شقيقتي الكبري حكايات اسما السيد

لقيت أختي راكعة على الأرض بتفرك البلاط، ولما قربت لها كرسيها المتحرك، بصّتلي برجاء وقالت:
— بسرعة… قبل ما يزعلوا.
أبويا وأمي كانوا بيقولوا إنها لازم «تتعب عشان تستاهل أكلها»، رغم إنهم كانوا بياخدوا كل شهر فلوس مخصصة لرعايتها.
أنا أخدتها ومشيت من غير ما أدخل معاهم في نقاش.
وبعد ساعات، فتحت أوراق الوصية والصندوق الاستئماني اللي جدتي كانت سايباه… واكتشفت بند عمرهم ما تخيلوا إني هستخدمه ضدهم.
الجزء الأول
— البنت اللي بتنضف موجودة ورا.
أبويا قال الجملة دي وهو بيظبط رابطة عنقه، استعدادًا لحفل كان رايح يستلم فيه جايزة باعتباره «أب مثالي ومُكرّس لرعاية ابنته».
وصلت بيت العيلة بدري عن معاد الحفلة بحوالي ساعتين.
أبويا وأمي كانوا متوقعين إني أوصل بعد ما الضيوف يجوا، والورد يتوزع، وكل واحد فيهم يلبس ابتسامته المزيفة.
بس آخر كام مرة حاولت أزور أختي، كانوا دايمًا يلاقوا حجة.
مرة يقولوا:
— سارة تعبانة.
ومرة:
— البيت فيه تصليحات ومينفعش حد يدخل.
عشان كده المرة دي روحت من غير ما أقولهم.
قلت وأنا داخلة:
— عايزة أساعد سارة تجهز للحفلة.
أمي، نادية، بصّت لأبويا، سامح.
وقالت ببرود:
— مشغولة.
بصيتلها باستغراب.
— مشغولة في إيه؟
ردت:
— بتساعد في التنضيف… لازم تحس إنها ليها لازمة.
وفي اللحظة دي…
سمعت صوت جاي من آخر البيت.
كحت… توقف…
كحت… توقف…
صوت فرشة بتحتك في الأرض.
مشيت ناحية الصوت.
وأول حاجة شفتها كانت كرسي سارة المتحرك.
متساب جنب الحيطة، بعيد عنها بحوالي مترين، والفرامل مقفولة.
وبعدين شفتها هي.
كانت راكعة على ركبتها فوق فوطة مبلولة، وبتفرك البلاط بفرشة صغيرة.
إيديها كانوا محمرين من المية والكلور.
سارة عندها اتنين وعشرين سنة، وعندها شلل دماغي مأثر بشكل كبير على رجليها.
لكن عقلها سليم.
بتفهم، وبتدرس، وبتكتب، وبتعرف تاخد قراراتها بنفسها.
المشكلة الوحيدة إنها ما كانتش تقدر تقوم بأمان من أرض مبلولة وتوصل لكرسي متساب بعيد عنها بالشكل ده.
قلت بصوت مخنوق:
— سارة؟
اتخضّت.
لكن الغريب إنها ما بصتش عليا الأول…
بصّت ناحية باب الأوضة.
وبعدين همست:
— ممكن تقربيلي الكرسي بسرعة… قبل ما يعرفوا؟
نزلت على ركبتي جنبها.
— إنتِ بتعملي إيه يا سارة؟
قالت بسرعة:
— رياضة.
بصيت في عينيها.
— متكدبيش عليا… قولي الحقيقة.
وفجأة سمعنا صوت أبويا من قدام البيت وهو بيزعق:
— لسه تحت الترابيزة يا سارة!
إيدها شدت على الفرشة.
وساعتها قالت بصوت واطي:
— بيقولوا لازم أستاهل اللي بصرفه… لازم أتعب عشان آكل.
حسيت إن الغضب جوايا اتحول لحاجة ساقعة جدًا.
حاجة أخطر من العصبية.
ساعدتها ترجع لكرسيها، بالطريقة اللي هي قالتلي عليها.
لكن أول ما خلصنا…
لقيت أبويا وأمي واقفين قدامنا.
أبويا قال بغضب:
— إنتِ دايمًا بتنقذيها! عشان كده عمرها ما هتعتمد على نفسها!
وقفت وبصيتله.
— فين المساعدة اللي كانت بتيجي لها؟
سكتوا.
بصيت لأمي.
— فين المساعدة؟
قالت بعد لحظة:
— مشيت.
— إمتى؟
— من فترة.
— وأنا بحول فلوس كل شهر للرعاية والعلاج الطبيعي والمواصلات!
سارة بصّتلي باستغراب.
— إنتِ… إنتِ اللي كنتِ بتدفعي الحاجات دي؟
بصيتلها.
— طبعًا.
نزلت عينيها وبقت تلعب في الإسورة الزرقا اللي كنت عاملالها لها وإحنا صغيرين.
وبعدين قالت:
— هم قالولي إنك زهقتي من الصرف عليا… وإنك لو فضلت أعمل مشاكل، هتبطلي تساعديني.
بصيت لأبويا.
— فين العلاج الطبيعي؟
سكت.
— وفين العربية أو المواصلات اللي كنت بدفع تمنها؟
ولا كلمة.
— والكورس اللي كانت هتدخله عشان تجهز للجامعة؟
أمي قالت ببرود:
— كل ده مكلف جدًا.
ضحكت ضحكة قصيرة من الصدمة.
لأن كل شهر…
كان بيجيلي تقرير مفصل.
مكتوب فيه إن المساعدة شغالة.
والعلاج منتظم.
والمواصلات متوفرة.
والكورس بدأ بالفعل.
كل حاجة كانت موجودة على الورق.
بس…
ولا حاجة منهم كانت موجودة في الحقيقة.
أبويا بص في ساعته وقال:
— بلاش تعملي مشكلة دلوقتي. النهارده ناس مهمة جاية تكرمنا على كل اللي عملناه عشان أختك.
بصيت لسارة.
وقربت منها.
— عايزة تفضلي هنا؟
عينيها راحت لأبويا وأمي.
وساعتها همست:
— لا…
وسكتت لحظة.
وبعدين قالت:
— عايزة أروح معاكي.
أخدتها ومشيت.
من غير خناقة.
من غير تهديد.
ومن غير ما أقول كلمة زيادة.
في نفس الليلة، وإحنا قاعدين في فندق مجهز لذوي الإعاقة، كانت سارة نايمة بهدوء لأول مرة من فترة طويلة.
أما أنا…
ففتحت الملف اللي جدتي، الحاجة إليسا، كانت سايباه قبل ما تموت.
ملف الصندوق الاستئماني.
وقعدت أقرأ.
وفي لحظة…
حسيت إن نفسي اتقطع.
البيت اللي أبويا وأمي عايشين فيه…
ما كانش ملكهم أصلًا.
البيت كان جزء من ممتلكات مخصصة لسارة وحدها.
وهم مسموح لهم يعيشوا فيه بشرط واحد:
إنهم يوفروا لها رعاية آمنة، حقيقية، وقابلة للإثبات.
لكن ده ما كانش كل حاجة.
لقيت بند أخطر.
من ست أسابيع بس، يوم ما أنا كملت خمسة وعشرين سنة…
انتقلت ليّا رسميًا صلاحية إدارة الصندوق الاستئماني.
يعني…
أنا اللي بقى في إيدي القرار.
وأبويا وأمي؟
كانوا طول الوقت بيتصلوا بيا ويقولوا:
— بيتنا.
لكن الحقيقة إنهم ما كانوش عايشين في بيتهم أصلًا.
كانوا عايشين في بيت البنت اللي كانوا بيجبروها تركع على الأرض…
عشان «تستاهل أكلها».
وبمجرد ما عرفت الحقيقة…
بدأت أجهز لأول قرار.
قرار…
ما كانوش هيتخيلوا أبدًا إني عندي القدرة آخده.
واللي حصل بعد كده…
#حكايات_الكاتبه_أسما_السيد
خلّى أبويا يندم على كل مرة قال فيها إن سارة «عبء».
الجزء الثاني
صحيت الصبح قبل سارة بحوالي ساعة.
ما كنتش نمت غير ساعتين بالكثير.
ملف الصندوق الاستئماني كان مفتوح قدامي على الترابيزة، والورق حواليه في كل مكان.
كل ما أقرأ بند، ألاقي اللي بعده أخطر.
جدتي ما كانتش سايبة بيت لسارة وبس.
كانت سايبة نظام كامل معمول علشان يحميها.
البيت.
مبلغ شهري للرعاية.
مصاريف العلاج.
مصاريف الدراسة.
وحتى حساب منفصل للطوارئ.
لكن طول السنين اللي فاتت، أبويا وأمي كانوا بيتعاملوا مع الفلوس دي كأنها حق مكتسب ليهم.
والأسوأ؟
لقيت كشوف حسابات قديمة.
أرقام كبيرة اتسحبت.
مصاريف مكتوب قدامها:
“جلسات علاج.”
“مساعدة منزلية.”
“وسيلة انتقال مجهزة.”
“دورات تعليمية.”
لكن لما رجعت للتواريخ…
بعضها كان في أيام سارة أصلًا ما خرجتش فيها من البيت.
وأنا عرفت ده لأن سارة كانت كل يوم تقريبًا بتبعتلي رسالة أو صورة.
قلبت الصفحة.
لقيت إيصالات من مطاعم فخمة.
حجوزات فنادق.
مقدم عربية جديدة.
والغريب إنهم كلهم متسجلين تحت بند:
“احتياجات المستفيدة.”
رفعت عيني عن الورق.
وقلت لنفسي:
— يعني العربية الجديدة اللي بابا اشتراها السنة اللي فاتت… كانت من فلوس سارة؟
في اللحظة دي سمعت صوت ورايا.
— عربية إيه؟
لفيت.
سارة كانت واقفة عند باب الأوضة بكرسيها، شعرها منكوش شوية من النوم.
بصيتلها.
— صباح الخير.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
— هو في صباح خير فعلًا؟
قربت منها.
— من النهارده… هيبقى فيه.
سارة بصت للورق.
وشها اتغير.
— دي أوراق تيتة؟
هزيت راسي.
— أيوه.
سكتت.
وبعدين قالت:
— بابا كان بيقول إن تيتة سابت البيت ليه.
قلت:
— لأ.
بصتلي.
— لأ إيه؟
— البيت ملكك إنتِ.
ضحكت ضحكة قصيرة، كأنها افتكرت إني بهزر.
لكن لما ما ضحكتش معاها، ابتسامتها اختفت.
— ملكي أنا؟
— أيوه.
— طب هما ساكنين فيه ليه؟
— لأن تيتة سمحتلهم يعيشوا فيه طول ما هما مسؤولين عن رعايتك.
سارة فضلت ساكتة.
وبعدين قالت الجملة اللي كسرت قلبي:
— طب ما هما كانوا بيقولولي إن أنا اللي عايشة عندهم رحمة منهم.
قربت منها ومسكت إيدها.
— سارة، اسمعيني كويس… البيت بيتك. والفلوس فلوسك. والدراسة حقك. والعلاج حقك. ومحدش بيعمل فيكي جميلة.
عينيها اتمليت دموع.
لكنها ما عيطتش.
قالت:
— طب ليه تيتة ما قالتليش؟
— يمكن كانت مستنية لما تكبري. ويمكن كانت فاكرة إنهم هيحافظوا على الأمانة.
سارة بصت بعيد.
وبصوت هادي قالت:
— تيتة كانت بتحبهم… ودي كانت غلطتها الوحيدة.
قبل ما أرد، موبايلي رن.
بابا.
بصيت للشاشة.
سارة شافت الاسم.
وشها اتشد.
قلت:
— مش لازم أرد.
لكنها قالت:
— ردي.
فتحت المكالمة وحطيتها على السماعة.
صوت بابا جه عالي:
— إنتِ أخدتي أختك ومشيتي بيها من غير إذننا؟!
قلت بهدوء:
— سارة عندها اتنين وعشرين سنة. مش محتاجة إذن منك علشان تمشي.
— إنتِ بتلعبي بالنار.
— لا يا بابا… أنا بقرأ ورق.
سكت ثانيتين.
صوته اتغير.
— ورق إيه؟
ابتسمت من غير ما أحس.
— ورق تيتة.
الصمت اللي حصل في الناحية التانية كان كفاية.
سمعت نفس أمي في الخلفية وهي بتقول:
— قلتلك من زمان نقفل الموضوع ده!
بابا رفع صوته:
— اسمعيني، أي ورق عندك مالوش قيمة من غيرنا.
قلت:
— غريبة.
— إيه اللي غريب؟
— إن المحامي اللي كتب الصندوق الاستئماني شايف غير كده.
سمعت صوت حركة قوية.
— إنتِ كلمتي محامي؟!
— لسه.
سكت.
— لكن هكلمه بعد ما أقفل معاك.
قفل المكالمة في وشي.
سارة بصتلي.
وقالت:
— هو خاف.
قلت:
— أخيرًا.
بعد ساعتين، كنا قاعدين في مكتب محامية اسمها منى الشناوي.
ست في أواخر الأربعينات، نظارتها رفيعة، وصوتها هادي جدًا.
قلبت الورق صفحة صفحة.
وسألت سارة بنفسها:
— هل إنتِ عايزة ترجعي تعيشي مع والديك؟
سارة قالت فورًا:
— لأ.
— هل في حد ضغط عليكي عشان تقولي كده؟
— لأ.
— هل إنتِ فاهمة إن ليكي حق تختاري مكان إقامتك وطريقة الرعاية المناسبة ليكي؟
سارة رفعت دقنها.
— فاهمة.
المحامية ابتسمت.
وبعدين بصتلي.
— البند واضح جدًا.
قلت:
— يعني إيه؟
— يعني والديكم فقدوا شرط الإقامة في البيت من اللحظة اللي ثبت فيها إن الرعاية لم تعد آمنة أو مناسبة.
سارة سألت:
— يعني ممكن يمشوا؟
المحامية ردت:
— قانونيًا، الموضوع محتاج إجراءات، مش هنطرد حد في الشارع في ساعة. لكن إدارة الصندوق تقدر تبدأ فورًا إجراءات إنهاء حقهم في الإقامة.
قلت:
— وأنا المسؤولة عن الإدارة دلوقتي؟
— أيوه.
وبعدين قلبت ورقة تانية.
وسكتت.
بصيتلها.
— في إيه؟
قالت:
— في مشكلة أكبر.
— إيه؟
رفعت كشف حساب.
— واضح إن فيه مصروفات كبيرة جدًا تم سحبها باسم رعاية سارة.
قلت:
— وأنا لاحظت ده.
— لو ثبت إن المصروفات دي مالهاش علاقة بيها، فالموضوع مش مجرد خلاف عائلي.
سارة سألت:
— يبقى إيه؟
المحامية بصتلها بحذر.
— ممكن يبقى إساءة استخدام لأموال مخصصة ليكي.
سارة بلعت ريقها.
قلت:
— عايزة مراجعة كل جنيه.
المحامية قالت:
— ده معناه إن الموضوع هيكبر.
قلت:
— هما اللي كبروه من زمان.
بعد الضهر، أول إخطار رسمي وصل البيت.
إخطار بمراجعة إدارة أموال الصندوق.
وتجميد أي سحب جديد لحين انتهاء المراجعة.
بعد عشر دقايق بالظبط…
أمي اتصلت.
ما ردتش.
اتصلت تاني.
وتالت.
وبعدين بعتت رسالة:
“إحنا أهلك. ما تفضحيناش.”
قريت الرسالة لسارة.
سكتت شوية.
وبعدين قالت:
— الغريب إنهم ما قالوش “ما تظلميناش”.
بصيتلها.
كملت:
— قالوا “ما تفضحيناش”.
وفي اللحظة دي…
عرفت إن أختي بدأت تفهم حاجة أهم من كل الفلوس.
إن خوفهم الحقيقي…
ما كانش من ضياع البيت.
كان من ظهور الحقيقة.
لكن اللي ما كناش نعرفه وقتها…
إن في نفس الليلة، بابا هيعمل حركة أخطر بكتير.
حركة كان فاكر إنها هتخليه يسبقنا بخطوة.
لكنها بدل ما تنقذه…
هتثبت بنفسها كل اللي كنا بندور عليه.
الجزء الثالث
الساعة كانت قربت على 11 بالليل لما المحامية اتصلت بيا.
— ما تناميش.
قلت:
— حصل إيه؟
— والدك حاول يسحب مبلغ كبير من الحساب المرتبط بالصندوق.
قعدت في مكاني.
— قد إيه؟
قالت الرقم.
حسيت إني سمعت غلط.
— إنتِ متأكدة؟
— أيوه. والتحويل اترفض لأن الحساب اتحط تحت المراجعة.
سارة كانت قاعدة قدامي.
أول ما شافت وشي سألت:
— عمل إيه؟
قلت:
— حاول يسحب فلوس.
سارة ضحكت بمرارة.
— حتى دلوقتي؟
المحامية كملت:
— وفي حاجة تانية. البنك عنده طلب تحويل متسجل قبل ساعات من وصول الإخطار.
— لمين؟
سكتت المحامية لحظة.
— لشركة باسم والدتك.
قفلت عيني.
أمي طول عمرها بتقول إنها ست بيت.
قلت:
— شركة إيه؟
— شركة خدمات رعاية منزلية.
فتحت عيني.
— إيه؟
— اتأسست من حوالي سنتين.
سارة قربت بكرسيها.
— اسمها إيه؟
المحامية قالت الاسم.
سارة اتجمدت.
— أنا عارفة الاسم ده.
بصيتلها.
— منين؟
— ده الاسم اللي كان مكتوب على ورقة المساعدة اللي كانوا بيقولولي إنها بتيجي وأنا نايمة أو في الجامعة.
قلت:
— بس إنتِ ما كنتيش في الجامعة أصلًا.
قالت:
— بالظبط.
المحامية قالت:
— يعني في احتمال إنهم كانوا بيصدروا فواتير رعاية عن طريق شركة مرتبطة بوالدتك.
حطيت إيدي على جبيني.
كل حاجة بقت أوضح.
لكن أبشع.
شركة وهمية.
فواتير.
فلوس رايحة من صندوق سارة…
لشركة أمي.
سارة قالت:
— يعني هم كانوا بياخدوا فلوسي… وبيقولولي إني عبء؟
ما عرفت أرد.
لأن مفيش جملة تنفع تتقال في موقف زي ده.
تاني يوم الصبح، لقينا بابا واقف عند الفندق.
مش عارفة عرف مكاننا إزاي.
كان لابس بدلة الحفل بتاعت امبارح.
بس بدل الجايزة في إيده…
كان ماسك ظرف.
وقف قدامي.
— عايز أتكلم مع سارة.
قلت:
— سارة هي اللي تقرر.
بص ورايا.
سارة كانت عند باب الاستقبال.
قال:
— سارة، تعالي نروح البيت.
هي ما تحركتش.
— البيت بتاع مين يا بابا؟
ملامحه اتغيرت.
— إيه الكلام ده؟
— سألتك… البيت بتاع مين؟
بصلي.
— إنتِ مليتي دماغها.
سارة قالت بصوت أعلى:
— أنا بسألك أنا.
لف لها.
— ده بيت العيلة.
— الورق بيقول إنه بيتي.
أبويا حاول يضحك.
— ورق إيه يا بنتي؟ دي حاجات معقدة، إنتِ مش فاهمة فيها.
سارة اتنفست ببطء.
— أنا مش فاهمة؟
— قصدي…
قاطعته:
— الشركة بتاعة ماما اسمها إيه؟
وشه شحب.
كانت أول مرة أشوف بابا من غير رد جاهز.
قال:
— إنتِ مالك بالكلام ده؟
سارة رفعت حاجبها.
— مالي؟ دي فلوسي.
أبويا قرب منها خطوة.
لكن أنا وقفت بينه وبينها.
قاللي:
— ابعدي.
قلت:
— لأ.
رجع بص لسارة.
— إحنا تعبنا معاكي سنين.
ردت:
— أنا ما طلبتش منك تستخدم فلوسي وتقوللي إنك بتصرف عليا من جيبك.
— إحنا أبوكي وأمك!
قالت:
— وده كان المفروض يخليني أثق فيكم أكتر… مش أخاف منكم أكتر.
الصمت نزل بينا.
وفجأة بابا رمى الظرف على الترابيزة.
— خدي.
فتحته.
ورقة تنازل.
بصيتله.
— دي إيه؟
— سارة تمضي إنها موافقة تسيب إدارة الصندوق ليا زي الأول… ونقفل الموضوع.
سارة ضحكت.
ضحكة حقيقية المرة دي.
وقالت:
— إنت جيت الفندق علشان تخليني أمضي إني أديك فلوسي؟
بابا اتعصب.
— متتكلميش بالطريقة دي!
سارة ردت بهدوء:
— لأ. من النهارده هتكلم بالطريقة اللي أنا عايزاها.
وبعدين مدت إيدها.
مسكت الورقة.
قطعتها نصين.
وبعدين أربع حتت.
وحطتها قدامه.
— روح.
بابا بصلي.
— إنتِ هتندمي.
قلت:
— الجملة دي قولها لنفسك.
ومشي.
لكن وهو خارج…
سارة قالت:
— بابا.
وقف.
لف.
قالت:
— الجايزة اللي خدتُها امبارح…
سكتت لحظة.
— رجعها.
بعد أربع أيام، لجنة المراجعة لقت أكتر مما توقعنا.
فواتير علاج طبيعي لسارة…
في أيام كانت فيها العيادة مقفولة.
مصروفات انتقال…
في تواريخ العربية كانت أصلًا في الصيانة.
رواتب لمساعدة منزلية…
باسم ست ماتت من سنة ونص.
والأخطر:
أكتر من تحويل مالي اتحول مباشرة لحساب الشركة اللي باسم أمي.
المحامية حطت التقرير قدامي.
— ده كفاية نتحرك رسمي.
قلت:
— اعملي كل المطلوب.
سارة كانت هادية بشكل غريب.
المحامية سألتها:
— إنتِ كويسة؟
قالت:
— لأ.
وبعدين ابتسمت.
— بس لأول مرة حاسة إني هبقى كويسة.
الإجراءات بدأت.
وحق أبويا وأمي في الإقامة بالبيت اتعلق لحد ما يتم تقييم الوضع.
اتمنعوا من استخدام أي أموال تخص الصندوق.
وفي نفس الأسبوع…
الجهة اللي كرمت بابا كـ”أب مثالي” طلبت مراجعة الترشيح بعد ما وصلها شكوى رسمية مدعومة بالمستندات.
أبويا اتصل بيا وهو بيصرخ:
— إنتِ اللي بلغتيهم؟!
قلت:
— أنا بعتلهم الحقيقة.
— إنتِ عايزة تدمري اسمي؟
— اسمك مش مسؤوليتي.
— أنا أبوكي!
— وسارة بنتك.
سكت.
قلت:
— بس شكلك نسيت دي.
قفلت.
وأنا فاكرة إن كده وصلنا للقاع.
لكن بعد يومين…
سارة قالتلي إنها عايزة ترجع البيت.
بصيتلها بصدمة.
— ترجعي عندهم؟
قالت:
— لأ.
وبصتلي بثبات.
— أرجع بيتي.
الجزء الرابع
أول مرة سارة رجعت البيت، رجعت ومعاها محامية، ومختصة رعاية، وأنا.
أبويا وأمي كانوا لسه هناك لأن المهلة القانونية ما خلصتش.
أمي فتحت الباب.
أول ما شافت سارة، دموعها نزلت.
— حبيبتي!
سارة ما اتحركتش.
أمي حاولت تحضنها.
سارة رجعت الكرسي لورا.
قالت:
— لو سمحتي.
أمي وقفت مكانها.
— أنا أمك يا سارة.
— عارفة.
— وإحنا عمرنا ما قصدنا نضرك.
سارة بصت على الأرض.
نفس البلاط.
نفس المكان اللي كنت لاقياها فيه راكعة.
قالت:
— المكان ده فاكره؟
أمي سكتت.
— هنا قلتيلي إن الأكل مش ببلاش.
نادية قالت:
— كنت بحاول أعلمك المسؤولية.
سارة رفعت عينيها.
— المسؤولية إنك تسرقي فلوسي؟
أمي شهقت.
— عيب الكلام ده!
سارة قالت:
— العيب إنك تخافي من الكلمة أكتر من الفعل.
بابا ظهر من آخر الطرقة.
كان شكله مرهق.
قال:
— خلصنا تمثيل؟
بصيتله.
— إحنا جايين نعمل جرد للمحتويات الخاصة بسارة.
ضحك.
— محتويات إيه؟ البيت كله أنا اللي مجهزه.
المحامية فتحت الملف.
— حسب المستندات، جزء كبير من الأثاث تم شراؤه من حساب الصندوق.
بابا سكت.
المحامية كملت:
— بما في ذلك تجهيز الدور الأرضي، والمطبخ، وبعض الأجهزة.
أمي قالت:
— يعني هتاخدوا حتى الأجهزة؟!
سارة قالت:
— لأ.
كلنا بصينا لها.
قربت من أمي.
— أنا مش عايزة آخد كل حاجة.
أمي تنفست براحة.
سارة كملت:
— أنا عايزة آخد حقي بس.
وبعدين قالت:
— وعايزة الأوضة اللي قفلتوها عليا كل مرة كنت أرفض أعمل اللي بتقولوه.
أبويا صاح:
— كفاية كدب!
سارة ما خافتش.
قالت:
— عندي صور.
أبويا اتجمد.
سارة طلعت موبايلها.
— من سنة بدأت أصور.
فتحت مجلد.
صور لوجبات صغيرة جدًا محطوطة قدامها مع رسائل مكتوبة.
صور لكرسيها بعيد عنها.
صور لفواتير العلاج اللي عمرها ما راحتله.
ورسائل من أمي:
“لو اتكلمتي مع أختك عن الفلوس، هتزعليها منك.”
ورسالة من بابا:
“الناس اللي مش بتشتغل ما ينفعش تتشرط.”
أمي قعدت على أقرب كرسي.
بابا بص لسارة كأنه بيشوفها لأول مرة.
قال:
— كنتي بتصوري لنا؟
قالت:
— كنت بحاول أفتكر إني مش بتخيل اللي بيحصل.
الجملة سكتت البيت كله.
بعد أسبوعين، أبويا وأمي خرجوا من البيت.
ما كانش طرد في نص الليل.
ولا رمي هدوم في الشارع.
اتعمل كل شيء رسمي.
اتحدد لهم وقت ياخدوا متعلقاتهم الشخصية.
واتمنعوا من التصرف في أي ممتلكات تخص الصندوق.
أمي وهي خارجة وقفت قدام سارة.
قالت:
— بعد كل اللي عملناه علشانك…
سارة ردت:
— دي المشكلة.
— إيه؟
— إنكم لسه فاكرين إن الرعاية كانت فضل منكم.
وبعدين سكتت لحظة.
— دي كانت مسؤوليتكم.
مشت أمي.
أما أبويا، فوقف عند الباب.
بص حوالين البيت.
وقاللي:
— مبسوطة؟
قلت:
— لأ.
— أمال ليه عملتي كده؟
بصيت لسارة.
— علشان هي تبقى مبسوطة.
قال:
— هتكتشفي إنها مش هتعرف تعيش لوحدها.
سارة ردت من وراه:
— أنا مش لوحدي.
لف لها.
قالت:
— أنا عندي نفسي.
ومشي.
بعد خروجهم، بدأت التغييرات.
أول حاجة سارة طلبتها:
— شيلوا السجاد التقيل.
قالت إنه بيصعب حركة الكرسي.
بعدها طلبت تعديل الحمام.
وبعدين منحدر صغير للباب الخلفي.
وأوضة الدراسة اتحولت لمكتب ليها.
دخلت كورس الجامعة اللي كانوا بيقولوا إنه “مكلف”.
وبدأت جلسات العلاج تاني.
وأصرت تختار بنفسها المساعدة اللي هتشتغل معاها.
قالتلي:
— مش عايزة حد يعاملني كطفلة.
قلت:
— اختاري إنتِ.
اختارت بنت اسمها هدير، متخصصة في دعم الاستقلالية.
وأول يوم هدير جات فيه، سألت سارة:
— تحبي أساعدك في إيه؟
سارة بصتلي وضحكت.
لأن السؤال نفسه كان جديد عليها.
مش:
“إنتِ محتاجة إيه؟”
ولا:
“إنتِ ما تقدريش تعملي إيه؟”
لكن:
“تحبي أساعدك في إيه؟”
بعد شهر، وصل التقرير النهائي.
المبلغ اللي اتصرف من غير وجه حق كان أكبر مما تخيلنا.
والموضوع بقى رسمي.
أنا كنت مستعدة أكمل للنهاية.
لكن سارة طلبت مني نقعد لوحدنا.
قالت:
— أنا مش عايزة انتقام.
قلت:
— ده مش انتقام.
— عارفة.
سكتت.
— بس أنا عايزة حقي يرجع، وأضمن إنهم ما يقدروا يعملوا ده تاني.
قلت:
— ده اللي هيحصل.
— ومش عايزة أفضل طول عمري “البنت اللي أهلها أذوها”.
قربت منها.
— إنتِ أكتر من كده بكتير.
قالت:
— عشان كده عايزة نخلص، وبعدها أعيش.
هزيت راسي.
— هنعيش.
لكن آخر مفاجأة…
جات من مكان عمرنا ما توقعناه.
من صندوق صغير كان مدفون في دولاب جدتي.
وعليه ظرف واحد.
مكتوب بخط إيدها:
“لسارة… لما تكون مستعدة تعرف الحقيقة.”
الجزء الخامس والأخير
سارة فضلت حوالي ساعة باصة للظرف.
ما فتحتهوش.
قلت:
— لو مش عايزة دلوقتي، سيبيه.
قالت:
— لأ.
مسكت الظرف.
فتحته.
جواه رسالة قصيرة بخط جدتي.
بدأت تقرأ بصوت عالي:
“يا سارة،
لو الرسالة دي وصلتلك، يبقى غالبًا حاجات كتير حصلت بالطريقة اللي كنت خايفة منها.
أنا عارفة إنك أذكى من إن حد يقنعك إن قيمتك مرتبطة باللي تقدري تعمليه بجسمك.
إنتِ مش مشروع حد يصلحه.
ومش عبء.
ومش صدقة.
أنا عملت الصندوق ده علشان يبقى عندك اختيار.
ولو يومًا حد استخدم احتياجك للمساعدة علشان يسيطر عليكي، افتكري إن المساعدة حق، مش ثمن للكرامة.”
سارة وقفت عن القراءة.
دموعها نزلت.
مدتلي الورقة.
قلت:
— كملي.
هزت راسها.
— مش قادرة.
كملت أنا:
“أما البيت، فهو ليكي.
مش علشان تفضلي فيه طول عمرك.
لكن علشان يبقى عندك مكان محدش يقدر يقولك فيه: امشي.
لو حبيتي تبيعيه، بيعيه.
لو حبيتي تعيشي فيه، عيشي.
لو حبيتي تحوّليه لمكان يساعد غيرك، القرار قرارك.
أنا واثقة فيكي.”
سكت.
آخر سطر كان:
“كوني صاحبة قرارك، حتى لو القرار ما عجبش أقرب الناس ليكي.”
سارة أخدت الرسالة وحضنتها لصدرها.
قالت:
— هي كانت عارفة.
قلت:
— شكلها كانت حاسة.
سارة بصت حوالين البيت.
وبعدين قالت:
— أنا عرفت أنا عايزة أعمل إيه.
بعد ست شهور…
جزء من البيت اتغير تمامًا.
سارة ما باعتهوش.
عملت الدور الأرضي مركز صغير لدعم الشباب من ذوي الإعاقة اللي بيدوروا على تدريب وتعليم واستقلالية.
مركز مش علاجي.
ولا خيري بالمعنى اللي بيخلي الناس تحس إنهم بياخدوا صدقة.
سارة سمت المكان:
“اختيار”.
وفي يوم الافتتاح، كانت واقفة قدام الناس على كرسيها، ماسكة ميكروفون.
أنا كنت واقفة بعيد.
هدير جنبها.
ومجموعة من الطلبة اللي بدأت تساعدهم قدامها.
قالت:
— طول سنين، ناس كتير كانوا بيتكلموا عني كأني مش موجودة.
سكتت.
— يقولوا “هي محتاجة”، “هي ما تقدرش”، “هي عبء”، “هي لازم تشكرنا”.
بصت للناس.
— بس محدش كان بيسألني: “إنتِ عايزة إيه؟”
ابتسمت.
— المكان ده معمول علشان السؤال ده يتسأل.
التصفيق كان عالي.
وأنا ما قدرتش أمنع دموعي.
بعد الحفل، قربت منها.
قلت:
— فخورة بيكي.
ردت:
— أنا كمان فخورة بيا.
ضحكت.
— دي أحسن إجابة.
أما أبويا وأمي…
رجعوا جزء كبير من الأموال بعد تسوية ومراجعات طويلة.
واتفرضت عليهم قيود تمنعهم من إدارة أي شيء يخص الصندوق مرة تانية.
الجايزة اتسحبت رسميًا من أبويا.
والجهة اللي كانت هتكرمه نزلت بيان مقتضب قالت فيه إن المعلومات اللي تم الترشيح على أساسها ما كانتش دقيقة.
بابا ما اتصلش بيا بعدها شهور.
أمي كانت تبعت رسائل لسارة من وقت للتاني.
سارة ما قطعتش التواصل نهائي.
لكنها حطت شروط.
قالت لهم:
— هتكلموني باحترام.
— مفيش فلوس بينا.
— مفيش حد يدخل بيتي من غير إذني.
— وأي علاقة بينا هتتبني من الأول.
مرة أمي قالتلها:
— يعني هتحاسبينا طول العمر؟
سارة ردت:
— لأ.
— أمال إيه؟
— هحمي نفسي طول العمر.
وفي يوم، كنت أنا وسارة قاعدين في المطبخ.
هي بتعمل قهوة.
وأنا بتفرج عليها وهي بتحاول توصل للكوباية من الرف.
قمت علشان أجيبها.
قالت:
— استني.
وقفت.
حركت كرسيها ناحية الدولاب.
مدت أداة بسيطة كانت هدير جابتها لها.
ونزلت الكوباية بنفسها.
بصتلي بانتصار.
قلت:
— خلاص يا ستي، عرفت إنك تقدري.
قالت:
— لأ.
رفعت الكوباية.
— الفكرة مش إني أقدر أعمل كل حاجة لوحدي.
سكتت.
— الفكرة إني أنا اللي أقرر إمتى أعملها لوحدي وإمتى أطلب مساعدة.
قعدت قدامها.
قلت:
— تيتة كانت هتتبسط.
ابتسمت.
— عارفة.
وبعدين بصت للأرض.
نفس البلاط اللي كانت راكعة عليه من شهور.
قالت:
— فاكرة لما لقيتيني هنا؟
قلت:
— عمري ما هنسى.
قالت:
— أنا كمان.
رفعت عينيها ناحيتي.
— بس مش عشان أفتكر إني كنت ضعيفة.
— أمال؟
ابتسمت.
— عشان أفتكر اليوم اللي بطلت فيه أصدقهم.
سكتنا.
وبعدين ضحكنا.
لأن في النهاية…
أبويا كان طول عمره بيقول إن سارة عبء على البيت.
لكن الحقيقة؟
البيت كان ملك سارة.
والفلوس كانت فلوس سارة.
والحياة كانت حياة سارة.
والحاجة الوحيدة اللي عمرها ما كانت ملكهم…
كانت إرادتها.
#حكايات_الكاتبه_أسما_السيد
تمت.




