عام

بنتي الوحيده حكايات اسما السيد 4

مريم فضلت واقفة ورايا، حاضنة الطفل بقوة، وعينيها متعلقة بالدكتور.

— أنا مين؟

الدكتور ابتسم.

— إنتِ البنت التالتة.

فؤاد اتحرك خطوة ناحيته.

— إنت لسه بتلعب نفس اللعبة؟

الدكتور بصله باحتقار.

— وإنت لسه فاكر إنك بقيت ملاك لمجرد إن ضميرك صحي بعد عشرين سنة؟

أنا صرخت:

— محدش هيتكلم غير لما أفهم!

بصيت للدكتور.

— يعني إيه البنت التالتة؟

قال:

— الليلة اللي ولدتي فيها، كان فيه تلات أطفال في نفس الجناح.

— وأنا ولدت كام؟

قال بمنتهى البرود:

— ده السؤال اللي كان المفروض تسأليه من تلاتين سنة.

مريم قالت:

— جاوبها.

ابتسم لها.

— واحدة.

قلبي اتقبض.

— إنت بتكدب.

— ليه أكذب دلوقتي؟

رفعت جواب جوزي.

— لأن جوزي كتب إن كان فيه تبديل.

قال:

— جوزك كان يعرف نص الحقيقة.

أشار للفلاشة.

— ولو عايزة النص التاني، افتحي دي.

بصيت للفلاشة اللي كانت جوه الخزنة.

فؤاد قال بسرعة:

— ماتصدقيهوش.

الدكتور ضحك.

— افتحيها يا فؤاد. ولا خايف تعرف إنت كمان مين البنت اللي ربيتها؟

فؤاد سكت.

أنا حطيت الفلاشة في اللابتوب القديم الموجود فوق مكتب قريب.

اشتغلت.

كان عليها ملفات كتير.

أسماء.

تواريخ.

صور شهادات ميلاد.

تقارير طبية.

وفيه مجلد واحد باسمي.

فتحته.

أول ملف كان تسجيل صوتي.

ضغطت تشغيل.

وصوت جوزي طلع.

أنا حرفيًا نسيت أتنفس.

“لو بتسمعي التسجيل ده، يبقى غالبًا أنا مت، وده معناه إنهم ما سابوليش فرصة أصلح اللي عملته.”

دموعي نزلت.

مريم قربت مني.

الصوت كمل:

“الحقيقة إن مراتي ولدت بنتين.”

بصيت للدكتور.

ابتسامته اختفت.

مريم همست:

— توأم.

التسجيل كمل:

“الدكتور قاللي إن واحدة منهم حالتها خطيرة، وإنها ممكن ماتعيش. بعد ساعات قاللي إنها ماتت.”

أنا حطيت إيدي على بوقي.

“لكن بعد سنين عرفت إنها ما ماتتش.”

الدكتور اتحرك ناحية الجهاز.

فؤاد وقف قدامه.

— مكانك.

التسجيل كمل:

“البنت اللي خدوها كانت سلمى.”

مريم بصتلي.

أنا بدأت أعيط.

“ومريم هي بنتنا التانية، وهي اللي عاشت معانا.”

صرخت وأنا ببص للدكتور:

— سمعت؟!

قال ببرود:

— تسجيل سهل يتفبرك.

لكن صوت جوزي كمل:

“ولو الدكتور حاول يقول إن التسجيل كدب، هتلاقوا في الملف تحليل DNA معمول من غير علمه.”

مريم شهقت.

فتحت الملف اللي بعده.

كان تقرير تحليل قديم.

اسمي.

اسم جوزي.

واسم بنتي.

مريم.

النسبة مثبتة بوضوح.

هي بنتنا.

مريم شافت النتيجة…

وانهارت.

قالت وهي بتعيط:

— أنا بنتك؟

سيبت الجهاز وحضنتها.

— إنتِ بنتي.

— متأكدة؟

— أكتر حاجة بقيت متأكدة منها في الدنيا.

الدكتور خبط عصايته في الأرض.

— كفاية تمثيلية عاطفية.

لفيت له.

— وسلمى؟

ملامحه اتغيرت.

فؤاد قال:

— جاوبها.

التسجيل لسه شغال.

صوت جوزي قال:

“سلمى كمان بنتنا.”

الدكتور صرخ:

— اقفلي التسجيل!

عرفت وقتها.

دي أول مرة أشوفه خايف بجد.

كملت.

“التحليل التاني موجود في الملف باسم S2.”

فتحته.

نفس النتيجة.

سلمى بنتي.

أنا قعدت على الكرسي.

— بنتين…

مريم مسكت إيدي.

— قلتلك.

أنا ضحكت وسط دموعي.

— فعلًا عندي بنتين.

الدكتور قال:

— ده كله قديم.

بصيتله.

— قديم؟ إنت  بنتي.

صوت جوزي كمل:

“الدكتور ماكانش عنده بنت في الجناح أصلًا. البنت التالتة كانت ليلى.”

مريم رفعت راسها.

— ليلى؟

التسجيل:

“أم ليلى ولدت في نفس الليلة، وماتت بعد الولادة. ليلى دخلت دور رعاية، وبعد سنين القدر جمعها بمريم من غير ما حد يعرف.”

مريم بدأت تهز راسها.

— علشان كده ليلى كانت شبهنا شوية…

التسجيل كمل:

“لما حصلت الحادثة، استغلوا وجود ليلى علشان يعملوا تبديل جديد. أعلنوا موت مريم، واستخدموا هوية ليلى.”

أنا قلت:

— بس لو ليلى عايشة، مين اتدفن؟

التسجيل وقف.

الدكتور ابتسم.

— هنا بقى الجزء اللي جوزك ماعرفوش.

وفجأة…

صوت ست جه من آخر الممر:

— أنا اللي هقوله.

كلنا لفينا.

كانت ست واقفة عند الباب.

في منتصف التلاتينات.

وشها فيه أثر جرح قديم ناحية رقبتها.

مريم بصت لها…

وجسمها كله اتجمد.

— ليلى؟

الست دموعها نزلت.

— وحشتيني.

مريم سابت الطفل معايا وجريت عليها.

حضنتها.

الاتنين فضلوا يعيطوا.

أنا كنت ببصلهم وأنا مش فاهمة.

قلت:

— إنتِ فعلًا ليلى؟

قالت:

— أيوه.

— إنتِ اللي حطيتي الورقة في العربية؟

هزت راسها.

— أنا اللي حطيتها.

— وجهاز التتبع؟

— لأ.

بصت للدكتور.

— ده كان من ناسه.

الدكتور قال:

— شاطرة. وصلتي في الوقت المناسب.

ليلى بصت له بكره.

— المرة دي إنت اللي اتقفلت عليك الأبواب.

ضحك.

— إنتِ متخيلة إنكم خرجتوا من هنا فعلًا؟

فؤاد قال:

— يعني إيه؟

الدكتور رفع موبايله.

— الباب الخارجي اتقفل.

مريم رجعت ناحية الطفل.

أنا قلت لليلى:

— مين في القبر؟

بصتلي.

— محدش.

— يعني إيه؟

— الجثمان اللي اتدفن باسم مريم كان لفتاة مجهولة الهوية من حادث تاني. بعدها بفترة، الناس اللي زوروا الأوراق شالوه قبل أول تحقيق داخلي.

قلت:

— وسلمى فتحت القبر ليه؟

— علشان تثبت إن القبر فاضي.

— وإنتِ كنتي معاها؟

— أيوه.

— فين سلمى دلوقتي؟!

ليلى بصت ناحية باب حديد في آخر الممر.

— هنا.

مريم شهقت.

— هنا؟!

ليلى قالت:

— لقيناها من ساعتين.

أنا جريت ناحية الباب.

الدكتور وقف قدامي.

— مش هتروحي في حتة.

أنا بصيتله.

— ابعد.

ابتسم.

— إنتِ لحد دلوقتي مش فاهمة قيمة الطفل اللي في حضنك.

بصيت للرضيع.

— مش فارق معايا قيمته عندك.

— ده المفتاح الوحيد اللي يخلي سلمى تسكت.

مريم صرخت:

— ليه؟!

قال:

— لأنها سرقت السجل الأصلي.

فؤاد قال:

— سجل الأطفال.

الدكتور هز راسه.

— كل الأسماء. كل الحالات. كل اللي حصل من أول يوم.

ليلى قالت:

— والنسخة وصلت للنيابة.

لأول مرة وش الدكتور وقع.

— إيه؟

ليلى ابتسمت.

— افتكرت إننا جايين هنا من غير ما نكون مأمنين نفسنا؟

طلع صوت بعيد.

سيرينة.

وبعدين صوت حركة فوق.

الدكتور بص حواليه.

— إنتوا عملتوا إيه؟

ليلى قالت:

— سلمى بعتت الملفات قبل ما تمسكوها.

— مستحيل.

— وهي اللي بلغت.

فؤاد قال:

— والشرطة؟

ليلى ردت:

— مستنية إشارتي.

الدكتور جري ناحية الباب.

لكن فؤاد مسكه.

الاتنين وقعوا على الأرض.

مريم صرخت.

أنا ضميت الطفل.

وفجأة الدكتور طلع سكينة صغيرة من جيبه.

صرخت:

— فؤاد!

فؤاد مسك إيده.

مريم ضربت زر إنذار الحريق على الحيطة.

الصوت ملأ المكان.

الدكتور صرخ:

— إنتوا مش عارفين بتدمروا إيه!

أنا قربت منه.

— بنرجع اللي إنت دمرته.

سمعنا صوت رجال بينزلوا السلم.

— شرطة! محدش يتحرك!

الدكتور حاول يفلت.

لكن فؤاد ثبته.

اتنين من الضباط دخلوا.

وراهم فريق طبي.

ليلى أشارت ناحية الباب الحديد.

— البنت جوه!

جريت معاهم.

الباب اتفتح.

وكانت فيه أوضة صغيرة.

وعلى سرير معدني…

ست نايمة.

وشها شاحب.

شعرها طويل.

وفي إيدها كانيولا.

وقفت مكاني.

قلبي عرفها قبل عيني.

سلمى.

فتحت عينيها بصعوبة.

بصت ناحيتي.

ثواني طويلة.

وقالت:

— ماما؟

أنا رميت كل حاجة من إيدي تقريبًا وجريت عليها..

مكنتش أعرف أعيط ولا أضحك.

— أنا هنا.

هي انهارت.

— افتكرت مش هلحق أشوفك.

— شوفتي.

— سامحيني.

— إنتِ اللي تسامحيني.

قالت:

— على إيه؟

— إني معرفتش إنك موجودة.

هزت راسها.

— إنتِ ماكنتيش تعرفي.

مريم دخلت.

وقفت عند الباب.

سلمى شافتها.

ابتسمت.

— أهو كده اتجمعنا.

مريم جريت عليها..

وأنا  الاتنين.

تلتاشر سنة وأنا فاكرة إني فقدت بنت.

وفي يوم واحد…

رجعتلي بنتين.

بعدها بدأت الحقيقة تطلع واحدة واحدة.

الدكتور كان جزء من شبكة كبيرة بتزور أوراق مواليد ووفيات من أكتر من تلاتين سنة.

أطفال بيتسجلوا بأسماء مختلفة.

حالات بتختفي من السجلات.

وفيات وهمية.

وهويات جديدة.

جوزي دخل معاهم في البداية علشان الفلوس.

وبعدين لما اتورط، معرفش يخرج.

يوم ولادتي…

الدكتور أخد سلمى.

وقال لجوزي إنها ماتت.

وبعد سنين، لما جوزي اكتشف إنها عايشة عند فؤاد، سكت.

خاف.

وخوفه اتحول لجريمة في حقي وفي حق بنته.

لما مريم اكتشفت الأوراق وهي عندها واحد وعشرين سنة، واجهته.

وفي نفس الليلة حصلت الحادثة.

لكنها نجت.

والشبكة استغلت الحادث علشان تمحي هويتها.

أما ليلى…

فكانت راكبة عربية تانية.

الناس اللي كانوا بيتحكموا في الموضوع أخفوها هي كمان، لأنها شافت حاجات ماكانش المفروض تشوفها.

سنين طويلة عدت قبل ما تقدر تهرب.

وسلمى…

كبرت عند فؤاد.

هو كان فاكر إن أهلها ماتوا.

لحد ما اكتشف الحقيقة.

أما الطفل…

فطلع ابن كريم فعلًا.

تحليل النسب أكد ده بعد كده.

كل حكاية “ابن الدكتور” كانت كدبة زرعها الدكتور نفسه علشان يخلي الكل يجري ورا الطفل ويبعد عن السجل.

كريم اتقبض عليه بعد ما ثبت إنه ساعد في احتجاز سلمى لما حاولت تفضح الشبكة.

والدكتور؟

اتحاكم.

ومعاه ناس كتير.

وفؤاد شهد بكل اللي يعرفه.

ماخرجش بريء من القصة.

لكنه على الأقل وقف آخر مرة في الناحية الصح.

عدت شهور.

في يوم من الأيام كنت واقفة في المطبخ.

سمعت صوتين بيتخانقوا في الصالة.

مريم بتقول:

— أنا الكبيرة.

سلمى ردت:

— بتلات دقايق بس، ماتعيشيش الدور.

مريم قالت:

— تلات دقايق يخلوكي تحترميني.

سلمى ضحكت.

— حاضر يا تيته.

خرجت لهم.

— إنتوا الاتنين هتتخانقوا من أول الصبح؟

الطفل كان بيزحف على الأرض بينهم.

ليلى قاعدة على الكنبة بتضحك.

بصيت للمشهد كله…

وسكت.

مريم لاحظت.

— مالك يا ماما؟

قلت:

— ولا حاجة.

سلمى قالت:

— بتعيطي ليه؟

مسحت دموعي.

— أصل البيت صوته عالي.

مريم ضحكت.

— ما إنتِ كنتِ طول عمرك بتقولي البيت الهادي وحش.

بصيت لها.

— كنت بقول كده؟

قالت:

— زمان.

سلمى قربت مني.

— طب دلوقتي رأيك إيه؟

بصيت لهم.

بنت كنت بدفنها كل أسبوع في قلبي من تلتاشر سنة.

وبنت عمري ما عرفت إنها اتولدت.

وحفيدي بيلعب قدامي.

قلت:

— دلوقتي؟

ابتسمت.

— دلوقتي نفسي الصوت ده مايسكتش أبدًا.

مريم حضنتني من ناحية.

وسلمى من الناحية التانية.

والطفل شد في هدومي من تحت.

ضحكت.

لأول مرة من تلتاشر سنة…

ضحكتي ماكانش وراها إحساس بالذنب.

بالليل دخلت أوضتي.

فتحت الدرج.

طلعت آخر صورة كنت محتفظة بيها لبنتي قبل “وفاتها”.

فضلت أبص لها.

وبعدين حطيت جنبها صورة جديدة.

أنا.

مريم.

سلمى.

الطفل.

وليلى اللي بقت جزء من عيلتنا رغم إنها ماكانتش أختهم بالدم.

قفلت الدرج.

وقبل ما أطفي النور…

سمعت مريم بتنادي:

— ماما!

وسلمى قالت بعدها:

— ماترديش عليها، أنا محتاجاكي الأول!

ضحكت.

وفتحت الباب.

لأن فيه كلمات بنسمعها كل يوم وما نعرفش قيمتها…

إلا لما نفتكر إننا فقدنا حقنا نسمعها.

وأنا…

بعد تلتاشر سنة كاملة من الصمت…

بقى عندي صوتين بينادوني:

— ماما.

تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى