صاحبه.
الراجل ضرب كف بكف.
— خلاص بقى.
لكنها كملت:
— هو كان شغال معاه.
قلت:
— شغال معاه في إيه؟
سكتت.
— أبوكي كان موظف عادي.
ضحكت بمرارة.
— ده اللي كان بيقولهولك.
حسيت قلبي انقبض.
— يعني إيه؟
بنتي بصتلي.
— بابا كان عنده شغل تاني.
قلت:
— شغل إيه؟
الراجل قال:
— إنتِ مش محتاجة تعرفي كل حاجة.
قلت:
— وأنا اللي هحدد أنا محتاجة أعرف إيه.
الدكتور تدخل:
— أنا شايف إن الوضع بدأ يبقى غير آمن. لو فيه خلاف عائلي…
الراجل بص له.
— دي مسألة عائلية فعلًا.
قلت:
— لأ.
بصيت للممرضة.
— لو سمحتي، استدعي الأمن.
الراجل ابتسم.
— أمن؟
قلت:
— أيوه.
— إنتِ لسه زي ما إنتِ.
— وإنت واضح إنك لسه فاكر إنك تخوفني.
بنتي بصتلي بإعجاب ممزوج بالخوف.
الممرضة خرجت بسرعة.
الراجل قرب من بنتي.
أنا وقفت قدامه.
قال:
— أنا مش هأذيها.
قلت:
— هي بتترعش أول ما تشوفك.
سكت.
— يبقى عملت لها إيه؟
بنتي انفجرت:
— هو اللي خدني!
الأوضة كلها سكتت.
بصيت لها.
— خدك؟
هزت راسها.
— ليلة .
الراجل قال:
— ماكانش بالطريقة اللي بتقوليها.
صرخت فيه:
— اخرس!
بصتلي بنتي.
— أنا ما متش في الحادثة.
— عارفة.
— وأنا كمان ماكنتش في العربية اللي اتحرقت.
قلت:
— صاحبتك كانت مكانك.
هزت راسها.
— كانت لابسة جاكتي.
— وشنطتك؟
— كانت معاها.
— ليه؟
قعدت على السرير.
الطفل بدأ يهدى.
قالت:
— إحنا كنا متخانقين.
— إنتِ وصاحبتك؟
— لأ.
بصت للراجل.
— أنا وبابا.
اسمه وحده لما جه في الكلام خنقني.
جوزي مات بعد بنتي بأربع سنين.
مات وهو مريض وحزين.
على الأقل ده اللي كنت فاكرة.
قلت:
— أبوكي؟
— أيوه.
— خناقة على إيه؟
بلعت ريقها.
— كنت اكتشفت حاجة.
الراجل قال بعصبية:
— كفاية.
بنتي تجاهلته.
— كنت لقيت أوراق في مكتب بابا.
— أوراق إيه؟
— شهادة ميلاد.
اتجمدت.
— لمين؟
— لسلمى.
رجلي بردت.
قالت:
— الاسم كان كامل.
وذكرت اسم جوزي كأب.
بصيت لها.
— مستحيل.
قالت:
— واسم الأم…
وسكتت.
— مين؟
عينيها اتحولت لشفقة.
أنا كرهت النظرة دي.
— قولي.
قالت:
— اسمك إنتِ.
اتسعت عيني.
ضحكت.
— لأ.
— أنا شوفت الورقة.
— مزورة.
— افتكرت كده.
— أكيد مزورة.
— بس لقيت بعدها ورقة تانية.
— إيه؟
— تقرير ولادة.
بدأ نفسي يتسارع.
هي قالت:
— مكتوب فيه إن الولادة كانت لتوأم.
حطيت إيدي على راسي.
فجأة رجعت لليلة الولادة.
كنت تعبانة جدًا.
نزيف.
تخدير.
صحيت بعد ساعات.
الدكتور قاللي إن البنت كويسة.
حضنتها.
بكيت.
عمري ما سألت: فين التانية؟
لأني أصلًا ماكنتش أعرف إن فيه تانية.
قلت:
— بس طول الحمل كانوا بيقولوا جنين واحد.
الراجل اتكلم لأول مرة بصوت أهدى:
— زمان الأجهزة ماكانتش بالدقة دي.
بصيت له.
— وإنت عارف ليه؟
سكت.
بنتي قالت:
— لأنه كان موجود.
لفيت ناحيته.
— موجود فين؟
بنتي قالت:
— يوم ولادتي.
حسيت الغرفة بتضيق.
— إنت كنت هناك؟
هو قال:
— كنت قريب من والدها.
قلت:
— ليه محدش قاللي؟
بنتي بدأت تبكي.
— لأن أختي اتاخدت.
قلت:
— اتاخدت من مين؟
سكتت.
الراجل رفع عينه.
— من أبوها.
بصيت له.
— جوزي؟
هز راسه.
أنا صرخت:
— بتكدب!
قال:
— هو اللي خد القرار.
— ليه؟!
— لأنه كان فاكر إن كده هيحميكم.
ضحكت وأنا ببكي.
— يحمي مين؟ ياخد بنتي مني علشان يحميني؟
بنتي قالت:
— الموضوع أكبر.
لفيت لها.
— أكبر من إن راجل يسرق بنت من أمها؟
قالت:
— بابا كان عليه دين.
— دين فلوس؟
قالت:
— لأ.
الراجل قعد على الكرسي.
كأنه استسلم أخيرًا.
— جوزك دخل في شغل مع ناس غلط.
قلت:
— شغل إيه؟
سكت ثانية.
— تهريب أموال.
الدكتور بص له بذهول.
لكن أنا ما اهتمتش.
كملت:
— وجوزي كان إيه علاقته بطفلة رضيعة؟
قال:
— لما حاول يخرج من الشغل، هددوه بعيلته.
بنتي قالت:
— فسلّم لهم واحدة من بناته؟
الراجل قال بسرعة:
— ما سلّمهاش!
— أمال عمل إيه؟!
قال:
— خبّاها عند ناس كان واثق فيهم.
أنا حسيت إني هقع.
— يعني سلمى اتربت بعيد عني؟
قال:
— أيوه.
— وأنا كنت في نفس المدينة؟
— في الأول.
دموعي نزلت.
— وهي كانت تعرفني؟
الراجل ما ردش.
بنتي ردت:
— لأ.
الجملة وجعت أكتر من أي حاجة.
قعدت.
— عمرها كام دلوقتي؟
بنتي قالت:
— قدّي.
ضحكت وسط بكائي.
— أكيد.
فضلت ساكتة لحظات.
وبعدين افتكرت الطفل.
بصيت له.
— هي فين؟
بنتي حضنته.
وسكتت.
قلبي وقع.
— سلمى فين؟
بنتي بصت للدكتور.
هو قال:
— الحالة اللي جات بيها حضرتك…
أنا قاطعته:
— أنا بسأل عن سلمى.
بنتي بدأت تعيط جامد.
قلت:
— ماتت؟
هزت راسها بسرعة.
— لأ.
تنفست.
لكنها كملت:
— معرفش.
— يعني إيه معرفيش؟
قالت:
— اختفت من أسبوع.
الراجل قام.
— علشان كده أنا هنا.
بنتي قالت:
— إنت آخر واحد شافها.
قال:
— مش صحيح.
— كداب!
قرب منها.
— أنا حاولت أحميها.
قالت:
— زي ما حميتني؟
سكت.
أنا بصيت لبنتي.
— إنتِ عرفتي أختك إمتى؟
قالت:
— بعد .
— يعني إيه؟
— الراجل ده خدني ليلة الحادثة.
بصت له.
— قاللي لو رجعتلك، هيموتوكي.
أنا فتحت بوقي ومطلعش صوت.
كملت:
— خدوني مكان بعيد.
— مين؟
— هو وناس تانيين.
الراجل قال:
— أنا خرجتك من البلد علشان أنقذك.
صرخت:
— وسايبني أدفن واحدة تانية وأصدق بنتي ماتت؟!
قال:
— لو كانوا عرفوا إنك تعرفي إنها عايشة كانوا رجعوا يدوروا عليها.
قلت:
— كان ممكن تقولولي بعد سنة! بعد اتنين!
سكت.
قلت وأنا ببكي:
— تلتاشر سنة؟
بنتي همست:
— أنا حاولت أرجع.
بصيت لها.
— إمتى؟
— بعد خمس سنين.
— ليه ما رجعتيش؟
بصت للراجل.
— وروني صورك.
— صور إيه؟
— صور بيتك.
— وبعدين؟
— صور بابا وهو مريض.
سكتت.
— وقالولي إن أي خطوة مني هتأذيكم.
غمضت عيني.
جوزي.
كان بيتعب فعلًا في الفترة دي.
وأنا فاكرة إن الحزن هو السبب.
قلت:
— أبوكي كان عارف إنك عايشة؟
بنتي ما ردتش.
بصيت لها.
— كان عارف؟
هزت راسها.
— أيوه.
دي كانت الضربة اللي كسرتني.
— طول السنين دي؟
— أيوه.
— وكان بيعيط قدامي؟
سكتت.
— كان بيزور قبرك؟
— ماما…
— كان بيمثل؟!
الراجل قال:
— هو كان موجوع فعلًا.
لفيت له.
— ماتكلمنيش عنه!
أنا افتكرت ليالي كاملة كان فيها جوزي صاحي قدام صورة بنتنا.
كان يقول:
— يا ريتني كنت مكانها.
وأنا أصدقه.
كنت أضمه.
وأواسيه.
طلع عارف إنها عايشة.
قلت:
— ليه؟
بنتي قالت:
— هو اللي طلب منهم يعلنوا وفاتي.
— ليه؟
قالت:
— علشان يدفن القصة.
الراجل قال:
— والبنت اللي ماتت كانت لازم يتعرف عليها بسرعة قبل ما حد يراجع التفاصيل.
بصيت له.
— يعني زورتوا موت بنتي؟
سكت.
قلت:
— وزورتوا أوراق؟
قال:
— حصل.
— ودفنتوا بنت تانية باسمها؟
قال:
— حصل.
رفعت إيدي وصفعته.
الصوت دوى في الأوضة.
هو ما اتحركش.
قال:
— من حقك.
قلت:
— حقي أكبر من كده بكتير.
الأمن وصل عند الباب.
الدكتور خرج يكلمهم.
الراجل مسك حقيبته.
قال:
— قبل ما أمشي، فيه حاجة لازم تعرفيها.
قلت:
— مش عايزة منك حاجة.
قال:
— لو عايزة تلاقي سلمى، لازم تسمعيني.
بنتي قالت:
— ما تصدقيهوش.
هو طلع من جيبه ظرف صغير.
حطه على الترابيزة.
— دي كانت عندها قبل ما تختفي.
بنتي بصت للظرف.
وشها اتغير.
— جبتها منين؟
قال:
— من بيتها.
— دخلت بيتها؟
— بعد اختفائها.
أنا فتحت الظرف.
جواه صورة قديمة.
رفعتها.
كانت صورة لجوزي.
واقف جنب الراجل ده.
وبينهم ست شايلة طفلتين رضيعتين.
اتجمدت.
قربت الصورة من عيني.
الست…
كنت أنا.
قلت:
— دي أنا.
بنتي قربت.
— دي أول مرة أشوف الصورة دي.
أنا شايلة طفلتين.
مش واحدة.
الصورة لوحدها كانت كفيلة تقتل آخر ذرة شك جوايا.
قلبت الصورة.
كان فيه كلام مكتوب وراها بخط جوزي.
“لو حصل لي حاجة، الحقيقة عند فؤاد.”
بصيت للراجل.
— فؤاد مين؟
وشه تغير.
لأول مرة الخوف ظهر عليه هو.
قال:
— أنا مش فؤاد.
قلت:
— أمال مين؟
سكت.
— وإنت مين؟
فتح بوقه.
لكن قبل ما يتكلم، تليفون بنتي رن.
رقم مجهول.
بصت للشاشة.
وشها شحب.
— نفس الرقم.
قلت:
— رقم مين؟
— اللي كلمني امبارح قبل ما أغمى عليا.
ردت.
حطت التليفون على ودنها.
— ألو؟
سكتت.
وبعدين اتسعت عينيها.
ناولتي التليفون بسرعة.
— عايزك إنتِ.
أخدته.
قلت:
— ألو؟
صوت ست كان بيهمس.
— ماما؟
جسمي كله اتجمد.
الصوت ماكانش صوت بنتي اللي قدامي.
كان صوت تاني.
شبهه.
لكن أهدى.
قلت:
— مين؟
الست بدأت تبكي.
— أنا سلمى.
حسيت إن الزمن وقف.
قلت:
— إنتِ فين؟
سمعت صوت نفسها سريع.
وبعدين قالت:
— متصدقيش أي حد في الأوضة.
بصيت لبنتي.
بصيت للراجل.
الصوت كمل:
— حتى أختي.
بنتي شهقت.
قلت:
— ليه؟
وقبل ما ترد، سمعت صوت باب بيتفتح عندها.
ثم صوت راجل بعيد:
— قفلتي التليفون ولا لسه؟
سلمى همست بسرعة:
— ماما… الشخص اللي أخدني من المستشفى يوم ولادتي…
سكتت ثانية.
— هو موجود قدامك دلوقتي.
رفعت عيني ناحية الراجل.
لكنه كان بيهز راسه بعنف.
— لأ.
سلمى كملت:
— وماتخليهوش يمشي.
ثم الخط اتقفل.
بصيت للباب.
الراجل كان اختفى.
صرخت:
— الأمن! اقفلوا المستشفى!
لكن بنتي مسكت إيدي فجأة.
قلت:
— سيبيني!
قالت وهي مرعوبة:
— ماما…
— إيه؟!
بصت للظرف المفتوح على الترابيزة.
— الصورة دي ناقصة.
قلت:
— ناقصة إزاي؟
رفعتها.
هي أشارت للزاوية.
كان واضح إن جزءًا من الصورة مقصوص.
قالت:
— كان فيه شخص رابع واقف جنب بابا.
قلت:
— مين؟
بنتي رفعت عينيها لي.
وقالت الجملة اللي خلتني أنسى الراجل الهارب، وأنسى سلمى، وأنسى حتى الطفل.
— نفس الدكتور اللي كتب شهادة وفاتي من تلتاشر سنة.
سكتت.
وبعدين أضافت:
— وهو نفس الدكتور اللي قالك يوم ولادتي إنك خلفتي بنت واحدة.
يتبع…




