خذلان اسما السيد 2

ظللت أحدق في الجملة المكتوبة خلف الصورة: «كان المفروض تفضلي فاكرة إن أخوكي مات… وكان المفروض ياسين يفضل أعمى.» شعرت بيدي ترتجف. رفعت رأسي إلى ياسين. — الدكتور اللي عمل لك العملية… هو نفس الراجل اللي كان مع حسام بعد الحريق؟ أومأ ببطء. — اسمه دكتور فؤاد. التفت إلى كريم.
— وإنت تعرفه؟
لم يجب فورًا.
قلت:
— كفاية أسرار. لو فيه كلمة واحدة لسه مخبيينها عني، قولها دلوقتي.
جلس كريم وكأنه لم يعد قادرًا على الوقوف.
— فؤاد ماكانش مجرد دكتور.
— أمال كان مين؟
— شريك حسام.
توقفت أنفاسي.
بدأ كريم يحكي.
قبل الحريق بشهور، كان حسام يعمل على تطوير نظام بطاريات احتياطية لأجهزة طبية صغيرة. لم يكن اختراعًا ضخمًا كما تخيلت في البداية، لكنه كان مشروعًا واعدًا.
دكتور فؤاد هو الذي موّل التجارب الأولى.
لكن حسام اكتشف لاحقًا أن فؤاد يستخدم نماذج غير آمنة ويخفي نتائج اختبارات فاشلة حتى يحصل على تمويل أكبر.
وعندما رفض حسام الاستمرار، بدأت المشاكل.
قلت:
— والحريق؟
خفض كريم رأسه.
— أنا فعلًا عبثت بالبطارية بسبب خناقتي مع ياسين… بس اللي عملته ماكانش كفاية يخليها بالشكل اللي حصل.
سألت:
— عرفت ده إمتى؟
— بعدها بسنين.
نظر إلى ياسين.
— لقينا نسخة من تقرير فني قديم. البطارية كان فيها تعديل تاني، أخطر بكتير.
قال ياسين:
— حد كان عايز يمسح الأدلة اللي عند حسام.
شعرت بالغثيان.
— يعني فؤاد حاول أخويا؟
قال كريم:
— إحنا ماعندناش دليل إنه كان عايز . لكن عندنا سبب قوي نصدق إنه كان عايز يدمر الجهاز والملفات.
قلت:
— والنتيجة إن أخويا “مات”، وأنا اتحرقت، وياسين فقد نظره.
لم يرد أحد.
اتصلنا بالشرطة.
هذه المرة لم يسمح لي ياسين بأن نلمس الظرف أكثر من اللازم.
احتفظنا بالصورة والرسالة كما هما.
وفي صباح اليوم التالي، جلست أمام محقق وأخبرته قصة كنت أنا نفسي أجد صعوبة في تصديقها.
بعد ساعات، جاءت المفاجأة الأولى.
دكتور فؤاد لم يكن في المستشفى.
اختفى.
أما المفاجأة الثانية فكانت أكبر.
الصورة القديمة التي ظهر فيها حسام أمام المستشفى قادت الشرطة إلى سجل قديم باسم مختلف.
ومن ذلك الاسم…
وصلوا إلى عنوان.
قال لي المحقق:
— لازم تكوني مستعدة لاحتمال إن الشخص اللي هنلاقيه مايبقاش بالشكل اللي فاكره.
قلت:
— هو عايش؟
أجاب:
— عندنا سبب نعتقد كده.
بعد يومين، أخذوني إلى منزل صغير في مدينة ساحلية.
وقفت أمام الباب وأنا لا أشعر بقدمي.
ياسين كان معي.
لكنني طلبت منه الانتظار بعيدًا.
هذه المرة كنت أحتاج أن أدخل وحدي.
طرقت الباب.
لم يجب أحد.
طرقت مرة أخرى.
سمعت خطوات.
فتح الباب.
ظهر رجل في أواخر الأربعينيات.
شعره امتلأ بالشيب.
وكان هناك أثر حرق صغير يمتد من أذنه إلى عنقه.
لكنني لم أحتج إلى أكثر من ثانية.
عرفته.
همست:
— حسام؟
اتسعت عيناه.
أغلق عينيه.
وقال:
— يا ريتك ما كنتيش وصلتيلي.
صفعته.
لم أفكر.
رفعت يدي وصفعته بكل القوة التي بقيت بداخلي منذ عشر سنوات.
ثم انهرت في البكاء.
— إنت حي؟!
بكى هو الآخر.
— سلمى…
— سيبتني أدفنك وأنا مش لاقية جثتك! سيبتني أعيش كل السنين دي فاكرة إن أخويا مات!
قال:
— كنت بحميكي.
صرخت:
— كلكم بتحموني بالكذب!
كانت الجملة نفسها.
ياسين أخفى الحقيقة ليحميني.
حسام اختفى ليحميني.
وكل واحد منهم قرر بالنيابة عني ما الذي يحق لي معرفته.
قلت:
— عايزة الحقيقة كلها.
هذه المرة حصلت عليها.
خرج حسام من المنزل يوم الحريق حيًا، لكنه كان مصابًا.
وكان يعرف أن الملفات التي جمعها ضد فؤاد اختفت.
بعد يومين، جاء فؤاد إلى المستشفى.
هدده.
قال له إن ما حدث يمكن أن يتكرر.
وإن المرة القادمة لن تكون سلمى محظوظة.
أنا.
كنت التهديد.
قال حسام وهو يبكي:
— كنتِ بين الحياة والموت. الأطباء مش عارفين هتعيشي ولا لأ. لما قال لي إنه لو ظهرت تاني هيخلص عليكي… صدقته.
ساعده شخص كان يعرفه في السفر والاختفاء باسم مختلف.
أما خبر وفاته، فقد انتشر بسبب خطأ في التعرف على إحدى الجثث المتفحمة، ثم اختار حسام ألا يصححه.
قلت:
— ولا مرة حاولت تطمن عليا؟
فتح درجًا.
أخرج صندوقًا.
كان ممتلئًا بصور لي.
صور تخرجي.
صور قديمة من حسابات أقاربنا.
حتى صورة من خطوبتي على ياسين.
قال:
— كنت متابعك من بعيد.
أغلقت الصندوق .
— ده مش وجود يا حسام.
خفض رأسه.
قلت:
— كنت محتاجة أخويا، مش حد بيتفرج عليا من بعيد.
أما فؤاد، فقد عرف أن حسام لا يزال حيًا قبل عدة أشهر.
ولهذا اقترب من ياسين.
عندما عرف أن ياسين بدأ يبحث عن علاج جديد لعينيه، ظهر في حياته باعتباره الطبيب الذي يستطيع مساعدته.
والعملية نفسها كانت حقيقية.
نجحت فعلًا.
لكن هدف فؤاد لم يكن الرحمة.
كان يريد معرفة ما إذا كان ياسين قد احتفظ بأي دليل قديم من ليلة الحريق.
والأهم…
هل حسام تواصل معه؟
قال المحقق لاحقًا:
— لما شافكم بتتجوزوا، غالبًا خاف إن الماضي كله يتجمع في مكان واحد.
سألته:
— والرسالة اللي تحت الباب؟
قال:
— كانت تهديدًا. لكن كمان كانت غلطة.
لأن كاميرا العمارة سجلت الشخص الذي وضعها.
لم يكن فؤاد نفسه.
كان رجلًا يعمل معه.
ومن خلاله وصلوا إليه.
بعد ثلاثة أيام، تم العثور على فؤاد قبل محاولته مغادرة البلاد.
والتحقيق الذي بدأ بحريق قديم أُغلق باعتباره حادثًا…
فُتح من جديد.
لكن بقيت مشكلة واحدة لم تستطع الشرطة حلها نيابة عني.
ياسين.
بعد كل شيء، عدت إلى الشقة.
كان خاتم الزواج ما زال فوق الطاولة.
في المكان نفسه الذي تركته فيه.
وجدت ياسين جالسًا وحده.
لم يسألني عن حسام.
قال فقط:
— كويس؟
أجبته:
— حي.
ابتسم بحزن.
— الحمد لله.
جلست أمامه.
للمرة الأولى، كنت أنظر إلى عينيه وأنا أعرف أنه يراني.
كل تفصيلة.
كل ندبة.
كل أثر تركته النار.
قلت:
— عايزة أسألك سؤال، وتجاوبني من غير ما تحاول تقول الإجابة اللي تريحني.
— حاضر.
— أول مرة شفت وشي بعد العملية… اتصدمت؟
صمت.
كرهت صمته.
قلت:
— قول الحقيقة.
قال:
— أيوه.
شعرت بالألم القديم يعود.
لكنه أكمل:
— اتصدمت لأن الندوب كانت أكتر مما تخيلت.
خفضت عيني.
ثم قال:
— وبعد ثانيتين استغربت من نفسي.
نظرت إليه.
ابتسم.
— لأني كنت مستني إحساسي ناحيتك يتغير… وما اتغيرش.
بدأت عيناي تمتلئان بالدموع.
قال:
— كنت فاكر إن لما أشوفك، هكتشف حاجة جديدة عنك.
اقترب قليلًا.
— بس كل اللي حصل إني أخيرًا شفت الوش اللي أنا أصلًا بحبه.
قلت:
— ومع ذلك كذبت عليا.
— أيوه.
لم يدافع عن نفسه.
لم يقل إنه فعل ذلك من أجلي.
قال فقط:
— وأنا غلطت.
نظرت إلى الخاتم.
ثم سألته:
— لو رجع بيك الوقت؟
قال فورًا:
— كنت هقولك قبل الجواز إني بدأت أشوف.
— وعن الحريق؟
— من أول يوم عرفتك فيه.
سكت.
ثم أضاف:
— حتى لو كنتِ هتمشي.
قلت:
— كنت همشي.
ابتسم بحزن.
— عارف.
قلت:
— ويمكن كنت أرجع.
رفع عينيه نحوي.
— ويمكن لأ.
أومأ.
— وده كان حقك.
كانت تلك الجملة هي التي كنت أحتاج سماعها.
ليس «أنا عملت كده عشانك».
ولا «كنت خايف أخسرك».
فقط:
كان حقك تعرفي.
مددت يدي وأخذت الخاتم.
لكني لم أضعه في إصبعي.
قلت:
— مش هلبسه النهارده.
أومأ.
— براحتك.
— ومش هنسى اللي عملته.
— من حقك.
— ومش هسامحك في يوم وليلة.
— مش طالب منك.
وضعت الخاتم في حقيبتي.
قلت:
— هنبدأ من الأول.
سأل:
— يعني إيه؟
— يعني مفيش زوج وزوجة دلوقتي لمجرد إن فيه ورقة اتوقعت وفرح اتعمل.
نظرت إليه.
— لو عايزني، اكسب ثقتي تاني.
ابتسم وسط دموعه.
— حتى لو أخدت سنين.
قلت:
— ممكن تاخد.
مرت ثمانية أشهر.
حسام عاد إلى حياتي ببطء.
لم تصبح كما كانت.
ربما لن تصبح أبدًا.
لكننا بدأنا نتعلم كيف نكون أخًا وأختًا من جديد.
أما كريم، فاعترف بكل ما فعله في البطارية القديمة وتعاون مع التحقيق.
لم يكن بريئًا.
لكنه لم يعد يهرب من ذنبه.
وفؤاد واجه التحقيق في الأدلة التي ظهرت بشأن الحريق والتهديدات والتلاعب بالمشروع القديم.
أما أنا…
فبدأت شيئًا لم أتوقعه.
توقفت عن تغطية رقبتي.
في البداية داخل البيت.
ثم أمام حسام.
ثم في الشارع.
وفي أحد الأيام، وقفت أمام المرآة طويلًا.
كانت المرة الأولى منذ الحريق التي أنظر فيها إلى نفسي دون أن أبحث عن الجزء السليم من وجهي.
نظرت إلى كل شيء.
الجلد غير المستوي.
العلامات.
الندوب.
ثم قلت لنفسي:
— أنا نجيت.
لم أقل إنني جميلة.
ولم أقل إن الندوب جعلتني أقوى.
لم أكن بحاجة إلى تحويل ألمي إلى شيء جميل حتى أستحق الحياة.
كنت فقط…
أنا.
بعد عام كامل، أخذني ياسين إلى المكان الذي التقينا فيه لأول مرة.
جلسنا على المقعد نفسه.
قال:
— عندي سؤال.
ضحكت.
— لو طلعت مخبي مصيبة جديدة همشي.
ضحك.
ثم أخرج شيئًا من جيبه.
الخاتم.
نفس خاتم زواجنا.
كنت قد أعطيته له قبل أشهر وقلت له:
— لما تحس إننا جاهزين، اسألني من جديد.
أمسك يدي.
لكنه لم يضع الخاتم فيها.
قال:
— سلمى… تتجوزيني؟
ابتسمت.
قلت:
— المرة دي وإنت شايفني؟
نظر مباشرة إلى عيني.
— المرة دي وأنا شايفك.
سكت لحظة.
ثم أضاف:
— وكل يوم قبلها كنت شايفك برضه… بس بطريقة تانية.
مددت يدي.
وضع الخاتم في إصبعي.
قلت:
— موافقة.
ثم ضحكت:
— بس مفيش فرح تاني. آخر فرح لينا كان .
بعد سنوات، سألني أحدهم سؤالًا غريبًا:
— إنتِ حبيتي ياسين لأنه كان أعمى؟
فكرت طويلًا.
ثم قلت:
— في البداية يمكن كنت مطمنة لأنه مش شايف ندوب وشي.
لكنني فهمت بعد ذلك أنني كنت مخطئة في شيء أهم.
المشكلة لم تكن يومًا أن ياسين قد يراني.
المشكلة كانت أنني كنت خائفة من أن أُرى.
كنت مقتنعة أن من يشاهد ندبي كاملة لن يستطيع أن يحبني كاملة.
لكن ياسين استعاد بصره.
ورأى وجهي.
ورأى ندوبه هو أيضًا.
ورأينا الأكاذيب والخوف والأخطاء التي حاول كل منا إخفاءها.
وفي النهاية، اكتشفت أن الحب الحقيقي ليس أن تجد شخصًا لا يستطيع رؤية عيوبك.
الحب الحقيقي أن يراك شخص بكل وضوح…
ثم يترك لك الحرية الكاملة في أن تراه هو أيضًا كما هو.
بلا أسرار.
بلا شفقة.
وبلا خوف.
وفي إحدى الليالي، كنا نستعد للنوم عندما مرر ياسين أصابعه على الندبة الممتدة عند رقبتي.
ابتسم وقال:
— فاكرة أول ليلة؟
ضحكت.
— للأسف.
قال:
— قلتلك يومها إنك أجمل من اللي كنت متخيله.
— أيوه.
سألته:
— ولسه شايف كده؟
اقترب وقبّل الندبة بهدوء.
ثم قال:
— لأ.
رفعت حاجبي.
فضحك.
وقال:
— دلوقتي مش محتاج أتخيل.
أطفأت النور.
ولأول مرة منذ الحريق…
لم أفكر إن كان الظلام يخفي وجهي أم لا.
لأنني أخيرًا لم أعد أريد الاختباء.
تمت.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



