عام

حامل ولكن حكايات اسما السيد 3

الفصل الثالث: ما لا يصلحه الاعتذار

خرج آسر من المستشفى قبل الظهر بقليل.

لم يطلب أن يراها مرة ثانية.

لم يقف عند الباب.

لم يرسل عشرات الرسائل.

ولأول مرة منذ أن رحلت، فهم أن الحب أحيانًا لا يكون في الإصرار…

بل في التراجع خطوة حين يكون وجودك نفسه مؤلمًا.

ركب سيارته.

وضع يديه على المقود.

لكنه لم يشغل المحرك.

ظل ساكنًا، ينظر أمامه إلى بوابة المستشفى.

وفي جيبه…

كانت صورة السونار الأولى.

وفي هاتفه…

رسالة من ليلى:

“هي بنت.”

فتحها مرة أخرى.

قرأها.

ابتسم رغمًا عنه.

همس:

— بنت.

ثم رفع رأسه، ومسح وجهه.

كان يريد أن يفرح.

لكن الفرح اختلط بشيء أشبه بالخجل.

لأنه حتى هذه اللحظة…

لم يكن يعرف متى بدأت ابنته تتحرك.

ولا ماذا تحب أمها أن تأكل في الحمل.

ولا ما الذي أتعبها.

ولا إذا كانت تخاف من الولادة.

ولا حتى الاسم الذي تفكر فيه.

كان يعرف عن نادين مواعيد اجتماعاتها، نوع قهوتها، الفندق الذي تفضله في السفر…

ولا يعرف إن كانت زوجته تنام مرتاحة أصلًا وهي تحمل طفلته.

الحقيقة لم تكن مؤلمة فقط.

كانت مهينة.

مهينة للصورة التي رسمها لنفسه طوال سنوات.

الرجل المسؤول.

الزوج الناجح.

صاحب البيت.

صاحب القرار.

اكتشف أنه كان حاضرًا في كل مكان…

إلا المكان الذي كان يفترض أن يكون فيه.

شغل السيارة.

وقبل ما يتحرك، وصلته رسالة من والدته:

“طمني.”

رد:

“هي والبنت كويسين الحمد لله.”

جاء الرد بسرعة:

“والبنت؟ عرفت إنها بنت؟”

ابتسم.

“أيوه.”

ثم بعد ثوانٍ:

“ليلى قالتلي.”

لم ترد منى فورًا.

وبعد دقيقة أرسلت:

“لو قالتلك بنفسها، يبقى لسه في باب مفتوح. ما تكسرهوش باستعجالك.”

ظل آسر ينظر إلى الرسالة.

ثم أغلق الهاتف.

كان يعرف أن أمه محقة.

لكنه لم يكن يعرف إن كان الباب مفتوحًا فعلًا…

أم أن ليلى فقط كانت تمنحه حقًا بسيطًا كأب.

في الغرفة…

كانت ليلى مستلقية على جانبها.

سلمى جالسة قرب النافذة، ممسكة بكوب قهوة بارد لم تشرب منه.

منذ خروج آسر، لم تتكلم ليلى إلا قليلًا.

كانت تنظر إلى السقف.

ثم إلى بطنها.

ثم تغلق عينيها.

وأحيانًا…

تنزل دمعة من غير صوت.

سلمى لم تضغط عليها.

استنت.

حتى قالت ليلى فجأة:

— كنت حاسة.

سلمى رفعت رأسها.

— بإيه؟

— إن في حاجة حصلت بينهم.

سكتت سلمى.

قالت ليلى:

— مش عارفة ليه كنت طول الوقت بقول لنفسي إني ببالغ.

— لأنك كنتي بتحاولي تحافظي على بيتك.

ضحكت ليلى بسخرية خفيفة.

— حافظت عليه إزاي وأنا سيبته؟

— إنتِ سيبتيه لما بقيتي آخر واحدة بتحافظ عليه.

الجملة جعلتها تصمت.

نظرت ليلى ناحية النافذة.

قالت:

— أكتر حاجة وجعتني مش إنها قربت منه.

— أمال إيه؟

— إنه رجع بعدها يتعامل معاها عادي.

سلمى فهمت.

— يعني لو كان رجع وقتها وقطع العلاقة…

— كنت هزعل. كنت هحس بالخيانة برضه.

بلعت ريقها.

— بس كنت هعرف إن في لحظة هو فاق.

غمضت عينيها.

— إنما هو رجع. كمل. ضحك. سافر. خلاها تبعتله. وخلاها تحس إنها ليها مكان.

سلمى قالت بهدوء:

— وهو اعترف.

فتحت ليلى عينيها.

— بعد ما خسرني.

— صح.

— ودي المشكلة.

سكتت لحظة.

— كل حاجة بيعملها دلوقتي جاية بعد ما أنا مشيت.

سلمى لم تجد ردًا سريعًا.

قالت ليلى:

— عارفة أنا خايفة من إيه؟

— إيه؟

— إنه يكون اتغير علشان الخوف.

— مش علشانك؟

— علشان الخسارة.

أكملت:

— في فرق كبير بين واحد بيغير نفسه لأنه فهم، وواحد بيغير نفسه لأنه خاف.

سلمى هزت رأسها.

— الفرق بيبان مع الوقت.

— عارفة.

— وإنتِ عندك وقت.

ليلى وضعت يدها على بطنها.

— أنا عندي بنت جاية.

— علشان كده بالذات عندك وقت.

قربت منها.

— ما ترجعيش علشان البنت. وما تطلقيش علشان تثبتي حاجة. خدي القرار اللي يخليكي تبصي لنفسك بعد سنة وما تندميش.

ليلى ابتسمت بحزن.

— الكلام سهل.

— طبعًا.

سلمى ضحكت.

— لو كان سهل، كنا كلنا عايشين صح من أول مرة.

ضحكت ليلى لأول مرة.

خفيف.

لكنها ضحكت.

خرجت ليلى من المستشفى بعد يومين.

الدكتورة أعطتها تعليمات صارمة.

راحة.

أكل منتظم.

تقليل حركة.

وممنوع أي ضغط نفسي.

رجعت للشقة فوق المكتبة.

عم فؤاد كان واقف تحت.

أول ما شافها نازلة من العربية، قال:

— حمد لله على السلامة يا بنتي.

ابتسمت.

— الله يسلمك.

بص لبطنها.

— كده بقى لازم المحل يخلص قبل ما الضيفة الصغيرة توصل.

ليلى ابتسمت.

— إن شاء الله.

قال:

— وممنوع تنزلي تشتغلي.

— يا عم فؤاد…

— لا يا هندسة. أنا الكبير هنا.

سلمى ضحكت.

— اسمعي الكلام.

ليلى رفعت إيديها باستسلام.

— حاضر.

طلعت الشقة.

وكان أول شيء لفت نظرها…

باقة زهور كبيرة على الطاولة.

توقفت.

سلمى قربت.

— أكيد من آسر.

لكن لما فتحت البطاقة…

لم يكن اسمه.

كانت من منى.

“حمد لله على سلامتك يا بنتي. ربنا يحفظك ويحفظ حفيدتي. أنا مش هسألك ترجعي ولا هضغط عليكي. بس لو احتجتيني في أي وقت، أنا موجودة.”

ليلى قرأت الرسالة مرتين.

ثم جلست.

سلمى سألت:

— كنتي متوقعة آسر؟

— يمكن.

— زعلتي إنه ما بعتش؟

ليلى فكرت.

— لأ.

ثم أضافت:

— بالعكس.

سلمى ابتسمت.

— يعني بدأ يفهم.

ليلى لم ترد.

لكنها حفظت البطاقة.

في القاهرة…

بدأ آسر يفعل شيئًا لم يكن معتادًا عليه.

يذهب إلى جلسات علاج نفسي.

لم يخبر أحدًا في الشركة.

ولم يخبر نادين.

ولم يخبر ليلى.

فقط أمه كانت تعرف.

أول جلسة كانت ثقيلة.

الرجل المقابل له سأل:

— إنت هنا ليه؟

آسر رد بسرعة:

— علشان أصلح جوازي.

المعالج سأله:

— ولو جوازك ما اتصلحش؟

آسر سكت.

— يعني؟

— لو زوجتك قررت ما ترجعش، هتفضل هنا؟

شد فكه.

— مش عارف.

المعالج ابتسم ابتسامة بسيطة.

— يبقى يمكن أنت مش هنا علشان تتغير. يمكن هنا علشان تسترجعها.

الجملة استفزته.

— هو في فرق؟

— كبير.

— إزاي؟

— لو التغيير مربوط بعودتها، فأول ما ترجع هتعتبر المهمة خلصت.

سكت آسر.

قال المعالج:

— لكن لو أنت شايف إن في حاجة في شخصيتك لازم تتغير سواء رجعت أو لأ… ساعتها الموضوع مختلف.

آسر نظر إلى يديه.

— أنا كنت مهمل.

— بس؟

— أناني.

— بس؟

رفع رأسه.

— كنت محتاج طول الوقت أحس إني مهم.

— وكنت بتاخد الإحساس ده من مين؟

— الشغل.

— ونادين؟

توتر.

— منها برضه.

— وليه مش من زوجتك؟

آسر فكر.

— لأنها عارفاني.

المعالج لم يتكلم.

قال آسر:

— نادين كانت شايفاني دايمًا ناجح. قوي. اللي بيحل المشاكل.

— وليلى؟

ابتسم آسر بحزن.

— كانت شايفاني وأنا متعصب. وأنا تعبان. وأنا غلطان.

— فمع مين كنت بتشعر بالإعجاب؟

— نادين.

— ومع مين كنت بتشعر إنك مكشوف؟

— ليلى.

— أيهم أصعب؟

آسر فهم.

أغمض عينيه.

— إن حد يعرفك بجد.

المعالج قال:

— وأيهم أصدق؟

طالت لحظة الصمت.

ثم قال آسر:

— ليلى.

خرج من الجلسة وهو يشعر بأن أحدًا فتح درجًا في رأسه كان يغلقه منذ سنوات.

مر أسبوع.

ثم أسبوع آخر.

لم يتصل بليلى.

لم يطلب من سلمى أخبارها.

لم يذهب إلى المدينة.

لكنه كان يتلقى تقريرًا طبيًا مختصرًا كل أسبوع لأن ليلى وافقت على أن يعرف حالة الطفلة.

التقرير الأول:

النمو طبيعي.

التقرير الثاني:

النبض جيد.

التقرير الثالث:

الوزن مناسب.

كان يطبع كل تقرير.

ويضعه في ملف.

وفي إحدى الليالي…

جلس على الأرض داخل غرفة كانت مهجورة في الشقة.

الغرفة التي كان من المفترض أن تكون للطفل.

نظر حوله.

ثم اتصل بمصمم.

لكنه أغلق قبل أن يرد.

جلس.

ثم ضحك بسخرية من نفسه.

حتى الغرفة كان يريد أن يدفع لشخص غيره ليجهزها.

فتح الإنترنت.

بحث:

أهم احتياجات غرفة مولودة جديدة.

قرأ.

قاس الغرفة بنفسه.

اختار سريرًا.

لكن توقف قبل الشراء.

قال لنفسه:

— أنا بجهز غرفة لمين؟

لو ليلى ما رجعتش…

البنت مش هتعيش هنا.

ثم بعد لحظة…

قال:

— بس ممكن تزورني.

اشترى السرير.

ليس لأنه متأكد أنها ستعود.

بل لأنه يريد أن يكون له مكان جاهز لابنته، مهما صار بينه وبين أمها.

في المدينة الساحلية…

كانت ليلى جالسة أمام اللابتوب.

تكمل تصميم المحل من البيت.

دخلت سلمى تحمل أكياس أكل.

— أنا جبت غدا.

— أنا طلبت منك؟

— لأ.

— طب ليه؟

— علشان لو سبتك هتاكلي بسكوت.

ليلى ضحكت.

— أنا حامل مش طفلة.

سلمى فتحت الأكياس.

— الفرق بسيط في تصرفاتك.

قبل ما يبدؤوا الأكل، رن هاتف ليلى.

رقم منى.

ترددت.

ثم ردت.

— ألو.

— إزيك يا ليلى؟

— الحمد لله.

— عاملة إيه؟

— كويسة.

— والبنت؟

ابتسمت تلقائيًا.

— كويسة الحمد لله.

منى سكتت قليلًا.

ثم قالت:

— أنا مش عايزة أتقل عليكي.

— عايزة صورة؟

وجدت محادثة قديمة بينها وبين آسر.

رجعت لتاريخ دبي.

قرأت الرسائل.

ثم توقفت عند جملة منه:

“لو الظروف كانت مختلفة، حاجات كتير كانت هتبقى أسهل.”

ابتسمت.

كانت قد احتفظت بها.

لأنها يومها اعتبرتها وعدًا.

والآن…

فكرت في شيء آخر.

لو ليلى شافت الجملة دي…

هل هتفضل مصدقة إن آسر ندم؟

فتحت حسابًا لا يحمل اسمها.

وبحثت عن ليلى.

وجدت حسابها.

إصبعها وقف فوق زر الرسائل.

ترددت.

ثم أغلقت الهاتف.

قالت لنفسها:

— لأ.

لكن الفكرة لم تخرج من رأسها.

بعد ثلاثة أيام، كان آسر جالسًا مع المعالج.

قال:

— هي بعتتلي صورة السونار.

المعالج ابتسم.

— حسيت بإيه؟

— فرحت.

— بس؟

— حسيت إنها بتفتح باب.

— يمكن.

آسر نظر له.

— يعني إيه يمكن؟

— يمكن هي فقط بتشركك في حياة بنتك.

— الفرق؟

— لو فسرت كل تصرف منها على إنه خطوة رجوع، هترجع تضغط عليها من غير ما تقصد.

آسر سكت.

قال المعالج:

— خليك أبو البنت حتى لو ما بقيتش زوج ليلى.

الجملة قاسية.

لكنه فهم.

— حاضر.

— وتخيل الأسوأ.

— إنها تطلق.

— أيوه.

ملامح آسر توترت.

— مش قادر.

— حاول.

آسر أخذ نفسًا.

قال:

— هفضل أبو بنتي.

— و؟

— هحترم قرارها.

— و؟

سكت.

— وهكمل أصلح نفسي.

المعالج هز رأسه.

— كده التغيير يبدأ يبقى حقيقي.

في تلك الليلة…

كانت ليلى تحاول تنام.

لكن الهاتف رن.

رقم مجهول.

رفضت.

جاءت رسالة.

“في حاجة من حقك تعرفيها.”

عقدت حاجبيها.

ثم صورة.

فتحتها.

وكانت لقطة شاشة.

رسالة من آسر إلى نادين.

التاريخ قبل الحفل بشهرين.

“لو الظروف كانت مختلفة، حاجات كتير كانت هتبقى أسهل.”

شعرت ليلى ببرودة تسري في جسدها.

قرأت الجملة مرة.

ثم مرة.

ثم ظهرت رسالة أخرى من الرقم المجهول:

“هو ما حكالكش كل الحقيقة.”

ليلى جلست في السرير.

بدأ قلبها يدق بسرعة.

فتحت محادثة آسر.

إصبعها وقف.

كان ممكن تسأله الآن.

تصرخ.

تتهمه.

لكن تذكرت تحذير الطبيبة.

أخذت نفسًا.

ثم كتبت:

“بكرة محتاجة أشوفك.”

في القاهرة…

آسر كان نايم لما وصلته الرسالة.

فتح عينه.

قرأ.

جلس فورًا.

قلبه دق.

كتب:

“طبعًا. أنا أجيلك؟”

ردت:

“آه.”

كتب:

“الساعة كام؟”

“12.”

“هكون عندك.”

لم يسأل لماذا.

لكن إحساسًا سيئًا دخل قلبه.

وفي الصباح…

قاد إلى المدينة الساحلية.

وصل قبل الموعد بعشرين دقيقة.

وقف أسفل المبنى.

لم يصعد.

اتصل.

— أنا وصلت.

صوت ليلى كان هادئًا بطريقة أخافته.

— اطلع.

صعد.

فتحت له الباب.

كانت واقفة بملابس بسيطة.

وجهها هادئ.

لكن عينيها…

لا.

دخل.

قال:

— إنتِ كويسة؟

— اقعد.

جلس.

هي لم تجلس.

أخرجت هاتفها.

فتحت الصورة.

مدته له.

— الرسالة دي إنت كتبتها؟

أخذ الهاتف.

أول ما شافها…

عرف.

وشه تغير.

رفع عينه.

— أيوه.

ليلى كانت مستعدة لجواب مختلف.

تبرير.

إنكار.

“متفبركة”.

“خرجت من سياقها”.

لكن “أيوه” هزها أكتر.

قالت:

— معناها إيه؟

آسر سكت.

ليلى كررت:

— كنت تقصد إيه لما قلتلها لو الظروف مختلفة، حاجات كتير كانت هتبقى أسهل؟

خفض رأسه.

— كان بعد اللي حصل في دبي.

ليلى شعرت بألم في صدرها.

— وبعد ما كانت هتبوسك؟

— أيوه.

— حلو.

ضحكت بمرارة.

— كمل.

قال:

— هي قالتلي إنها بتتمنى لو كانت قابلتني قبل جوازنا.

— وإنت قلت؟

— الجملة دي.

— يعني كنت بتتمنى نفس الحاجة؟

آسر رفع عينيه.

كان يعرف أن أي كذبة الآن يمكن أن تنقذ اللحظة…

وتدمر كل شيء بعدين.

قال:

— للحظة… أيوه.

ليلى ثبتت مكانها.

حتى دموعها لم تنزل.

آسر قام.

— ليلى…

رفعت إيدها.

— ماتقربش.

وقف.

قالت:

— يعني إنت ماكنتش بس سايبها تقرب.

صوتها بدأ يهتز.

— إنت كنت بتتخيل الحياة لو أنا مش موجودة.

— مش بالشكل ده.

صرخت:

— أمال بأي شكل؟!

وضعت يدها على بطنها.

آسر سكت فورًا.

قال بهدوء:

— اقعدي.

— ماتقوليش أعمل إيه.

— حاضر.

ليلى جلست ببطء.

كانت تتنفس بسرعة.

آسر وقف بعيدًا.

قال:

— أنا مش هبرر.

نظرت له.

— لأول مرة قول حاجة مفيدة.

ابتلع الألم.

— كنت في مرحلة أنانية جدًا.

قالت:

— ماتحولهاش لمرحلة، دي كنت إنت.

هز رأسه.

— صح.

سكتت.

— كنت عايز نادين؟

السؤال خرج مباشرًا.

آسر فكر.

ثم قال:

— كنت عايز الإحساس اللي كانت بتديهولي.

— يعني؟

— الإعجاب.

قالها بصعوبة.

— كانت شايفاني بطريقة بتخليني أحس إني مهم.

ليلى دموعها بدأت تنزل.

— وأنا؟

— إنتِ كنتِ شايفاني بجد.

ضحكت وسط دموعها.

— يا خسارة.

آسر قرب خطوة ثم وقف.

— وده كان يخوفني أكتر.

— ليه؟

— لأن معاكي ماكنتش أقدر أمثل إني كامل.

قالت:

— فبدل ما تبقى أحسن، رحت لواحدة تصدق التمثيل؟

الجملة كانت قاسية.

لكنها صحيحة.

خفض رأسه.

— أيوه.

ليلى مسحت وجهها.

— أنا كنت حامل وقت الرسالة دي.

تجمد.

— عارف دلوقتي.

— وأنا وقتها كنت كل يوم بتخيل إزاي هقولك.

نفسها انكسر.

— وإنت كنت بتتخيل لو الظروف مختلفة.

آسر عينه دمعت.

— أنا آسف.

هزت رأسها.

— الاعتذار مش بيشيل الصورة من دماغي.

— عارف.

— ولا بيرجعني لقبل ما أشوف الرسالة.

— عارف.

— ولا بيخليني أصدقك بسهولة.

— عارف.

سكتوا.

ثم قالت:

— مين بعتها؟

— أكيد نادين.

— أكيد؟

— الرسالة كانت بيني وبينها.

ليلى نظرت له.

— يعني لسه عايزة تخرب بيتي.

قال آسر:

— بيتنا اتخرب قبل ما هي تبعت حاجة.

نظرت له.

أكمل:

— وأنا اللي فتحت الباب.

الجملة جعلتها تسكت.

قال آسر:

— هتعامل مع موضوع نادين بشكل رسمي.

— ما يهمنيش.

— يهمني أنا.

تنهدت.

— آسر…

رفع عينه.

قالت:

— أنا مش قادرة.

ملامحه تغيرت.

— على إيه؟

— على محاولة إصلاح كل ده.

قلبه وقع.

— تقصدي إيه؟

نظرت له.

— يمكن إحنا فعلًا خلصنا.

آسر لم يتحرك.

ولا حتى رمش.

ليلى تابعت:

— أنا كنت سايبة الباب موارب.

دموعها نزلت.

— وكنت بشوف التغيير. وكنت… يمكن ببدأ أصدق إن في أمل.

صوتها انكسر.

— الرسالة دي رجعتني لأول ليلة.

آسر قال بصوت ضعيف:

— أنا فاهم.

— لأ.

هزت رأسها.

— إنت عمرك ما هتفهم إحساس إنك تكون بتحارب علشان بيت، والطرف التاني بيتخيل لو ظروفه مختلفة.

آسر غمض عينه.

ثم فتحها.

— عايزة الطلاق؟

السؤال خرج بصعوبة شديدة.

ليلى سكتت.

طويلًا.

ثم قالت:

— مش عارفة.

كان يمكنه أن يجادل.

يطلب فرصة.

يركع أمامها.

لكنه قال:

— خدي وقتك.

بصت له وكأنها لم تتوقع.

قال:

— لو طلبتيه… هديكي حقك كامل.

دموعها زادت.

— كده بسهولة؟

ضحك بمرارة.

— لا بسهولة ولا حاجة.

أخذ نفسًا.

— بس لو أنا بقول إني بحبك، مينفعش الحب يبقى إني أحبسك.

وقف.

أخذ مفاتيحه.

قبل ما يخرج، قال:

— حاجة واحدة بس.

بصت له.

— مهما كان قرارك فيا… ماتخليش غلطتي تخليكي تكرهي نفسك على إنك صدقتيني زمان.

ليلى سكتت.

قال:

— إنتِ ماكنتيش غبية.

ثم فتح الباب.

— أنا اللي كنت ما استحقش الثقة اللي اديتهالي.

خرج.

الباب اتقفل.

ليلى ظلت جالسة.

نظرت إلى المكان الذي كان يقف فيه.

ثم انهارت في البكاء.

وفي السلم…

وقف آسر.

سمع بكاءها.

قبض يده.

كل خلية فيه كانت تريد أن يرجع.

يفتح الباب.

يحضنها.

يقول لها إن كل شيء سيكون بخير.

لكنه لم يفعل.

نزل الدرج.

وكل خطوة كانت أثقل من التي قبلها.

مر أسبوع آخر.

ليلى لم تتصل.

آسر أيضًا لم يتصل.

لكن شيئًا غريبًا حصل.

وصل ليلى بريد إلكتروني من محامي الأسرة.

فتحت.

كان مستندًا رسميًا.

نقل ملكية نصف شقة القاهرة باسمها.

تجمدت.

اتصلت بآسر فورًا.

رد من أول رنة.

— ألو؟

— إيه اللي إنت عملته ده؟

عرف.

— نقلت نص الشقة باسمك.

— ليه؟

— لأنها كانت دايمًا بيتنا.

— وإيه المناسبة؟

— مفيش مناسبة.

— آسر، إنت بتحاول تشتري رضاي؟

— لأ.

— أمال؟

قال بهدوء:

— عشان اكتشفت إن كل مرة كنت بقولك “ده بيتنا”، الورق كان بيقول “بيتي”.

ليلى سكتت.

قال:

— إنتِ ساهمتي في البيت ده بسنين من عمرك. حتى لو ما رجعتيش، حقك فيه مش مربوط بقرارك فيا.

— أنا ما طلبتش.

— عارف.

— ومش عايزة حاجة منك.

— مش هدية.

صوته كان ثابتًا.

— حق.

ليلى لم تعرف ماذا تقول.

آسر أكمل:

— والمحامي قال إنك تقدري ترفضي النقل لو عايزة.

— طبعًا هرفض.

قال:

— ده قرارك.

لم يجادل.

لم يقل “علشاني”.

لم يقل “علشان بنتنا”.

بس ساب القرار لها.

بعد ما أغلقت…

قعدت ليلى لفترة طويلة.

ثم فتحت المستند مرة ثانية.

وفي آخر الصفحة…

كان توقيع آسر.

توقيع رسمي.

لا ورد.

لا كلام رومانسي.

لا وعود.

فعل.

ولأول مرة…

بدأت ليلى تفهم أن التغيير الحقيقي ربما لا يأتي في هيئة جملة كبيرة.

يمكن ييجي في صورة رجل يتعلم أخيرًا أن يعطي من غير ما يضمن المقابل.

بعد ثلاثة أيام…

دخل آسر الشركة.

وجد نادين مستنياه.

وقفت أمام مكتبه.

— أنت نقلتني للإدارة التانية، ماشي. بس مالكش حق تعاملني كإني مجرمة.

آسر قال للسكرتيرة:

— سيبينا عشر دقايق.

دخل.

نادين قفلت الباب.

— ليلى كلمتك؟

نظر لها.

— إنتِ بعتيلها الرسالة؟

ابتسمت.

— أي رسالة؟

آسر أخرج هاتفه.

حط صورة لقطة الشاشة أمامها.

لون وجهها تغير.

— هي وريتهالك؟

— ردي.

— آه.

قالتها.

آسر هز رأسه.

— ليه؟

— علشان تعرف الحقيقة.

— أنا قلتلها الحقيقة.

نادين ضحكت.

— واضح إنك نسيت أجزاء.

— ما نسيتش.

— أمال ليه اتصدمت؟

— لأن في فرق بين إني أحكيلها حاجة وبين إنك تقتحمي حياتها وهي حامل علشان تنتقمي.

نادين صرخت:

— وأنا مين يعوضني؟!

آسر تجمد.

— يعوضك عن إيه؟

— عن السنين اللي ضيعتها معاك!

قال بحدة:

— سنين إيه يا نادين؟!

— سنتين وأنا مستنياك تفهم!

آسر نظر لها بدهشة.

— أنا ما وعدتكيش بحاجة.

— ماوعدتنيش بالكلام.

اقتربت.

— لكن كنت بتبصلي. بتغير. تسأل. تقعد معايا. تحكيلي. تسيب مراتك وتيجي معايا اجتماعات وسفر.

قال:

— وده كان غلط.

— وبعدين تقول غلط؟!

دموعها نزلت.

— أنا بنيت حاجة في دماغي لأنك كنت كل يوم بتحط طوبة فيها.

الجملة أسكتته.

لأنه لم يستطع إنكار مسؤوليته كاملة.

قال:

— عندك حق في دي.

نادين توقفت.

لم تتوقع اعترافه.

قال:

— أنا خليتك تفهمي إن في احتمال. حتى لو ما قلتش.

خفض رأسه.

— وده ظلمتك بيه.

عيناها اتملت.

— يعني بتحبني؟

رفع رأسه.

— لأ.

كأن الكلمة صفعتها.

قال:

— ودي الحقيقة اللي كان لازم أقولها بدري.

نزلت دموعها.

— أنا كنت بحب اهتمامك بيا. كنت بحب أحس إني مرغوب.

سكت.

— لكن أنا ماكنتش بحبك.

نادين ابتعدت خطوة.

وجهها تهدم.

قال آسر:

— وعلشان كده، من النهارده، مفيش أي تواصل بينا غير رسمي ومن خلال الإدارة.

— بتطردني؟

— لأ.

— وأنا لو مش عايزة أكمل؟

— ده حقك.

مسحت دموعها.

— وليلى؟

آسر سكت.

— رجعتلك؟

— لأ.

نادين ضحكت بمرارة.

— يبقى خسرتنا إحنا الاتنين.

آسر قال:

— يمكن.

ثم أضاف:

— بس أهم حاجة إني ماخسرش نفسي أكتر من كده.

خرجت نادين.

وهذه المرة…

لم تلتفت.

في المساء…

وصلت ليلى رسالة من رقم آسر.

“كلمت نادين. مش هتوصلك منها أي رسائل تانية. ولو حصل، قوليلي. مش لازم تردي.”

قرأتها.

لم ترد.

بعد ساعة…

وصلت رسالة ثانية.

“أنا عملت أوضة صغيرة للبنت هنا. مش علشان ترجعي. علشان لو في يوم زارتني يبقى لها مكان.”

ليلى توقفت.

فتحت الصورة المرفقة.

سرير صغير.

دولاب أبيض.

كرسي هزاز.

ودبدوب كبير في الركن.

لا شيء مبالغًا فيه.

ابتسمت رغمًا عنها.

ثم لاحظت تفصيلة.

على الحائط لوحة صغيرة فارغة.

سألته:

“اللوحة فاضية ليه؟”

رد فورًا:

“مستني أعرف اسمها.”

وضعت ليلى يدها على بطنها.

كانت قد اختارت الاسم منذ فترة.

لكنها لم تخبره.

كتبت.

مسحت.

كتبت مرة ثانية:

“يارا.”

في القاهرة…

ظهرت الكلمة أمامه.

يارا.

آسر قرأها.

ثم قالها بصوت مسموع:

— يارا.

ابتسم.

كتب:

“يارا آسر المنشاوي.”

ليلى قرأت.

ثم كتبت:

“يارا آسر وليلى.”

نظر آسر إلى الرسالة.

وضحك.

وفي الوقت نفسه…

بكى.

لأنها للمرة الأولى منذ رحيلها…

كتبت اسميهما في جملة واحدة.

لم يكن ذلك رجوعًا.

لكنه كان أكثر من الصمت.

كتب:

“أجمل اسم في الدنيا.”

ردت:

“عشان هي بنتك يعني؟”

توقف.

ابتسم.

ثم كتب:

“عشان هي بنتك إنتِ.”

ليلى حدقت في الرسالة.

للحظة…

رجع آسر القديم.

الذي كانت تحبه.

أغلقت الهاتف بسرعة.

كأنها خافت من نفسها.

وفي الشهر الثامن…

حدث ما لم يكن في الحسبان.

كانت ليلى واقفة في المطبخ.

شعرت بألم.

في البداية تجاهلته.

ثم جاء مرة ثانية.

أقوى.

وضعت يدها على الرخامة.

— آه…

عم فؤاد سمع صوت شيء وقع فوق.

صعد بسرعة.

خبط.

— ليلى؟

فتحت بعد دقائق.

كانت شاحبة.

— عم فؤاد…

بص لها.

— مالك؟

— بطني…

اتصل بالإسعاف.

وسلمى كانت خارج المدينة ذلك اليوم.

في المستشفى…

الطبيبة فحصتها.

قالت:

— انقباضات.

ليلى خافت.

— بس أنا لسه…

— عارفة.

قالت الطبيبة:

— هنحاول نوقفها، بس لازم تكوني مستعدة لاحتمال الولادة.

قلبها ضرب.

— يارا؟

— نبضها كويس الحمد لله.

الممرضة سألت:

— نكلم مين؟

ليلى سكتت.

موبايلها كان في إيدها.

نظرت للأسماء.

سلمى بعيدة.

منى في القاهرة.

آسر.

وقفت عند اسمه.

قبل شهور…

كانت تفكر ألف مرة قبل ما تتصل به.

النهارده…

ضغطت.

رد فورًا.

— ليلى؟

سمع نفسها.

قام.

— مالك؟

قالت بصوت متكسر:

— أنا في المستشفى.

تجمد.

— ليه؟

— بيقولوا ممكن أولد.

لم يسأل.

لم يضيع ثانية.

قال:

— أنا جاي.

ثم وقف.

تذكر ما تعلمه.

وسأل:

— عايزاني أجي؟

ليلى سكتت.

بين انقباض وآخر…

غمضت عينيها.

قالت:

— آه.

كلمة واحدة.

لكنها كانت كفاية.

قال:

— أنا جاي.

قفل.

خرج من الشركة.

قاد للطريق.

وفي كل دقيقة…

كان يدعي:

— يا رب.

وصل بعد ساعات.

دخل المستشفى.

وجد منى وصلت قبله بقليل.

سلمى في الطريق.

سأل:

— هي فين؟

الممرضة قالت:

— جوه.

— أقدر أدخل؟

— هي طلبت حضرتك.

توقف.

هي طلبته.

دخل.

ليلى كانت على السرير.

وجهها متعب.

شعرها ملتصق بجبينها.

أول ما شافته…

مدت إيدها بدون ما تفكر.

آسر شاف الإيد.

توقف ثانية.

ثم أمسكها.

كانت أول مرة يلمسها منذ ليلة الحفل.

أصابعها قفلت على إيده مع موجة الألم.

— آسر…

— أنا هنا.

الجملة خرجت تلقائيًا.

ليلى فتحت عينيها.

نظرت له.

أنا هنا.

كلمتين…

لكنها كانت مستنياهم منه من سنين.

جاء انقباض أقوى.

صرخت.

آسر قرب.

— بصيلي.

— مش قادرة.

— تقدري.

— أنا خايفة.

صوته اتهز.

— وأنا كمان.

بصت له.

قال:

— بس مش هسيبك.

الدكتورة دخلت.

بعد فحص سريع، قالت:

— الولادة بدأت فعلًا.

ليلى شهقت.

— بدري.

— هنكون حريصين، لكن الطفلة شكلها مستعدة.

آسر ضغط على إيدها.

ليلى بصت له.

— ما تمشيش.

قلبه كاد يتوقف.

— مش همشي.

دخل معها.

ساعات طويلة.

ألم.

خوف.

تعب.

وفي لحظة، ليلى قالت وهي بتعيط:

— مش قادرة.

آسر مسح عرقها.

— أنا عارف.

— لأ، إنت ما تعرفش.

ابتسم وسط دموعه.

— صح. ماعرفش. بس أنا هنا.

صرخت:

— بكرهك!

قال فورًا:

— عندك حق.

الدكتورة ضحكت رغم التوتر.

ليلى بصت له بغضب.

— ماتضحكش!

— أنا مش بضحك والله.

ثم جاءت اللحظة.

صوت بكاء صغير شق الغرفة.

ليلى توقفت.

آسر توقف.

العالم كله توقف.

الدكتورة رفعت طفلة صغيرة.

— مبروك.

ليلى بدأت تبكي.

آسر وقف عاجزًا عن الكلام.

الطفلة وُضعت على صدر أمها.

ليلى بصت لها.

— يارا.

آسر قرب.

عيناه لا تفارقانها.

همس:

— دي هي؟

ليلى ضحكت وهي بتبكي.

— لأ، دي طفلة لاقيناها في الممر.

ضحك.

بكى.

وبعد دقائق، الممرضة قالت:

— بابا يشيلها؟

آسر اتجمد.

— أنا؟

ليلى بصت له.

ثم قالت:

— شيل بنتك.

مد إيديه.

الممرضة وضعتها بين ذراعيه.

جسمها صغير جدًا.

آسر ارتجف.

— أنا خايف أقعها.

ليلى ابتسمت.

— مش هتقع.

بص لابنته.

كانت عينيها مقفولة.

أصابعها صغيرة.

مدت كفها بلا وعي وقبضت على إصبعه.

آسر انهار.

دموعه نزلت.

— يا يارا…

باس رأسها.

— أنا بابا.

ثم بص لليلى.

كانت بتراقبه.

قال:

— شكرًا.

ليلى عيناها دمعت.

— على إيه؟

— عليها.

سكت لحظة.

— وعلى إنك سمحتيلي أكون هنا.

ليلى لم ترد.

لكن نظرتها كانت أهدأ من أي وقت مضى.

بعد دقائق…

خرجت الممرضة بالطفلة للفحص.

بقي آسر وليلى وحدهما.

الصمت بينهم كان غريبًا.

هادئًا.

آسر جلس على الكرسي.

قال:

— هسيبك ترتاحي.

ليلى قالت:

— آسر.

رفع عينه.

— نعم؟

ترددت.

ثم قالت:

— ما تروحش.

قلبه شد.

قال بهدوء:

— مش هروح.

جلس.

وبعد دقائق…

ليلى نامت.

آسر فضل مكانه.

يراقبها.

لأول مرة من سنين…

لم يكن عنده اجتماع أهم.

ولا مكالمة أهم.

ولا رحلة.

فضل لحد الصبح.

وفي الساعات الهادية قبل الفجر…

رجعت يارا من الحضانة.

الممرضة حطتها بجانب ليلى.

آسر قرب الكرسي.

يارا بدأت تبكي.

ليلى فتحت عينيها بتعب.

قبل ما تقوم…

آسر قال:

— نامي إنتِ.

— تعرف تعمل إيه؟

— ولا أي حاجة.

ضحكت.

قال:

— بس هتعلم.

شال يارا.

مشى بيها في الغرفة.

— اسكتي يا بنتي بقى، أول يوم وتفضحيني.

ليلى ضحكت.

فتحت عينيها.

شافت آسر يمشي ببنتهم.

وشافت لأول مرة…

الرجل اللي كانت محتاجاه من البداية.

مش رجل الأعمال.

مش المنشاوي.

مش الراجل اللي كل الناس بتجري وراه.

مجرد أب مرتبك، شايل بنته وبيحاول يسكتها.

دمعة نزلت من عينها.

لكنها هذه المرة…

لم تكن دمعة وجع فقط.

كان فيها شيء آخر.

شيء أخافها أكثر من الألم.

الأمل.

وفي آخر الليل…

بينما كان آسر واقفًا عند النافذة شايل يارا…

قالت ليلى بصوت خافت:

— آسر.

استدار.

— نعم؟

قالت:

— إحنا لسه مش رجعنا.

ملامحه هديت.

— عارف.

— واللي حصل ما اتمسحش.

— عارف.

— وأنا لسه مش عارفة هقدر أسامح ولا لأ.

هز رأسه.

— عارف.

نظرت له.

— بس…

قلبه دق.

قالت:

— ممكن نحاول نبقى أبو وأم كويسين الأول.

ابتسم.

— ده أكتر من اللي كنت مستنيه.

ليلى بصت لابنتها.

ثم إليه.

— وبعدها نشوف.

آسر لم يطلب أكثر.

لم يقل “هترجعي”.

لم يقل “أنا عارف إنك لسه بتحبيني”.

فقط قال:

— ماشي.

ثم نظر إلى يارا.

— سمعتي يا ست يارا؟ عندنا فترة اختبار.

ليلى ضحكت رغمًا عنها.

آسر ابتسم.

وفي تلك اللحظة…

لم تكن هناك مصالحة كاملة.

ولا نهاية سعيدة جاهزة.

لكن كان هناك شيء أهم.

بداية جديدة.

بطيئة.

هشة.

لكن حقيقية.

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى