فيزا كارت حكايات اسما السيد 2

بعد يومين بس من جوازنا، جوزي اشترى أربع تذاكر سفر بكارتي من غير ما ياخد إذني. قال إن أمه «تستاهل تتفسح علشان ربتني وجوزتني»، ما صرختش ولا عملتله كأنه بيقولي إنه اشترى عيش وهو راجع.
كنا في شقتنا، حوالينا كراتين هدايا الفرح، وأظرف لسه ما اتفتحتش، وورد بدأ يدبل، وكوبايات محدش لحق يلمها.
كنت واقفة قدام المراية بفك آخر دبابيس من تسريحة الفرح.
إيدي وقفت مكانها.
— جايين… معانا في شهر العسل؟
ما رفعش حتى عينه من الموبايل.
— ما تكبريش الموضوع. المكان كبير.
ضحكت.
مش عشان الموضوع يضحك.
دي كانت الضحكة الناشفة اللي بتطلع لما تسمعي حاجة عبثية لدرجة إنك مش عارفة تعيطي ولا تتعصبي.
اتنهد بضيق.
كأني أنا اللي ببوظ عليه الليلة.
— إنتِ.
لفيتله ببطء.
— نعم؟
زق موبايله ناحيتي على الترابيزة.
بصيت في الشاشة.
أربع تذاكر طيران.
مواصلات.
وكل المبلغ متسحب من كارتي الشخصي.
الكارت اللي عمري ما سمحتله يستخدمه.
رفعت عيني عليه.
— جبت بيانات الكارت منين؟
— بلاش دراما.
— سألتك جبت بيانات الكارت منين؟
بصلي أخيرًا.
— كانت محفوظة على الكمبيوتر.
حسيت صدري اتقفل.
الباسورد.
ملفاتي.
كشوف حسابي.
كل حاجة كانت على الكمبيوتر.
— دخلت على حاجاتي من غير إذني؟
رد بثلاث كلمات:
— إحنا متجوزين.
سكت.
إحنا متجوزين.
كأن عقد الجواز حول حسابي البنكي لخزنة مفتوحة ليه.
قلتله:
— الغي التذاكر.
ضحك.
— مستحيل.
— دي أول أيام جوازنا.
— وعلشان كده عايز أشاركها مع أهلي.
— ده شهر عسلنا إحنا.
— أمي بقالها سنين ما اتفسحتش.
— مش مسؤوليتي.
هنا وشه اتغير.
— وحش أوي إنك تقولي كده بعد كل اللي أمي عملته عشاني.
— اللي عملته عشانك إنت، مش أنا اللي مطالبة أدفع تمنه.
بصلي بثبات وقال:
— ما إنتِ تقدري. إنتِ بتكسبي تقريبًا ضعف مرتبي. مش فاهم عاملة كل الدوشة دي على شوية فلوس ليه.
وفي اللحظة دي فهمت حاجة كان المفروض أفهمها قبل ما ألبس فستان الفرح.
بالنسبة له، مرتبي ماكانش نتيجة تعبي وسهري وشغلي.
كان فلوس بقت من حقه لمجرد إنه اتجوزني.
وفجأة موبايله رن.
كانت أمه.
رد وفتح السماعة الخارجية.
— أيوه يا أمي؟
صوتها طلع واضح:
— قلتلها؟
بصلي.
— أيوه.
— وقالت إيه؟
سكت.
فضحكت وقالت:
— أنا كنت عارفة إنها هتعمل فيها حساسة.
جسمي كله اتشد.
حساسة؟
عشان مش عايزة أدفع إجازة عائلية اتحشرت بالعافية في شهر عسلي؟
وبعدين قالت الجملة اللي خلت كل حاجة تبان قدامي بوضوح:
— وبعدين ما خلاص اتجوزتوا… فلوسها بقت فلوسك.
جوزي قفل المكالمة.
ما اعترضش.
ما قالش لأمه إنها غلط.
بالعكس…
مسك الكوباية وشرب عادي جدًا.
بصيتله ثواني.
وبعدين هزيت راسي.
— خلاص.
قطب حاجبيه.
— خلاص إيه؟
ابتسمت.
— هنروح.
وشه نور فورًا.
— كنت عارف إنك هتعقلي.
قام وباسني على جبيني.
— وعشان كده أنا اتجوزتك… لأنك في الآخر بتفهمي.
ضغطت على سناني عشان ما أردش.
لأني فعلًا كنت فهمت.
بس مش اللي هو فاكره.
وفي الليلة دي، استنيت لحد ما نام.
الساعة كانت 2:17 بعد نص الليل لما فتحت تطبيق البنك وبدأت أراجع حسابي.
وبعد أقل من خمس دقايق…
إيدي بدأت تترعش.
لأن تذاكر السفر ما كانتش أول حاجة اشتراها بكارتي من ورا ضهري.
كان فيه عمليات تانية.
كتير.
وبعضها حصل قبل فرحنا أصلًا.
بصيت ناحية جوزي وهو نايم جنبي وبيشخر بكل أريحية.
وساعتها عرفت إن اللي حصل ماكانش تصرف متهور.
كان حاجة أكبر بكتير.
وقبلها شراء موبايل جديد بالتقسيط.
وقبلها تحويل إلكتروني باسم شخص ماعرفوش.
وقبلها عملية شراء من محل دهب قبل فرحنا بحوالي شهر.
بلعت ريقي وفتحت تفاصيل العملية.
37,500 جنيه.
بصيت ناحية جوزي، أدهم.
كان نايم على ضهره بكل راحة، وكأن الراجل اللي جنبي ده مش هو نفسه اللي دخل على بياناتي البنكية واشترى حاجات بعشرات الآلاف من غير ما أعرف.
فتحت كشف الحساب لآخر تلات شهور.
كل ما أنزل لتحت، قلبي يدق أسرع.
المبالغ الصغيرة كانت أخطر من الكبيرة.
650 جنيه.
1200.
1201.
1202.
مبالغ لو شوفت واحدة منهم لوحدها يمكن أقول نسيت إني اشتريت حاجة.
لكن لما اتحطوا جنب بعض…
الصورة بقت مرعبة.
قمت من السرير بهدوء ودخلت الصالة.
قفلت الباب ورايا.
طلعت اللابتوب.
غيرت باسورد الإيميل.
باسورد البنك.
باسورد التخزين السحابي.
كل حاجة.
وبعدين اتصلت بخدمة البنك.
الموظف رد بصوت هادي:
— مساء الخير يا فندم، تحت أمرك.
قلت:
— أنا عايزة أوقف الكارت فورًا.
— الكارت اتسرق؟
بصيت ناحية باب أوضة النوم.
وقلت:
— بياناته اتسرقت.
سألني عن آخر عمليات أنا عملتها بنفسي.
وهنا بدأت المفاجآت.
قال:
— حضرتك بتعترضي على عملية الفندق وتذاكر الطيران فقط؟
قلت:
— لأ… فيه عمليات تانية.
بدأت أقرأله العمليات واحدة واحدة.
وفجأة قال:
— تمام يا فندم، هنسجل اعتراض مبدئي، لكن في عملية تحويل تمت لحساب بنكي مش عملية شراء.
قلبي وقف.
— تحويل لمين؟
سكت ثانيتين وهو بيراجع.
— لحساب باسم… منى عبدالسلام.
إيدي بردت.
منى عبدالسلام…
حماتي.
قفلت عيني.
— كام؟
قال الرقم.
25 ألف جنيه.
فضلت ساكتة.
الموظف سأل:
— حضرتك معايا؟
— معاك.
— هل حضرتك تعرفي صاحبة الحساب؟
ضحكت ضحكة صغيرة.
— للأسف… أعرفها كويس.
بعد ما خلصت المكالمة، قعدت لوحدي في الضلمة.
كنت ممكن أصحيه.
أصرخ.
أرمي الدبلة في وشه.
أكلم أهلي.
لكن ماعملتش أي حاجة من دي.
لأن لأول مرة فهمت إن المشكلة مش أربع تذاكر.
المشكلة إن جوزي كان بيتعامل مع فلوسي كأنها خطة مالية اتعملت قبل جوازنا.
والأخطر…
إن أمه كانت جزء من الخطة.
فتحت محادثتي القديمة مع أدهم.
رجعت لشهور قبل الخطوبة.
وفجأة افتكرت سؤال كان سألهولي زمان.
كان بيضحك وقتها وقال:
— بالمناسبة… الناس في مجالك بتقبض كام؟
أنا جاوبته عادي.
وبعدها بأسابيع سأل:
— إنتِ بتوفري ولا بتحبي تصرفي؟
وبعد الخطوبة:
— الشقة اللي باسمك دي ناوية تبيعيها يومًا ما؟
أسئلة كنت فاكرها فضول.
دلوقتي…
ما بقيتش متأكدة.
الساعة قربت من أربعة الفجر لما سمعت باب الأوضة بيتفتح.
أدهم خرج وهو بيفرك عينه.
— إنتِ قاعدة هنا ليه؟
قفلت اللابتوب بسرعة.
— معرفتش أنام.
قرب مني.
— لسه زعلانة من موضوع السفر؟
بصيتله وابتسمت.
— لأ.
— بجد؟
— بجد.
ابتسم وقعد جنبي.
— عارف إنك هتفهمي في الآخر.
مد إيده وحاول يحضني.
سيبته.
وبعدين سألته بهدوء:
— أدهم؟
— نعم؟
— مامتك مبسوطة بالسفر؟
ضحك.
— جدًا. دي من امبارح بتدور على لبس جديد.
هزيت راسي.
— حلو.
— وأختي كمان طايرة من الفرحة.
قلت وأنا ببصله:
— خليهم يجهزوا كويس.
ابتسم.
ماكانش يعرف…
إن بعد أقل من ساعة، الكارت اللي اشترى بيه الرحلة اتوقف رسميًا.
وإن البنك بدأ يراجع العمليات.
وإن أنا كنت ناوية أسيبه يكمل تمثيليته للآخر.
لأني كنت عايزة أعرف حاجة واحدة بس:
هو اتجوزني لأنه بيحبني فعلًا؟
ولا لأنه شافني حساب بنكي ماشي على رجلين؟
والإجابة وصلتني أسرع مما توقعت.
تاني يوم، وأنا في الشغل، جالي اتصال من رقم غريب.
رديت:
— ألو؟
صوت ست قال:
— مدام ليلى؟
— أيوه.
قالت:
— أنا بكلم حضرتك بخصوص القسط المتأخر باسم الأستاذ أدهم… والضامن حضرتك.
اتسمرت مكاني.
— ضامن؟
قالت الموظفة:
— أيوه يا فندم.
وبعدين قالت رقم عقد.
عقد أنا عمري ما شفته.
ولا مضيت عليه.
وساعتها…
فهمت إن موضوع الكارت كان مجرد أول باب.
وإن وراه مصيبة أكبر بكتير.بعد ست شهور…
كنت واقفة في شقتي القديمة.
الشقة اللي حماتي كانت شايفاها حل لديون ابنها.
واللي أدهم كان متخيل إني يومًا ما هبيعها عشان “نبني مستقبلنا”.
فتحت الشباك.
دخل الهوا.
ولأول مرة من شهور حسيت إني بتنفس من غير خوف.
الفترة اللي فاتت ماكانتـش سهلة.
اتخذت الإجراءات القانونية والمالية المناسبة بخصوص المعاملات والتوقيع اللي اعترضت عليه، وقدمت كل المستندات اللي عندي للجهات المختصة، وسيبت كل طرف يتحمل مسؤولية تصرفاته.
ما حاولتش أنتقم.
ولا فضحت حد على السوشيال ميديا.
ولا بعت التسجيل لأهلهم.
كنت عايزة حقي بس.
وأهم من الفلوس…
كنت عايزة نفسي ترجعلي.
أدهم حاول كتير.
مرة ورد.
مرة رسائل.
مرة جه مع خاله.
ومرة كتب:
“أنا خسرتك بسبب غبائي.”
قريت الرسالة.
وما رديتش.
لأنه ما خسرنيش بسبب غلطة واحدة.
هو خسرني كل مرة قرر فيها إن حقي ممكن يتاخد من غير إذني طالما هو شايف إن عنده سبب.
أما حماتي…
فآخر رسالة منها كانت:
“هتعرفي بعدين إن مفيش راجل كامل.”
رديت عليها بجملة واحدة:
“أنا ماطلبتش راجل كامل. كنت طالبة راجل أمين.”
وبعدها قفلت الباب ده نهائيًا.
—
في يوم وأنا راجعة من الشغل، نور اتصلت بيا.
— عندي خبر.
— خير؟
— أدهم بدأ يسدد ديونه بنفسه.
سكت.
قالت:
— باع عربيته.
— ربنا يعينه.
استغربت برودي.
— مش عايزة تعرفي عنه حاجة؟
بصيت من شباك العربية.
— لأ.
— حتى مش زعلانة؟
فكرت.
وقلت:
— كنت زعلانة لما كنت بحبه ومستنية منه يتغير. دلوقتي أنا بس بتمنى إنه يتعلم.
قفلت المكالمة.
وبعدها بدقايق وصلتني رسالة من رقم أدهم.
كانت آخر رسالة منه.
“أنا عارف إن الاعتذار مش هيرجع حاجة. بس فيه جملة قولتها لك ليلة ما اكتشفتي السفر، وكل يوم بفتكرها وبكره نفسي عليها.”
عرفت الجملة قبل ما أكمل.
“كنت عارف إنك هتعقلي.”
ابتسمت بحزن.
وكمل:
“دلوقتي فهمت إنك كنتِ فعلًا أعقل واحدة فينا. أنا اللي ما فهمتش.”
ما رديتش.
مسحت الرسالة.
وحطيت الموبايل في شنطتي.
—
بعد حوالي سنة، كنت قاعدة مع واحدة صاحبتي في مطعم لما سألتني:
— لو رجع بيكي الزمن، كنتِ هتلغي الجواز قبل الفرح؟
فكرت شوية.
قلت:
— طبعًا.
ضحكت.
— طب إيه اللي اتعلمتيه؟
قلت:
— إن الحب مش معناه إنك تدي حد مفتاح حياتك كلها وتقولي أكيد عمره ما هيستخدمه ضدك.
سكتت تسمعني.
فكملت:
— وإن الاستقلال مش أنانية. وإن الجواز مش بيلغي الحدود. وإن كلمة “إحنا” عمرها ما المفروض تمسح كلمة “أنا”.
بصتلي وقالت:
— وإيه أكتر حاجة وجعتك؟
افتكرت ليلة الفرح.
الورد.
الكوبايات.
كراتين الهدايا.
وأدهم وهو بيقولي بكل بساطة إن أمه وأخته جايين شهر العسل على حسابي.
قلت:
— إني كنت فاكرة إن دي بداية حياتنا.
— وطلعت إيه؟
ابتسمت.
— طلعت نهاية الوهم.
قمت من مكاني.
دفعت حسابي.
بكارتي الجديدة.
الكارت اللي بياناته مايعرفهاش غيري.
وأنا خارجة، موبايلي رن.
إشعار من البنك:
تم إيداع الراتب.
ضحكت لوحدي.
مش عشان الرقم.
لكن عشان لأول مرة من وقت طويل…
ماكانش فيه حد مستني مرتبي غيري.
رجعت البيت.
فتحت الباب.
رميت المفاتيح على الترابيزة.
وعلى الحيطة المقابلة للباب كنت معلقة جملة كتبتها بإيدي بعد ما انتهت الحكاية:
“اللي يحبك يشاركك حياتك… مش يستولي عليها.”
بصيتلها وابتسمت.
ماكنتش أعرف إن الأربع تذاكر دول كانوا أحسن حاجة حصلتلي.
لأنهم خلوني أفتح كشف الحساب.
.




