قبل موعدي حكايات اسما السيد 1

عدتُ قبل موعدي بثمانية أشهر، فوجدت زوجتي والدتي البالغة من العمر 77 عامًا، بينما كانت العاملة تحميها بجسدها. ابتسمت زوجتي وقالت: «أنا بس كنت بعلمها الأدب.» لكنها لم تكن تعرف أن الكاميرات الخفية سجلت شيئًا أسوأ بكثير… «قلتلك ما ترديش عليّا يا ست إنتِ!» كانت تلك أول جملة سمعتها عندما دخلت بيتي بعد شهور طويلة من العمل خارج البلاد.
لم ألحق حتى أن أغلق الباب.
سقطت حقيبتي في مدخل المنزل، وركضت ناحية المطبخ وأنا أتبع صوت صراخ أمي.
كنت قد عدت قبل الموعد الذي أخبرت به زوجتي بثلاثة أيام، لأنني أردت أن أفاجئها. اشتريت لها باقة ورد في طريقي إلى المنزل، وكنت أتخيل فرحتها عندما تراني أمامها فجأة.
لكن باقة الورد سقطت من يدي عندما رأيت المشهد.
كانت أمي، البالغة من العمر 77 عامًا، ملقاة على الأرض بجوار كرسيها المتحرك، وغطاء رأسها ملتف حول ذراعها، والخوف يملأ وجهها.
أما زوجتي فكانت واقفة أمامها، ترفع ملعقة خشبية كبيرة في يدها وكأنها تستعد من جديد.
وبينهما، كانت عاملة المنزل التي كنت قد استعنت بها لمساعدة أمي جاثية على الأرض.
كانت فتاة في الخامسة والعشرين تقريبًا، ملابسها ملطخة، وهناك جرح واضح فوق حاجبها…
ومع ذلك، كانت تغطي أمي بجسدها لتحميها من .
صرخت بأعلى صوتي:
«إنتِ بتعملي إيه؟! نزلي اللي في إيدك فورًا!»
التفتت زوجتي إليّ ببطء.
لثانية واحدة فقط، رأيت الرعب في عينيها.
رعب شخص تم ضبطه متلبسًا بشيء لم يكن يتخيل أن يُكتشف.
لكنها سرعان ما استعادت هدوءها وابتسمت.
نفس الابتسامة المثالية التي كانت تظهر بها أمام العائلة وفي الصور والمناسبات.
قالت:
«حبيبي… إنت رجعت بدري! والدتك بس عملت مشكلة تاني. إنت عارف كبار السن ساعات بيبقوا إزاي… أنا كنت بس بحاول أعلمها تتصرف كويس.»
مدت أمي يدها المرتعشة وأمسكت بملابس العاملة.
ثم همست بصوت ضعيف:
«بتحبسني… وبتسيبني من غير مية… وبتقولي إني حمل عليها.»
ضحكت زوجتي بسخرية وقالت:
«يا حبيبي، متصدقش الكلام ده. والدتك مشوشة وبتتخيل حاجات من وقت تعبها، وإنت عارف ده.»
نظرت إليها وكأنني أرى امرأة غريبة ترتدي وجه زوجتي.
قبل سفري للعمل، جاءت أمي للعيش معنا بعد تعرضها لوعكة صحية أثرت على حركتها.
كانت تستطيع الكلام وتناول الطعام بمفردها، لكنها كانت تحتاج إلى المساعدة في الاستحمام، وتناول أدويتها، والتحرك داخل المنزل.
وكانت زوجتي هي من أصرت وقتها أنها تستطيع الاعتناء بها.
قالت لي وهي تمسك يدي:
«دي والدتك… يعني والدتي. إحنا عيلة واحدة.»
ومع ذلك، استعنت بعاملة منزل لمساعدة أمي.
ليس لأنني كنت أشك في زوجتي، بل لأنني لم أرد أن أضع المسؤولية كلها على عاتقها.
لكن زوجتي غضبت من الفكرة منذ البداية.
كانت تقول إن وجود شخص غريب في المنزل غير ضروري، وإنني بذلك أجعلها تبدو كأنها زوجة سيئة.
الآن فقط فهمت لماذا كانت تريد البقاء وحدها مع أمي.
أخرجت هاتفي واتصلت بالإسعاف والشرطة.
اتسعت عينا زوجتي.
«إنت بتعمل إيه؟!»
قلت:
«بطلب إسعاف لأمي.»
قالت بعصبية:
«متبقاش سخيف! إنت عامل مشكلة كبيرة على حاجة تافهة.»
نظرت إليها وقلت:
«المشكلة إنتِ اللي عملتيها.»
وأثناء حديثي في الهاتف، كانت العاملة لا تزال تحتضن أمي.
لاحظت كدمة واضحة حول معصم والدتي.
وشفتيها كانتا جافتين بشدة.
كما كان هناك طبق طعام لم يُلمس موضوعًا فوق طاولة بعيدة عنها لدرجة أنها لم تكن تستطيع الوصول إليه بمفردها.
اقتربت مني زوجتي وخفضت صوتها.
«فكر كويس في اللي بتعمله. إنت بقالك شهور بره ومتعرفش أنا استحملت إيه. والدتك بتشتمني وبتعمل نفسها ضحية، والبنت دي هي اللي بتحط الكلام في دماغها.»
قاطعتها:
«متتكلميش عنها بالطريقة دي.»
ضغطت زوجتي على أسنانها وقالت:
«دي آخرتها؟ بعد كل اللي عملته وإنت مسافر بتشتغل وتجمع فلوس؟»
بعد دقائق، وصل المسعفون ومعهم الشرطة.
وفي اللحظة التي رأت فيها زوجتي الزي الرسمي، تغيرت شخصيتها تمامًا.
بدأت تبكي، ووضعت يدها على صدرها، وقالت إنني عدت إلى المنزل وأنا غاضب، وإنها لم تكن أمي، بل كانت تحاول فقط منعها من إيذاء نفسها.
لم تقل العاملة شيئًا حتى وضع المسعفون أمي على النقالة.
ثم نظرت إليّ من باب سيارة الإسعاف وقالت:
«لو سمحت… لما ترجع البيت، افتح علبة الخياطة الزرقاء الموجودة في دولاب والدتك.»
سمعت زوجتي كلامها.
وتغير وجهها فجأة.
صرخت:
«اسكتي!»
وتقدمت ناحية العاملة بسرعة، لكن أحد المسعفين وقف بينها وبينها.
تجمدت في مكاني.
لأن الصرخة التي خرجت من زوجتي لم تكن صرخة غضب…
كانت صرخة خوف.
في المستشفى، طلب مني الطبيب أن أتحدث معه على انفراد.
قال إن أمي تعاني من جفاف شديد، وهناك كدمات في جسدها تعود إلى أوقات مختلفة، بالإضافة إلى إصابة قديمة في معصمها لم تحصل على العلاج المناسب.
أما العاملة، فاحتاج جرحها إلى عدة غرز، وكانت ذراعاها مليئتين بالعلامات نتيجة محاولاتها منع لم تكن موجهة إليها أصلًا.
جلست بجانب سرير أمي حتى نامت.
ثم فتحت حاسوبي المحمول.
كانت زوجتي دائمًا تسخر من طبيعة عملي وتقول إنني «مهووس بالكاميرات»، لأنني عملت لسنوات في تصميم وتركيب أنظمة المراقبة.
وقبل سفري، كنت قد ركبت نظام مراقبة في المنزل.
كانت هناك كاميرات ظاهرة عند المدخل وفي غرفة المعيشة…
لكن كانت هناك أيضًا كاميرات أخرى مخفية، متصلة بخادم خاص لا يعرف عنه أحد غيري.
قبل ثلاثة أشهر، أرسلت لي زوجتي رسالة تخبرني فيها أنها أزالت الكاميرات لأنها تجعلها تشعر بأنها مراقبة.
ما لم تكن تعرفه…
أن الكاميرات التي أزالتها لم تكن الكاميرات الحقيقية.
الكاميرات المخفية ظلت تعمل وتسجل كل شيء.
دخلت إلى الأرشيف.
كان أمامي تسجيلات تمتد إلى 96 يومًا.
فتحت أول مقطع.
وكانت زوجتي هناك بالفعل.
لكنها لم تكن وحدها.
كان يجلس بجوارها على طاولة الطعام رجل من عائلتها، وأمامه ملف مليء بالأوراق.
وبجواره زجاجة مشروب باهظة الثمن.
ثم رأيت أمي تدخل المشهد.
وضع الرجل بعض الأوراق أمامها.
وزوجتي وقفت بجانبها وهي تشير إلى مكان التوقيع.
كبرت الصورة على شاشة الكمبيوتر…
وعندما قرأت عنوان المستند، شعرت أن الدم تجمد في عروقي.
الشيء الذي كانوا يجبرون أمي على التوقيع عليه كان أخطر بكثير مما تخيلت.
انتقلت إلى التسجيل التالي…
وما رأيته جعلني عاجزًا عن التنفس.
في تلك اللحظة فهمت الحقيقة:
عودتي المبكرة لم توقف مجرد إساءة معاملة أمي…
لقد أوقفت خطة كاملة كانوا ينفذونها من وراء ظهري.
والأسوأ أن علبة الخياطة الزرقاء التي طلبت مني العاملة البحث عنها كانت تخفي الدليل الذي يمكن أن يكشف كل شيء…
أوقفت التسجيل وكبّرت المستند قدر استطاعتي.
في أعلى الصفحة كانت هناك عبارة:
«تنازل نهائي وتوكيل بالتصرف.»
لم أفهم في البداية.
تنازل عن ماذا؟
عدت بالمقطع إلى الوراء ورفعت الصوت.
كان الرجل الجالس بجوار زوجتي هو شقيقها الأكبر، سامح.
سمعته يقول لأمي:
— إمضي هنا يا حاجة، الورقة دي عشان ابنك يقدر يخلص الإجراءات وهو مسافر.
ردت أمي:
— إجراءات إيه؟
تدخلت زوجتي:
— يا ماما، إحنا شرحنا لك عشر مرات. دي أوراق تخص البيت القديم.
تجمدت.
بيت أمي القديم.
المنزل الذي ورثته عن أبي وظلت ترفض بيعه طوال سنوات.
قالت أمي:
— ابني عمره ما قالي أوقّع حاجة.
اختفت الابتسامة من وجه زوجتي.
مال سامح نحوها وقال:
— هو مشغول بره، وإحنا بنريحه.
دفعت أمي الأوراق بعيدًا.
— مش همضي قبل ما أكلمه.
وهنا حدث شيء جعل قبضتي تنغلق من الغضب.
أمسكت زوجتي بذراع أمي .
— وإحنا هنفضل مستنيين حضرتك لحد إمتى؟
صرخت أمي من الألم.
وفي اللحظة نفسها دخلت العاملة مسرعة.
وقفت بينها وبين أمي وقالت:
— سيبي إيدها، لو سمحتي.
التفتت زوجتي إليها.
ثم صفعتها.
وضعت يدي على فمي.
كان هذا قبل شهرين.
شهران وأنا أتحدث إلى زوجتي كل ليلة تقريبًا.
كانت تسألني:
«أكلت؟ نمت كويس؟ وحشتني.»
ثم تغلق الهاتف وتفعل هذا بأمي.
لكنني لم أكن قد رأيت الأسوأ بعد.
انتقلت إلى تسجيل آخر.
هذه المرة كان سامح يحمل هاتفًا ويصور أمي.
أما زوجتي فكانت تقول لها:
— قولي قدام الكاميرا إنك عايزة تنقلي البيت ليا بإرادتك.
رفضت أمي.
فقال سامح:
— لو مش عايزة، براحتك.
ثم نظر إلى زوجتي وأضاف:
— خليها من غير الدوا يومين وهتوافق.
شعرت بالغثيان.
أغلقت الفيديو.
لم أعد أستطيع المشاهدة.
ثم تذكرت كلمات العاملة:
«علبة الخياطة الزرقاء.»
كان عليّ العودة إلى المنزل.
لكن هذه المرة…
لن أذهب وحدي.
يتيع
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




