عام

دخلت بيت بنتي حكايات اسما السيد 4

بصيت لحسام وأنا مش قادرة أفهم.

— اسم هالة موجود إزاي؟

قفل الملف بهدوء وقال:

— قبل أي استنتاج، لازم المستندات تتراجع رسميًا ويتأكد مصدرها وصحتها. لكن فيه تشابه واضح بين أوراق ندى وبعض المستندات القديمة اللي هالة احتفظت بيها.

ندى سألت:

— يعني هو عمل معاها نفس اللي عمله معايا؟

قال حسام:

— ده احتمال لازم يتفحص، مش حقيقة نقررها إحنا. المهم دلوقتي ما تتواصليش معاه بخصوص الأوراق، وما تمضيش على أي حاجة، وما تمسحيش أي رسالة.

ندى هزت راسها.

وأنا كنت باصة للظرف البني قدامي.

فجأة افتكرت حاجة.

يوم جواز ندى، أم جوزها كانت طول الوقت بتتكلم عن إن ابنها “بيعرف يدير بيته”.

وقتها افتكرتها أم فخورة بابنها.

دلوقتي الجملة كان ليها معنى مختلف تمامًا.

حسام طلب من ندى تحكي له بهدوء إزاي الأوراق دي ظهرت.

قالت:

— من حوالي سنة قال لي إنه بيجهز إجراءات تخص شغل جانبي واستثمار صغير، وطلب مني أمضي كام ورقة.

سألها:

— قريتيها؟

نزلت عينيها.

— بعضها.

— والباقي؟

— كان مستعجل، وقال لي إنها إجراءات روتينية.

سأل:

— أخد صورة بطاقتك أو مستنداتك؟

— كان معاه صور منها أصلًا.

حسام دوّن كل حاجة.

وبعدين قال:

— تمام. من هنا ورايح نخلي الكلام للمستندات والإجراءات الرسمية.

بعد ما مشي، ندى دخلت أوضتها.

وأنا فضلت في الصالة.

كنت فاكرة إن أصعب حاجة على الأم إنها تشوف بنتها موجوعة.

اكتشفت إن فيه حاجة أصعب.

إنك تعرفي إن بنتك كانت موجوعة من زمان، وكانت بتقف قدامك وتبتسم علشان تخبي.

بعد حوالي ساعة خرجت ندى.

كانت غيرت هدومها.

ولأول مرة من شهور، كانت لابسة بلوزة نص كم.

وقفت قدامي وقالت:

— غريبة؟

قلت:

— إيه؟

بصت لدراعها.

— إني مش مخبية العلامات.

قمت وحضنتها.

قلت:

— اللي لازم يستخبى هو اللي عملها، مش إنتِ.

الأيام اللي بعدها كانت تقيلة.

لكنها كانت مختلفة.

لأن ندى، لأول مرة، ما بقتش لوحدها.

هالة وافقت تقدم ما عندها من مستندات ورسائل للجهات المختصة، والمحامي بدأ يتابع الإجراءات القانونية المناسبة.

ندى وثقت إصابتها واحتفظت بكل ما لديها من رسائل وتسجيلات وتقارير، من غير ما تدخل في مواجهة مباشرة.

أما جوزها…

فبدأ يتغير.

في الأول اعتذارات.

“أنا غلطت.”

“كنت متعصب.”

“إحنا نقدر نبدأ من جديد.”

ولما ندى ما ردتش…

الاعتذارات اتحولت للوم.

“إنتِ اللي استفزيتيني.”

“أمك خربت بيتنا.”

“هالة بتنتقم مني.”

وبعدين رجعت التهديدات.

لكن المرة دي…

كل رسالة كانت بتتحفظ.

وكل محاولة ضغط كانت بتوصل للمحامي.

وكل ما هو يحاول يستعيد السيطرة…

كان بيديهم دليل جديد على الطريقة اللي بيتعامل بيها.

بعد حوالي أسبوع، حماته اتصلت بيا.

رديت.

قالت من غير سلام:

— إنتِ مبسوطة كده؟

قلت:

— من إيه؟

— خربتي بيت بنتك.

سكت لحظة.

وبعدين قلت:

— أنا دخلت بيت بنتي لقيت دراعها مربوط ووشها عليه أثر، وإنتِ بتضحكي.

قالت بسرعة:

— كان خلاف زوجي.

— الخلاف الزوجي ما يحتاجش حمالة طبية.

— ابننا عصبي، لكن عمره ما يقصد يأذيها.

قلت:

— وهالة؟

سكتت.

الصمت كان كفاية.

قلت:

— كنتِ عارفة، صح؟

ردت بعصبية:

— هالة كانت واحدة مستفزة وما تعرفش تعيش مع راجل.

نفس الكلام.

نفس التبرير.

قلت:

— وندى كمان مستفزة؟

قالت:

— ندى اتغيرت بعد ما قربت منك.

ضحكت رغم إني ماكنتش عايزة.

— بنتي كانت بتخاف مني أزورها علشان ابنك. ما تقوليش قربت مني.

صوتها ارتفع:

— اسمعيني كويس، لو الموضوع كبر، الكل هيخسر.

قلت:

— اللي كان لازم يسمع الكلام ده هو ابنك قبل ما يمد إيده.

وقفلت.

وبعت تفاصيل المكالمة لحسام.

بعدها بيومين، حصل اللي كنت متوقعاه.

جوز ندى جه عند بيتي.

كانت الساعة حوالي سبعة بالليل.

جرس الباب رن.

بصيت من العين.

هو.

قلت لندى:

— ادخلي أوضتك.

قالت:

— لأ.

— ندى…

— مش هستخبى تاني.

وقفت جنبي، لكننا ما فتحناش الباب.

قال من بره:

— ندى! أنا عارف إنك جوه.

ما ردتش.

خبط أقوى.

— عايز أكلم مراتي!

ندى بصتلي.

قلت:

— مش لازم تردي.

لكنها قالت من ورا الباب:

— قول اللي عندك.

صوته هدي فورًا.

كأنه رجع يلبس القناع القديم.

— افتحي بس ونتكلم زي الناس.

قالت:

— مش هفتح.

— أنا جوزك.

— وده مش معناه إني لازم أفتحلك.

سكت.

وبعدين قال:

— أمك واقفة جنبك، صح؟

ندى ردت:

— حتى لو مش واقفة، مش هفتح.

أنا بصيت لها.

دي ما كانتش البنت اللي شفتها واقفة جنب السفرة منزلة عينيها في الأرض.

قال:

— ندى، إحنا عشرة وعِشرة.

ردت:

— العِشرة ما تبقاش خوف.

صوته اتغير.

— إنتِ ناسية أنا عملتلك إيه؟

قالت:

— لأ.

وسكتت لحظة.

— بالعكس. أنا بدأت أفتكر كل حاجة.

الخبط على الباب جه جامد.

ندى انتفضت غصب عنها.

لكنها ما رجعتش.

أنا كنت بالفعل تواصلت مع الجهات المختصة بدل ما ندخل معاه في مواجهة.

وبعد دقائق، لما أدرك إن الموقف مش هيمشي بالطريقة اللي متعود عليها، اضطر يبعد.

اليوم ده كان أول مرة أشوفه ما يعرفش يفرض نهاية الحوار.

الأسابيع اللي بعدها ما كانتش فيلم.

مافيش باب محكمة اتفتح، وقاضي خبط بالمطرقة، وكل حاجة اتحلت في خمس دقايق.

الحقيقة كانت أبطأ.

وأصعب.

فيه أوراق اتراجعت.

وفيه أقوال اتاخدت.

وفيه مستندات احتاجت فحص.

وهالة قدمت اللي عندها.

أما الأوراق المالية، فبدأت الجهات المختصة والمحامي يراجعوا هل ندى كانت تعلم فعلًا بطبيعتها، وهل كل التوقيعات والإجراءات تمت بصورة صحيحة.

وأنا تعلمت حاجة مهمة:

إحنا ماكناش محتاجين نثبت كل حاجة بنفسنا.

ولا نواجهه علشان “نعترف منه”.

كان دورنا نحمي ندى، نحفظ الأدلة، ونسيب التحقيق والإجراءات للناس المختصة.

بعد شهرين تقريبًا، ندى كانت قاعدة معايا الصبح.

قالت:

— ماما؟

— نعم؟

— أنا عايزة أرجع أشتغل.

بصيت لها.

— في شغلك القديم؟

— كلمتهم.

ابتسمت.

— وإيه اللي حصل؟

لأول مرة شفت ابتسامة حقيقية على وشها.

— المدير قال إن فيه مكان ممكن أقدم عليه، وإنهم كانوا فاكرين إني سافرت.

قلت:

— وإنتِ قلتي له إيه؟

قالت:

— قلتله إني كنت بعيدة شوية… ورجعت.

الجملة كانت بسيطة.

لكن أنا فهمتها.

هي ما كانتش بتتكلم عن الشغل.

كانت بتتكلم عن نفسها.

ندى رجعت.

بدأت تنزل لوحدها.

رجعت تكلم صاحباتها.

واحدة منهم جت البيت وحضنتها وهي بتعيط وقالت:

— افتكرتك مش عايزانا.

ندى قالت:

— أنا كنت محتاجاكم أكتر وقت، بس ماكنتش عارفة أقول.

وبعد فترة اشترت عربية مستعملة صغيرة.

يوم ما جابتها، فضلت واقفة قدام البيت تبص عليها.

قلت:

— مش عاجباكي؟

ضحكت.

— دي أحلى عربية ركبتها في حياتي.

— للدرجة دي؟

مسكت المفاتيح.

— علشان مفتاحها في إيدي أنا.

أما قضيتها الزوجية والقانونية، فاستمرت في طريقها بالطريقة الرسمية.

ومع مراجعة الأوراق، ظهرت تناقضات كفاية علشان تتوسع المراجعة في بعض المعاملات، لكننا اتعلمنا ما نسبقش النتيجة.

لا أنا ولا ندى بقينا محتاجين نهاية درامية علشان نعرف الحقيقة الأساسية:

اللي حصل لها ماكانش “تربية”.

وماكانش “حزم”.

وماكانش “راجل بيعرف يمشي بيته”.

كان خوف وسيطرة وأذى.

والسكوت عليه كان بيكبره.

بعد شهور، جت هالة تزورنا.

أول مرة أشوفها.

فتحت الباب لقيت ست هادية واقفة قدامي وفي إيدها علبة حلو.

قالت بتوتر:

— أنا هالة.

حضنتها.

ماعرفتش أقول حاجة غير:

— ادخلي يا بنتي.

ندى خرجت من أوضتها.

الاتنين وقفوا قدام بعض ثواني.

هالة قالت:

— كنت أتمنى أكلمك بدري.

ندى ردت:

— المهم إنك كلمتيني.

وقعدوا.

الغريب إنهم ما اتكلموش عنه كتير.

اتكلموا عن الشغل.

عن السفر.

عن الحياة.

عن حاجات نفسهم يعملوها.

وكأن أحسن انتقام من الفترة اللي ضاعت منهم…

إنهم ما يضيعوش الباقي وهم بيتكلموا عنه.

عدت شهور أكتر.

وفي يوم جمعة، كنت في المطبخ بجهز الغدا.

سمعت مفتاح في الباب.

ندى دخلت وهي شايلة صينية حلو.

نفس الصينية تقريبًا اللي كنت شايلها يوم الجمعة اللي بدأت فيه الحكاية.

لكن المرة دي…

دراعيها الاتنين كانوا أحرار.

ضحكت وقالت:

— اتأخرت خمس دقايق.

بصيتلها بتمثيل الجدية.

— إحنا هنا بنحب الأكل في معاده.

سكتنا ثانية.

وبعدين انفجرنا إحنا الاتنين في الضحك.

حضنتها.

قالت:

— ماما؟

— نعم؟

— فاكرة يوم ما جيتي البيت؟

— عمري ما هنساه.

قالت:

— أنا الصبح يومها كنت بدعي ربنا بحاجة.

— بإيه؟

عينيها لمعت.

— كنت بقول: يا رب حد يشوفني.

قلبي اتقبض.

مسكت وشها بين إيديا.

قالت:

— ولما دخلتي وبصيتِ لدراعي… عرفت إن ربنا بعتلي باب أخرج منه.

قلت:

— وإنتِ اللي خرجتي يا ندى. أنا بس وقفت جنب الباب.

ابتسمت.

وبعدين قالت:

— عارفة أكتر حاجة كنت بخاف منها؟

— إيه؟

— إن الناس تقول إني فشلت في جوازي.

قلت:

— ودلوقتي؟

بصت ناحية الشباك.

— دلوقتي فهمت إن الفشل الحقيقي كان إني أفضل في مكان  علشان الناس تقول إني محافظة على بيتي.

وسكتت لحظة.

— البيت المفروض يبقى أمان.

قلت:

— بالظبط.

أنا عندي تسعة وخمسين سنة.

وكنت فاكرة إني أعرف بنتي كويس.

لكن التجربة دي علمتني إن الإنسان ممكن يخبّي ألمه حتى عن أقرب الناس ليه.

مش كل واحدة بتقول “أنا كويسة” تبقى كويسة.

ومش كل ابتعاد عن الأهل سببه الانشغال.

ومش كل سيطرة اسمها غيرة.

ومش كل إهانة ينفع ندفنها تحت جملة “مشاكل زوجية”.

وأهم حاجة اتعلمتها؟

لما حد بتحبه يبدأ يختفي من حياته واحدة واحدة…

شغله.

صحابه.

أهله.

استقلاله.

ثقته في نفسه.

ما تكتفيش بالسؤال:

“إنت كويس؟”

خليك موجود.

اسمع من غير لوم.

ولو فيه خطر حقيقي، خلي الأمان والمساعدة المختصة أول خطوة.

لأن يوم الجمعة ده…

أنا دخلت بيت بنتي شايلة صينية حلو.

وخرجت منه شايلة إيد بنتي.

وهي خرجت شايلة حاجة أهم بكتير:

قرار إنها عمرها ما تسمح لحد تاني يقنعها إن الخوف هو ثمن الجواز.

تمت

✍️ الكاتبة أسما السيد

إلى كل أم لاحظت إن بنتها اتغيرت وماعرفتش السبب…

وإلى كل واحدة اتقال لها إن السكوت هو اللي يحافظ على البيت…

البيت ما يتحافظش عليه بكسر اللي عايشين فيه.

البيت الحقيقي يبدأ بالأمان والرحمة والاحترام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى