اسد ولارا اسما السيد1

سؤال بسيط، جاوبيني، عايز أعرف دلوقتي قبل ما نطلع.”
– “إنت عاقل؟! إزاي تسألني كده؟!”
– “من حقي أعرف! كل الرجالة في الحارة بيتكلموا عن الحاجات دي، وأنا مش عايز أعيش في شكّ.”
الليل كان هادي في الحارة أكتر من المعتاد، بس بيت عيلة «الشيخ عبد الحميد» كله منوّر وزينة معلقة على الحيطان، وضحك النسوان مالي المكان.
«لارا» قاعدة قدّام المراية، بتلمّس فستانها الأبيض بإيديها المرتعشة.
بعد سنين عاشتهم برا مصر، راجعة النهارده عشان تتجوز ابن خالها «أسد»… الحكاية اللي كانت بتقول لنفسها إنها نصيب مكتوب من زمان.
المراية قدامها كانت بتعكس بنت جميلة فعلاً، شعرها نازل على ضهرها بلون كستنائي ناعم، وعيونها فيها خليط غريب من الخوف والفرحة.
أمها دخلت عليها وهي شايلة طرحة الفرح وقالت:
– “يا رب يا بنتي أشوفك مبسوطة يا لارا، تعب السنين دا كله ما يروحش على الفاضي.”
ضحكت لارا بخفة وقالت:
– “إن شاء الله يا ماما… أسد بيحبني، وأنا كمان بحبه.”
ردّت أمها وهي بتزفر:
– “هو طيب يا بنتي، بس شدّته الزيادة دي بخوفني.”
لارا هزّت راسها وقالت:
– “يمكن ده من غيرته عليا، غبت عنه سنين طبيعي يتغيّر شوية ولا انتي شايفه ايه؟.”
= شايفه كل خير ربنا يسترك يا بنتي
عدّت ساعات، والبيت كله اتقلب كله بيستعد للفرح.
صوت الأغاني، ريحة البخور، النسوان بتضحك، والعيال بتجري بين الكراسي فرح مصري شعبي اصيل الكل فرحان وبيبارك
أسد كان تحت بيستقبل المعازيم، لابس بدلة سودة، شكله جذاب بس ملامحه ناشفة شوية.
من برة كان عريس مثالي، بس جواه في حاجة مكبوتة… غيرة؟ خوف؟ محدش كان يعرف، زي كتاب مقفول
قبل ما يطلع يجيب عروسته من فوق، طلب يشوفها دقيقة.
الكل استغرب، بس قالوا: عادي ، ملهوف عليها ومش قادر بسنتي
حكاوي ستات بسيطه اللي هيحصل واللي بيفكر فيه اسد اكبر من تخيلهم
دخلت الأوضة، لقته واقف على الباب ساكت، بيبص لها من فوق لتحت بنظرة غريبة، فيها قلق مش مفهوم.
ابتسمت له وقربت منه بحب ، وقالت بخجل:
– “مالك يا بابا؟ شكلك متوتر كأنك أول مرة تشوفني!” كانت بتناديله بابا كان بالنسبه ليها الدنيا كلها شايفه فيه حنيه اب، أمان اخ، وتملك حبيب.
الناس اتصدمت، واتكلمت أكتر.
بس هي ما كانتش بتهتم خلاص.
كانت بتقابل البنات الصغيرين، تحكي لهم عن الكرامة، عن الجسد اللي هو ملك صاحبته، عن الخوف اللي لازم يتحوّل قوة.
وفي يوم جمعة، كان أسد ماشي من قدام الجمعية، وشافها.
وقف مكانه، مش مصدّق.
هي خرجت بنفس اللحظة، شايفاه، وشها مافيش عليه لا كره ولا حب… بس هدوء قاتل.
قال بهدوء متردد:
في اللحظة اللي قال فيها بصوت متردد:
— لارا…
وقفت مكانها، بصت له ثواني، ثم قالت بهدوء:
— خير؟
بلع ريقه بصعوبة.
— ممكن… نتكلم؟
ردت من غير انفعال:
— بعد أربع سنين؟ دلوقتي افتكرت إنك عايز تتكلم؟
خفض عينيه للأرض.
— أنا غلطت.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكن ماكانش فيها أي فرحة.
— الغلط كلمة صغيرة يا أسد… اللي حصل كان تدمير.
فضل ساكت.
لأول مرة في حياته… ماعرفش يرد.
…
في نفس اللحظة، خرجت بنت صغيرة من الجمعية، ماسكة رسمة في إيدها.
جريت على لارا وهي بتضحك.
— مس لارا… شوفي رسمت إيه.
لارا ركعت قدامها.— الله… دي رسمة جميلة أوي.
البنت وقالت:
— لما أكبر هبقى زيك.
ابتسمت لارا وربتت على شعرها.
أسد كان واقف يتفرج…
وفجأة حس إنه عمره ما شافها بالشكل ده.
ولا عرف قيمتها.
لما البنت دخلت، رجعت لارا وقفت قدامه.
قال بصوت مكسور:
— أنا بندم كل يوم.
— والندم بيرجع اللي ؟
رفع رأسه بسرعة.
— قصدك إيه؟
قالت وهي بتبص في عينه:
— اللي مات بينا يا أسد… .
…
في نفس الليلة…
رجع أسد بيته.
زوجته “نسمة” كانت قاعدة مستنياه.
أول ما شافته قالت ببرود:
— شفتها؟
اتجمد مكانه.
— مين؟
ابتسمت بسخرية.
— بلاش تمثل… الحارة كلها عرفت إنك وقفت قدام الجمعية ساعة كاملة.
قعد على الكرسي وهو مرهق.
— قابلتها صدفة.
ردت وهي بتضحك ضحكة مرة:
— من أربع سنين وإنت عايش معاها وهي مش موجودة.
سكت.
أكملت:
— عمرك حبيتني؟
ما ردش.
سكتته كانت أوضح من أي إجابة.
دموع نسمة نزلت لأول مرة.
— أنا كنت مجرد محاولة تنسى بيها واحدة تانية.
خرجت من الأوضة وهي بتقفل الباب وراها.
أما هو…
فقعد لوحده في الضلمة.
وأول مرة يعترف لنفسه:
“أنا ظلمت اتنين… مش واحدة.”
بعد أيام…
الجمعية بدأت تكبر.
بنات من القرى المجاورة بقوا يجوا يحضروا الندوات.
دكاترة ومتخصصين تطوعوا.
وفي أول مؤتمر كبير…
لارا وقفت على المسرح.
قدام مئات الناس.
وقالت:
— من أربع سنين… كنت أنا الضحية.
النهارده…
أنا هنا علشان ميبقاش فيه ضحية تانية.
القاعة كلها وقفت تصقف.
ومن آخر الصفوف…
كان أسد واقف.
دخل من غير ما حد يشوفه.
وسمع كل كلمة.
سمعها وهي بتحكي عن ليلة الفرح.
عن الإهانة.
عن الشائعات.
عن البنت اللي كانت بسبب كلام الناس.
وعن نفسها…
لما قررت تعيش بدل ما .
كل كلمة كانت بتنزل على قلبه كأنها حجر.
ولما خلصت…
خرج قبل ما حد يشوف دموعه.
مرت شهور.
والجمعية بقت مشهورة.
القنوات بدأت تيجي تصور.
واتعمل تقرير تلفزيوني عن لارا.
المذيعة سألتها:
— إيه أكتر موقف غير حياتك؟
ابتسمت وقالت:
— سؤال واحد.
استغربت المذيعة.
— سؤال؟
قالت:
— أيوه…
في سؤال ممكن يبني حياة.
وفي سؤال ممكن يهدم عمر كامل.
وأنا حياتي اتقسمت نصين بسبب سؤال.
لكن دلوقتي…
أنا اللي باختار النهاية.
في المقابل…
كانت حياة أسد
.
شغله خسر.
وزواجه بقى كله مشاكل.
ونسمة في يوم حطت قدامه ورقة.
— دي إيه؟
قالت وهي بتحاول تمنع دموعها:
— طلب .
رفع عينه ليها.
— ليه؟
ضحكت بسخرية.
— لأنك طول عمرك عايش مع ست مش مراتك.
عقلك وقلبك عند لارا.
وأنا تعبت.
خرجت من البيت.
وسابته لوحده.
زي ما هو ساب لارا لوحدها ليلة فرحها.
بعد سنة…
أعلنت الجمعية عن أكبر حملة توعية في المحافظة.
وكان فيه حفل كبير.
كل أهالي الحارة حضروا.
حتى الستات اللي زمان كانوا بيتكلموا عليها.
واحدة منهم قربت منها وقالت بخجل:
— سامحينا يا بنتي…
إحنا ظلمناكي.
ابتسمت لارا.
— أنا سامحتكم من زمان.
لكن أوعوا تظلموا بنت تانية.
في نهاية الحفل…
وقف شيخ كبير من أهل البلد.
وقال بصوت عالي:
— زمان كنا بنفتكر إن العيب في البنت.
النهارده عرفنا إن العيب في الجهل.
الناس كلها صفقت.
وكان أسد واقف بينهم.
ما قدرش يرفع عينه في عينها.
ولما خلص الحفل…
قرب منها للمرة الأخيرة.
قال بصوت مبحوح:
— ينفع تسامحيني؟
بصت له ثواني طويلة.
ثم قالت:
— سامحتك.
اتنفس براحة لأول مرة.
لكنها كملت:
— التسامح مش معناه إن الماضي يرجع.
ولا إن القلب ينسى.
ولا إننا نبدأ من جديد.
أنا سامحت علشان أعيش…
مش علشان أرجع.
لفت ومشيت.
وهو فضل واقف مكانه.
بيشوفها وهي بتمشي وسط البنات اللي بقوا بينادوا عليها:
— دكتورة لارا…
دكتورة لارا…
ابتسم لأول مرة وهو حزين.
وفهم متأخر جدًا…
إن الإنسان ممكن يخسر أغلى نعمة في حياته…
ليس لأنه لم يحبها…
بل لأنه سمع صوت الجهل…
أكثر مما سمع صوت قلبه.
— خير؟
ابتسمت ابتسامة باهتة وهي بتحاول تخبي توترها.
— معلش… لازم أرد.
بعدت شوية وضغطت على زر الإجابة.
— ألو…
جالها صوت هادي تعرفه كويس.
— لارا… أخيرًا رديتي.
غمضت عينيها.
— إزيك يا دكتور آدم؟
— أنا في مصر.
اتسعت عينيها.
— إمتى؟
— من ساعتين… وفي خبر لازم تعرفيه.
قلبها دق .
— خير؟
سكت ثواني…
وبعدين قال:
— والدك البيولوجي عايز يقابلك.
جسمها كله اتجمد.
دموعها نزلت فجأة.
همست:
— أنا… ماليش أب.
رد بصوت هادئ:
— كنتي فاكرة كده…
لكن الحقيقة غير اللي اتقالك طول عمرك.
—
قفلت المكالمة…
ورجعت وهي تايهة.
ياسين سألها بقلق:
— انتي كويسة؟
هزت راسها.
— محتاجة أمشي.
ركبت عربيتها ومشت.
طول الطريق كانت الذكريات .
من وهي طفلة…
كانت كل ما تسأل أمها:
“بابا فين؟”
كانت ترد:
“أبوك مات.”
ولما كبرت…
بطلت تسأل.
واقتنعت إن الماضي لازم يفضل .
لكن النهارده…
الماضي بنفسه رجع يخبط على بابها.
—
دخلت البيت.
أمها أول ما شافتها عرفت إن فيه حاجة.
— مالك يا بنتي؟
لارا بصتلها بعين مليانة دموع.
— عايزة أسألك سؤال…
بس أوعي تكذبي عليا.
وش الأم اصفر.
— اسألي.
— أبويا…
مات بجد؟
سكتت الأم.
سكتة طويلة…
كانت كفاية تعرف لارا إن الإجابة لا.
صرخت لأول مرة في حياتها.
— يعني كنتي بتكدبي عليا؟!
انهارت الأم على الكرسي.
وبدأت تبكي.
— سامحيني…
أنا كنت بحميكي.
— من إيه؟
— من أبوكي.
لارا شهقت.
— هو عايش؟
هزت الأم رأسها
—
في نفس اللحظة…
أسد كان قاعد في القهوة.
دخل عليه واحد من أصحابه.
— سمعت؟
رفع أسد رأسه.
— إيه؟
— لارا طلع أبوها عايش.
اتجمد مكانه.
— بتقول إيه؟
— والحارة كلها بتتكلم.
في ناس بتقول إنه رجل أعمال كبير…
وفي ناس بتقول إنه كان .
محدش عارف الحقيقة.
لكن واضح إن الأيام جاية بمفاجآت.
أسد حس إن الدنيا بتلف حواليه.
قال لنفسه:
— كل يوم باكتشف إني ماكنتش أعرف عنها أي حاجة…
ولا حتى نص الحقيقة.
—
في بيت لارا…
الأم مسكت صندوق خشب قديم.
كان مستخبي فوق الدولاب من سنين.
فتحته بإيدين بترتعش.
طلعت منه صور قديمة…
وعقد جواز…
وشهادة ميلاد.
وحطتهم قدام بنتها.
لارا مسكت الورق.
وأول ما قرت الاسم…
وقعت الأوراق من إيدها.
بصوت مرتعش قالت:
— مستحيل…
أنا طول عمري عايشة باسم غير اسمي الحقيقي؟!
رفعت أمها رأسها وهي تبكي.
وقالت:
— لأن أبوكي… كان بيهدد ياخدك مني.
فهربت بيكي…
وغيرت كل حاجة.
الاسم…
والبلد…
وحتى الحكاية اللي كبرتي عليها.
لارا حست إن الأرض بتنهار تحت رجليها.
كل اللي كانت مؤمنة بيه…
طلع كذبة.
لكن السؤال اللي كان دلوقتي…
لو أبوها كان عايش كل السنين دي…
إزاي عرف مكانها…
وليه رجع دلوقتي بالذات؟
يتبع…



