عام

بنت مشرده حكايات اسما السيد

بنت مشردة طلبت بواقي الأكل من سيدة أعمال مليونيرة… وهي ما تعرفش إنها أمها اللي فضلت تدور عليها أكتر من عشرين سنة.

المطر كان بينزل بغزارة على القاهرة، لما خرجت سارة من تحت الكوبري اللي كانت مستخبية تحته في شبرا.

كان عندها 22 سنة.

لابسة بنطلون قديم، وكوتشي مقطوع، وجاكيت خفيف المطر بيعدي منه كأنه مش موجود.

بقالها يومين تقريبًا ما دخلش بطنها غير نص رغيف ناشف لقيته مرمي في كيس.

الجوع كان بيعصر معدتها لدرجة إنها بالعافية قادرة تمشي.

من سنين وهي عايشة على أي شغلانة بسيطة تلاقيها…

مرة تمسح عربيات عند الإشارة…

ومرة تشيل شنط الناس في السوق…

ومرة تبيع ورد باقي من المحلات آخر اليوم.

أوقات كانت تنام في دار رعاية.

وأوقات لما المكان يتملي، كانت ترجع تنام تحت الكوبري، حاضنة شنطتها الصغيرة علشان محدش يسرقها.

الشنطة دي كانت كل اللي تملكه في الدنيا.

جواها صورة قديمة باهتة للست اللي ربتها…

وبطانية أطفال صغيرة مطرز عليها حرف واحد…

وسلسلة فضة متعلقة فيها هلال صغير.

الست اللي ربتها كان اسمها الحاجة أمينة.

طول عمرها كانت تقول لها:

— لقيتك قدام جامع في طنطا وإنتِ رضيعة… وأهلك سابوكي.

لكن قبل ما تموت بيوم…

غيرت كلامها.

قالت وهي نفسها بيطلع بالعافية:

— لا… أهلك ما سابوكيش… حد خبّاكي منهم.

سارة حاولت تسألها مين…

لكن الحاجة أمينة فارقت الحياة في نفس الليلة.

ومن يومها…

بقى عند سارة وجع أكبر من الجوع نفسه…

وجع إنها مش عارفة هي بنت مين.

في مساء اليوم ده…

راحت ناحية التجمع الخامس بعدما سمعت إن المطاعم الكبيرة ساعات بترمي أكل يكفي أسر كاملة.

وقفت قدام مطعم فاخر اسمه قصر النيل.

من وراء الإزاز…

شايفة الترابيزات البيضا…

والكاسات اللامعة…

وأطباق تمن الواحد منها أكتر من اللي بتكسبه في شهر كامل.

الأمن لمحها وهي بتقرب.

قال بحدة:

— إنتِ رايحة فين؟

قالت بهدوء:

— مش داخلة… كنت بس عايزة أسأل… لو فيه أكل هيفضل آخر اليوم… ممكن آخده؟

ضحك بسخرية.

— هو إحنا فاتحين جمعية خيرية؟

قالت:

— أنا مش بطلب فلوس.

— كله بيقول كده.

نزلت عينيها للأرض.

— والله بقالي يومين تقريبًا ما كلتش.

شدها من دراعها وزقها.

وقعت على الأرض وسط مية المطر.

الناس بصت…

واحدة حطت إيدها على بقها من الصدمة…

وواحد طلع موبايله وصور.

سارة قامت بالعافية.

وقالت بصوت مكسور:

— معلش… ماكنش قصدي أضايق حد.

في اللحظة دي…

وقفت عربية سوداء فخمة قدام المطعم.

مدير المطعم جري بنفسه يستقبل صاحبتها.

والموظفين وقفوا صف واحد.

نزلت منها سيدة في أوائل الخمسينات.

ملامحها هادية…

لابسة بدلة أوف وايت شيك…

وحاطة سلسلة فضة حوالين رقبتها.

دي كانت ليلى الشاذلي…

واحدة من أشهر سيدات الأعمال في مصر.

عندها سلسلة فنادق ومستشفيات وشركات استثمار.

الناس كلها كانت تعرفها كسيدة حديدية.

لكن محدش كان يعرف إنها كل ليلة…

أول ما تقفل باب أوضتها…

بتتحول لأم مكسورة القلب…

بقالها 22 سنة بتدور على بنتها.

بنتها نور اختفت وهي عندها أربع شهور.

الشرطة قالت وقتها إنها اتخطفت.

وبعدين ظهرت أدلة مزورة بتقول إنها ماتت.

لكن الجثة عمرها ما اتلقت.

ليلى عمرها ما صدقت.

صرفت ملايين على التحريات…

وسافرت تدور عليها في كل مكان.

لكن مع السنين…

الكل طلب منها تنسى.

الشخصين الوحيدين اللي كانوا مصرين تقفل الملف هما…

جوز أختها فؤاد…

ومراته منى.

أول ما سمعت صوت سارة وهي بتقول:

— يا هانم… بعد ما تخلصي أكلك… ينفع تديني الباقي؟ والله جعانة.

وقفت مكانها.

مدير المطعم اتوتر وقال بسرعة:

— يا فندم… هنبعدها حالًا.

بصت له وقالت ببرود:

— محدش يلمسها.

قربت من سارة.

وقالت برقة:

— اسمك إيه؟

— سارة.

— جعانة؟

— أيوه… بس هستنى بره.

قلعت جاكيتها الغالي…

وحطته على كتافها.

وقالت:

— مش هتستني في المطر علشان تاكلي بواقي أكل.

كل اللي في المطعم اتفاجئوا…

وهي ماسكة إيد البنت ودخلتها معاها.

مدير المطعم قال بتوتر:

— نجهز لها ترابيزة جنب المطبخ؟

بصت له نظرة حادة.

وقالت:

— لا…

هتقعد على نفس الترابيزة معايا.

دخلت سارة وسط نظرات الناس…

حاسّة إن هدومها المقطعة فضحتها.

في ناس همست…

وفي ناس عملت نفسها مش شايفاها.

طلبت ليلى…

شوربة…

ولحمة…

ورز…

وعيش…

وكوباية شوكولاتة سخنة.

الأكل اتحط قدام سارة…

لكن فضلت باصة له.

سألتها ليلى:

— مش جعانة؟

قالت:

— جعانة جدًا.

— أمال ليه مش بتاكلي؟

ردت وهي بتترعش:

— خايفة حد يقول إني سرقت حاجة.

الكلمة وجعت ليلى من جواها.

قالت لها بهدوء:

— طول ما إنتِ معايا… محدش هيقدر يتهمك بأي حاجة.

سارة أخدت أول معلقة شوربة…

وبعدين التانية…

وعند التالتة…

انفجرت في العياط.

— آسفة.

ابتسمت ليلى بحنان.

— ما تعتذريش.

قالت سارة وهي بتمسح دموعها:

— نسيت إحساس إني آكل من غير ما أخاف الأكل يخلص.

ليلى مدت إيدها تناوِلها منديل…

وفي اللحظة دي…

وقعت عينها على السلسلة اللي في رقبتها.

هلال فضة صغير…

بنفس التصميم…

اللي كانت علقته في رقبة بنتها وهي رضيعة.

اتسعَت عيناها…

وشحب لون وجهها.

اقرأوا القصة الكاملة من الرابط الموجود في أول تعليق.”الحكاية لم تنتهِ بعد…”

📖 رابط القصة الكاملة في أول تعليق.

✍️ الكاتبة أسما السيد

الفصل الثاني: الهلال اللي رجّع الماضي

إيد ليلى فضلت معلقة في الهوا وهي ماسكة المنديل.

عينيها ما اتحركتش من السلسلة اللي في رقبة سارة.

هلال فضة صغير…

قديم شوية…

وعلى طرفه خدش رفيع ناحية اليمين.

نفس الخدش.

نفس المكان.

حتى السلسلة نفسها كانت بنفس الحلقات الدقيقة اللي اختارتها ليلى بإيديها من 22 سنة.

سارة لاحظت نظرتها، فحطت إيدها على السلسلة بسرعة.

— في حاجة يا هانم؟

ليلى بلعت ريقها بالعافية.

— السلسلة دي… جتلك منين؟

سارة بصت للهلال.

— كانت معايا من وأنا صغيرة.

— مين ادهالك؟

— الحاجة أمينة قالت إنها كانت في رقبتي يوم ما لقتني.

الكوباية وقعت من إيد ليلى.

اتكسرت على الأرض.

مدير المطعم جري عليها:

— حضرتك كويسة يا فندم؟

رفعت إيدها من غير ما تبصله.

— محدش يقرب.

وبعدين رجعت بصت لسارة.

صوتها كان بيترعش لأول مرة من سنين.

— قالتلك لقتك فين؟

— قدام جامع في طنطا.

— وإنتِ كان عندك كام سنة؟

هزت سارة كتفها.

— رضيعة… يمكن كام شهر.

ليلى حسّت إن المطعم كله بيلف حواليها.

بنتها نور اختفت وهي عندها أربع شهور.

وبعد أسبوعين من اختفائها…

ظهر شاهد قال إنه شاف ست شايلة طفلة بنفس المواصفات في محطة طنطا.

لكن فؤاد وقتها أقنعهم إن الشاهد نصاب وعايز فلوس.

ليلى قربت أكتر.

— ممكن… أشوف السلسلة؟

سارة مسكتها بخوف.

— ليه؟

ليلى حاولت تتمالك نفسها.

— علشان عندي واحدة شبهها.

فتحت شنطتها بإيد مرتعشة.

طلعت محفظة جلد صغيرة.

ومن جيب داخلي فيها…

طلعت صورة قديمة.

كانت صورة ليلى وهي أصغر بسنين، شايلة طفلة رضيعة.

وفي رقبة الطفلة…

هلال فضة.

سارة بصت للصورة.

وبعدين للسلسلة.

وبعدين لليلى.

— دي مين؟

ردت ليلى بصوت مبحوح:

— بنتي.

— فين هي؟

دمعة نزلت على خد ليلى.

— بدور عليها بقالي 22 سنة.

سارة سكتت.

قلبها بدأ يدق بسرعة.

لكنها هزت راسها فورًا.

— لا… أكيد صدفة.

ليلى نفسها قالت بسرعة:

— أيوه… ممكن تكون صدفة.

كانت خايفة تصدق.

خايفة جدًا.

لأنها صدقت قبل كده عشرات المرات.

كل مرة حد يكلمها ويقول لها:

“لقينا بنتك.”

تجري…

تعمل تحاليل…

وفي الآخر ترجع لوحدها.

لكن المرة دي كان فيه شيء مختلف.

الهلال.

العمر.

طنطا.

والإحساس الغريب اللي ضرب قلبها من أول ما سمعت صوت البنت.

سارة حاولت تكمل أكلها، لكن إيديها كانت بتترعش.

وفجأة قالت:

— عندي حاجة تانية.

فتحت شنطتها الصغيرة.

طلعت بطانية أطفال قديمة.

لونها كان باهت من السنين.

فردتها على الترابيزة.

وفي الركن…

كان مطرز حرف:

ن

ليلى شهقت.

وقامت من مكانها فجأة.

— البطانية دي!

سارة خافت.

— مالها؟

مدت ليلى إيدها ولمست التطريز.

— أنا اللي اخترت الخط ده.

بصت لسارة ودموعها نازلة.

— اسم بنتي كان نور.

سارة قامت هي كمان.

— استني… إنتِ بتقولي إيه؟

— مش بقول إنك بنتي.

ليلى قربت منها خطوة.

— أنا بقول إن لازم نعرف الحقيقة.

سارة رجعت خطوة لورا.

— ولو طلعت مش بنتك؟

ليلى سكتت ثواني.

ثم قالت:

— هتفضلي البنت اللي طلبت مني أكل النهارده… وأنا مش هسيبك ترجعي تنامي تحت كوبري.

سارة بصت لها بصدمة.

لأول مرة…

حد يعرض يساعدها من غير مقابل.

لكنها ماكنتش تعرف إن على بعد أمتار من المطعم…

كان فيه راجل واقف جوه عربية، بيتابع كل حاجة.

ورفع موبايله واتصل.

— ألو… يا مدام منى؟

سكت لحظة.

ثم قال:

— الست ليلى قابلت بنت.

وجملة الراجل اللي بعدها…

خلت منى تقع الموبايل من إيدها.

— والبنت لابسة الهلال.

الفصل الثالث: تحليل واحد ممكن يهدم عيلة كاملة

بعد أقل من ساعة، كانت سارة قاعدة في جناح خاص داخل واحد من مستشفيات ليلى.

الدكاترة كشفوا عليها.

كانت عندها أنيميا شديدة، وإرهاق، ونقص تغذية.

لكن حالتها مستقرة.

ليلى فضلت واقفة بره الأوضة.

مش قادرة تدخل.

مش عارفة تتعامل معاها كبنت محتاجة مساعدة…

ولا كبنت ممكن تكون نور.

وصل المحامي الخاص بليلى.

اسمه المستشار عادل.

كان من القليلين اللي يعرفوا قصة نور كاملة.

أول ما شاف السلسلة والبطانية…

وشه اتغير.

قال بهدوء:

— لازم تحليل DNA.

ليلى هزت راسها.

— من غير ما نضغط عليها.

في اللحظة دي خرجت سارة.

كانت لابسة هدوم نظيفة جابتها لها الممرضات.

قالت:

— أنا موافقة.

ليلى بصت لها.

— متأكدة؟

— أنا عايزة أعرف أنا مين.

وسكتت شوية.

— حتى لو طلعت مش بنتك… التحليل يمكن يقفل باب في دماغي بقاله سنين.

اتعمل التحليل.

لكن النتائج كانت محتاجة وقت.

وفي الناحية التانية من القاهرة…

كانت منى ماشية في الصالة رايحة جاية.

وفؤاد قاعد قدامها ووشه أصفر.

قالت له:

— إزاي ظهرت دلوقتي؟!

رد بعصبية:

— وطي صوتك!

— أوطي صوتي؟ بعد 22 سنة؟!

وقف فؤاد.

— إحنا اتفقنا إن الموضوع انتهى.

ضحكت منى بمرارة.

— انتهى؟ البنت قاعدة دلوقتي في مستشفى ليلى!

— مين قال إنها هي؟

— الهلال معاها!

فؤاد سكت.

منى قربت منه.

— أنا قلتلك وقتها سيب الطفلة في دار رعاية وخلاص.

فؤاد ضرب بإيده على الترابيزة.

— وإنتِ اللي قلتي لازم تختفي بعيد!

الحقيقة كانت أبشع مما يتخيله أي حد.

من 22 سنة…

كان والد ليلى لسه عايش.

وكان كاتب جزء كبير من ثروته لحفيدته الأولى “نور”.

وفؤاد كان غارق في ديون ضخمة.

وكان عارف إن وجود نور هيقلل نصيب زوجته من الميراث.

فخطط لخطف الطفلة.

منى عرفت.

وسكتت.

لكن الخطة خرجت عن السيطرة.

الست اللي أخذت نور رفضت تأذيها.

وسابتها قدام جامع في طنطا…

ومعاها البطانية والسلسلة.

وهناك لقتها الحاجة أمينة.

فؤاد لفّق بعدها أدلة توحي بموت الطفلة.

لكن نور…

ما ماتتش.

كبرت باسم سارة.

وفؤاد قال:

— لازم نتيجة التحليل ما توصلش لليلى.

منى بصت له بخوف.

— هتعمل إيه؟

رد ببرود:

— اللي كان لازم أعمله من 22 سنة.

الفصل الرابع: الحاجة أمينة سابت الدليل

تاني يوم…

دخلت ليلى أوضة سارة.

لقيتها واقفة عند الشباك.

قالت سارة:

— ممكن أسألك سؤال؟

— اسألي.

— لو أنا فعلًا بنتك… كنتِ بتدوري عليا؟

ليلى ما ردتش بالكلام.

فتحت موبايلها.

ورتها صور.

إعلانات قديمة.

صور معلقة في أقسام الشرطة.

نسخ من بلاغات.

مكافآت مالية.

صور ليلى في مدن مختلفة.

قصاصات جرايد عمرها عشرين سنة.

وقالت:

— عمري ما بطلت.

سارة قعدت على طرف السرير.

دموعها بدأت تنزل.

— طب ليه أنا عشت كده؟

ليلى قعدت قدامها.

— معرفش.

قالتها وهي بتعيط.

— بس لو طلعتِ نور… أقسم بالله هعرف مين سرق عمرك مني.

في اللحظة دي…

رن موبايل سارة القديم.

رقم غريب.

ردت.

— ألو؟

جالها صوت راجل:

— إنتِ سارة اللي كانت عايشة مع الحاجة أمينة؟

— أيوه.

— أنا صاحب المخزن اللي كانت مأجراه زمان. لقينا صندوق باسمك.

بعد ساعات…

وصل الصندوق للمستشفى.

كان صغير ومقفول بقفل صدئ.

جواه هدوم قديمة…

وشهادة تطعيم شبه تالفة…

وظرف مكتوب عليه:

“لسارة… لما تكبر.”

فتحت سارة الظرف.

وكان جواه جواب بخط الحاجة أمينة.

“يا بنتي…

أنا كذبت عليكي.

سامحيني.

إنتِ ماكنتيش مرمية من أهلك.

الست اللي جابتك ليا كانت مرعوبة.

قالت إن ناس خطفوكي من أمك، وإنها خافت يقتلوكي.

طلبت مني أخبيكي كام يوم لحد ما ترجع.

لكنها ما رجعتش.

بعدها جالي راجل وهددني.

قال لو بلغت الشرطة هيقتلني ويأذيكي.

خوفت.

وهربت بيكي.

أنا غلطت لما سكت.

لكن والله حبيتك زي بنتي.

اسمك الحقيقي كان مكتوب على ورقة جوه البطانية.

نور ليلى الشاذلي.”

إيد سارة وقعت.

الجواب وقع على الأرض.

ليلى شهقت.

— نور…

سارة رفعت عينيها لها.

لكن قبل ما أي واحدة تتحرك…

باب  اتفتح.

دخل المستشار عادل ومعاه دكتور التحاليل.

ملامحهم كانت جدية.

قال الدكتور:

— النتيجة ظهرت.

سارة وقفت.

ليلى ماقدرتش تتحرك.

الدكتور فتح الملف.

وقال:

— التحليل بيأكد بنسبة تتجاوز 99.9% إن السيدة ليلى الشاذلي هي الأم البيولوجية لسارة.

الصمت نزل على الأوضة.

ثانية…

اتنين…

تلاتة…

وبعدين ليلى همست:

— نور.

سارة بدأت تعيط.

— أنا… نور؟

ليلى جريت عليها.

لكنها وقفت قبل ما تحضنها.

خافت.

خافت إن بنتها ما تكونش مستعدة.

فقالت وسط دموعها:

— ينفع أحضنك؟

سارة بصت لها.

22 سنة حرمان…

جوع…

برد…

خوف…

وأسئلة.

كلهم انفجروا في لحظة واحدة.

ورمت نفسها في حضنها.

صرخت وهي بتعيط:

— كنتِ فين؟!

ليلى ضمتها بقوة.

— بدور عليكي يا بنتي… والله كنت بدور عليكي.

لكن اللحظة اللي استنوها 22 سنة…

ماكملتش.

لأن المستشار عادل قال:

— مدام ليلى… عندنا مشكلة.

— إيه؟

— حد حاول يدخل على نظام المعمل ويمسح نتيجة التحليل.

ليلى رفعت رأسها ببطء.

ملامح الأم اختفت.

ورجعت سيدة الأعمال الحديدية.

— مين؟

قال عادل:

— بنحاول نعرف.

سارة مسحت دموعها.

وقالت:

— أنا يمكن أعرف نبدأ منين.

وطلعت جواب الحاجة أمينة.

كان مكتوب في آخر سطر…

اسم واحد.

فؤاد.

الفصل الخامس: اللي سرق 22 سنة

ليلى ماواجهتش فؤاد فورًا.

عملت العكس.

اتصلت بيه بمنتهى الهدوء.

— فؤاد، تعالى البيت بكرة. عندي عشا عائلي مهم.

سألها:

— مناسبة إيه؟

ردت:

— هتعرف لما تيجي.

تاني يوم…

دخل فؤاد ومنى قصر ليلى.

كانوا متوترين.

ولقوا ليلى قاعدة في الصالة.

لوحدها.

قالت منى:

— فين المفاجأة؟

ابتسمت ليلى.

— جاية.

وبعد ثواني…

نزلت سارة من السلم.

أول ما فؤاد شافها…

وشه فقد لونه.

منى مسكت طرف الكرسي.

ليلى كانت بتراقبهم.

كل حركة.

كل نفس.

قالت:

— أعرفكم بسارة.

وبعدين سكتت لحظة.

— أو خليني أقول… نور.

منى شهقت رغمًا عنها.

فؤاد قال بسرعة:

— نور مين؟

ليلى ابتسمت.

— بنتي.

— إنتِ فقدتي عقلك؟

— تحليل DNA أثبت.

فؤاد حاول يضحك.

— التحاليل بتغلط.

صوت جه من وراه:

— والاعترافات كمان بتغلط؟

لف فؤاد.

المستشار عادل كان واقف.

ومعاه ضابطين.

ليلى حطت جواب الحاجة أمينة على الترابيزة.

وبجواره تسجيل.

الست اللي خطفت نور كانت لسه عايشة.

عادل وصل لها بعد الاسم والمعلومات الموجودة في الخطاب.

واعترفت.

قالت إن فؤاد دفع لها الفلوس.

وإنه أمرها تتخلص من الطفلة.

لكنها ماقدرتش.

منى انهارت.

— أنا ما خطفتهاش!

فؤاد صرخ:

— اخرسي!

قالت منى وهي بتعيط:

— هو اللي عمل كل حاجة! أنا عرفت بعد الخطف!

ليلى وقفت.

قربت من فؤاد.

22 سنة كانت بتتجمع في عينيها.

قال:

— ليلى… اسمعيني.

— سمعتك 22 سنة وإنت بتقوليلي بنتك ماتت.

— كنت مضطر.

— مضطر تسرق رضيعة من حضن أمها؟

فؤاد سكت.

ليلى قالت:

— عارف إيه أكتر حاجة وجعتني؟

وبصت ناحية سارة.

— مش الفلوس.

— ولا الميراث.

— إن بنتي نامت جعانة في الشارع… وأنا كان عندي بيوت فاضية ماحدش ساكن فيها.

سارة نزلت عينيها.

ليلى كملت:

— بنتي كانت بتطلب بواقي أكل…

وصوتها اتكسر لأول مرة.

— وأنا كنت برمي أكل يكفيها هي وعشرة زيها كل يوم.

الضباط خدوا فؤاد ومنى للتحقيق.

وقبل ما يخرج…

بص فؤاد لسارة.

قال:

— إنتِ فاكرة نفسك كسبتي؟

سارة ردت بهدوء:

— أنا ما كنتش في مسابقة.

ومسكت إيد أمها.

— أنا بس رجعت لأمي.

الفصل السادس: سارة ما ماتتش علشان نور ترجع

عدت شهور.

ليلى كانت متخيلة إن أصعب حاجة خلصت.

لكنها اكتشفت إن استرجاع بنتها مش معناه إن 22 سنة يتمسحوا في يوم.

أول ليلة نامت فيها سارة في القصر…

نامت على الأرض جنب السرير.

الصبح ليلى لقتها هناك.

قالت بصدمة:

— ليه نمتي هنا؟

سارة اتكسفت.

— السرير طري أوي… معرفتش أنام عليه.

مرة تانية…

الخدامة لقت سارة مخبية رغيفين عيش في درج هدومها.

ليلى شافتهم.

وخرجت من الأوضة من غير ما تقول كلمة.

دخلت حمامها…

وقعدت تعيط.

بنتها لسه خايفة تجوع.

وفي يوم…

ليلى قالت لها:

— تحبي أناديكي نور؟

سارة سكتت طويلًا.

وبعدين قالت:

— ممكن تفضلي تقوليلي سارة؟

ليلى اتوجعت.

لكنها ابتسمت.

— طبعًا.

سارة مسكت إيدها.

— نور بنتك اللي ضاعت وهي رضيعة.

وحطت إيدها على صدرها.

— بس سارة هي اللي عاشت الـ22 سنة.

— الحاجة أمينة سمتني سارة… وحبتني بالاسم ده.

ليلى حضنتها.

— يبقى إنتِ سارة نور ليلى الشاذلي.

ضحكت سارة وسط دموعها.

— اسم طويل أوي.

ضحكت ليلى لأول مرة من قلبها من سنين.

الفصل السابع والأخير: مفيش حد ياكل بواقي

بعد سنة…

اتغير حاجات كتير.

سارة بدأت تعليمها من جديد.

وخدت دورات تساعدها تعوض السنين اللي ضاعت.

لكنها رفضت تعيش مجرد بنت مليونيرة.

وفي يوم دخلت مكتب أمها بملف كبير.

قالت:

— عايزة منك فلوس.

ليلى ضحكت.

— أخيرًا! بقالي سنة مستنية الجملة دي.

سارة حطت الملف قدامها.

— مش ليا.

فتحت ليلى الملف.

كان مشروع مركز لإيواء البنات المشردات.

سرير نظيف.

أكل.

تعليم.

تدريب مهني.

ومساعدة قانونية للبحث عن أسر الأطفال المفقودين.

سألت ليلى:

— هنسميه إيه؟

سارة بصت للهلال اللي لسه لابساه.

وقالت:

— “بيت أمينة”.

دموع ليلى لمعت.

— موافقة.

بعد شهور…

افتتح المركز.

وفي يوم الافتتاح، كان فيه صحفيين ورجال أعمال وشخصيات كتير.

لكن سارة سابتهم كلهم.

لأنها شافت بنت صغيرة واقفة بعيد عند باب المركز.

هدومها مبتلة من المطر.

وعينيها على صواني الأكل.

قربت منها.

— اسمك إيه؟

البنت خافت.

— مريم.

— جعانة؟

هزت رأسها.

وقالت بصوت ضعيف:

— لو فيه بواقي…

سارة سكتت.

نفس الكلمة.

نفس الخوف.

نفس المطر تقريبًا.

قعدت قدامها على ركبتها.

وقالت:

— هنا مفيش حاجة اسمها بواقي.

مسكت إيدها.

— هنا هتاكلي الأول.

ليلى كانت واقفة بعيد بتتفرج.

وسارة دخلت وهي ماسكة إيد البنت.

وفي رقبتها…

الهلال الفضة.

نفس الهلال اللي كان يومًا دليلًا على طفلة ضايعة…

بقى شاهدًا على إن الرجوع ممكن.

حتى بعد 22 سنة.

وقبل ما باب المركز يتقفل…

بصت سارة لأمها وقالت:

— ماما؟

ليلى وقفت مكانها.

كانت دي من المرات القليلة اللي سارة نادتها فيها بالكلمة دي.

— نعم يا حبيبتي؟

ابتسمت سارة.

— تعالي ناكل معانا.

ليلى قربت منها.

ومسكت إيدها.

المرة الأولى اللي اتقابلوا فيها…

كانت بنت جعانة بتطلب بواقي أكل من ست غريبة.

أما النهارده…

فما بقاش فيه ست غريبة.

ولا بنت لوحدها.

كان فيه أم…

وبنتها…

وباب مفتوح لأي حد المطر قفل في وشه كل الأبواب.

تمت

✍️ الكاتبة أسما السيد

“مش كل طفل ضايع أهله سابوه… ساعات بيكون فيه قلب في الناحية التانية من الدنيا، عمره ما بطل يدور عليه.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى