روايات وقصص

سر الأرض حكايات اسما السيد 1

اشترى شاب 90 عجل كلهم تقريبًا كانوا مرضى… وبعد فترة قصيرة انتشرت حُمّى غريبة بين مواشي المنطقة كلها، لكن المفاجأة إن قطيعه كان الوحيد اللي ما اتأثرش!

الجزء الأول

— 150 جنيه.

قالها الشاب وهو بيحط الفلوس قدام مسؤول الحظيرة.

الراجل بصله باستغراب وقال:

— يا ابني… إنت فاهم إنت بتشتري إيه؟

الشاب بص ناحية الحظيرة.

كان فيها 90 عجل هزيل متجمعين ورا سور حديد قديم.

بعضهم بيكح جامد.

وبعضهم عينيه بتدمع.

وفي 3 عجول نايمين على الأرض، بالعافية بيرفعوا راسهم.

الشاب رد بهدوء:

— أيوه… فاهم.

الراجل قرب منه وقال:

الشاب رد من غير تردد:

— خلاص… أنا هاخدهم.

وفجأة…

صوت ضحك عالي جه من وراه.

كان واحد من أغنى أصحاب المواشي في المنطقة واقف وسمع الحوار كله.

عنده مئات الرؤوس من الماشية وأراضي كتير، وكان معروف إنه شايف نفسه على الناس بسبب فلوسه وخبرته.

ضحك وقال بصوت عالي:

— يا جماعة اسمعوا! الواد ده دفع فلوس في 90 عجل على باب الموت!

كام واحد حواليه ضحكوا.

لكن الشاب ما ردش.

كان عنده 19 سنة بس.

ومن حوالي 3 شهور، كان رجع يعيش في أرض عيلته القديمة بعد سنين قضاها بعيد عنها.

والدته كانت اضطرت تنتقل علشان شغلها، وبعد فترة اتجوزت وبدأت حياة جديدة.

الشاب ماكانش زعلان منها…

وكان بيتمنى لها الخير.

لكن مع الوقت حس إن المكان اللي عايش فيه ما بقاش بيته زي الأول.

ولما كبر، قرر يعتمد على نفسه.

رجع للمزرعة القديمة اللي ورثتها عيلته من سنين طويلة.

وكانت عايشة فيها قريبته الكبيرة في السن، ست عندها 84 سنة.

ست قوية، كلامها قليل، وعاشت لوحدها سنين طويلة.

أول ما وصل قالت له:

— البيت بيتك… وربنا يكتب لك الخير.

وبس.

المزرعة نفسها كانت حالتها صعبة.

الأرض ناشفة.

الحشائش قليلة.

وأجزاء كبيرة منها مليانة شجيرات ونباتات محدش بيستفيد منها.

وأهل المنطقة كانوا دايمًا يقولوا:

— الأرض دي ما تنفعش لتربية المواشي.

لكن كان فيه سر محدش يعرفه عن الشاب.

قبل ما يرجع، كان اشتغل لمدة سنتين في إجازاته مع طبيبة بيطرية متخصصة في علاج المواشي.

ماكنش معاه شهادة في الطب البيطري.

وعمره ما ادّعى إنه دكتور.

لكنه اتعلم حاجة مهمة جدًا…

اتعلم يلاحظ.

وفي اليوم اللي الناس كلها شافت فيه 90 عجل خلاص مافيش فيهم أمل…

هو لاحظ حاجة مختلفة.

عدد كبير من العجول كان عنده مشاكل في التنفس، وحالتهم زادت سوء بسبب الزحمة والإجهاد والنقل وسوء التهوية.

هو ماكانش يقدر يضمن إنهم هيعيشوا.

والشفا في الأول والآخر من عند ربنا.

لكنه كان عارف إن توفير مياه نظيفة، وراحة، ومساحة كويسة، وعزل الحالات الأضعف عن الباقي ممكن يكون سبب في تحسن عدد منهم.

الراجل الغني شافه وهو بينقل أول مجموعة وضحك وقال:

— وحتى لو عاشوا… هتأكلهم إيه؟ أرضكم دي ما بتطلعش حاجة!

الشاب بصله…

لكنه ما ردش.

لأنه كان مؤمن إن مش كل كلمة محتاجة رد.

وساعات أحسن رد على اللي بيستهين بيك…

إنك تعمل اللي عليك، وتسيب النتيجة تتكلم.

نقل الـ90 عجل على كذا مرة.

ورفض يكدسهم فوق بعض علشان ما يزودش تعبهم.

ووصل بآخر مجموعة بعد نص الليل.

دخل البيت وهو مرهق.

لقى قريبته الكبيرة قاعدة مستنياه.

بصتله وسألته:

— جبت كام؟

— تسعين.

— كام واحد فيهم تعبان؟

اتنهد وقال:

— تقريبًا كلهم.

سكتت شوية وبعدين سألته:

— وفاكر إنك هتنقذ كام؟

الشاب فكر قبل ما يقول:

— معرفش… هعمل اللي أقدر عليه، والباقي على ربنا.

هزت راسها وقالت:

— كده تمام.

استغرب.

— تمام إزاي؟

قالت له:

— علشان الإنسان يعمل اللي عليه… لكن ما يفتكرش إن كل حاجة في إيده.

الكلمة فضلت في دماغه.

ومن تاني يوم…

بدأ الشغل الحقيقي.

قسّم العجول لمجموعات صغيرة.

صلح الأسوار بإيده.

نضف أماكنهم.

وكان بيشيل الميه بالجردل للأماكن اللي المواسير فيها بايظة.

ينام ساعتين ويصحى.

يرجع يطمن عليهم.

وبالرغم من كل مجهوده…

مات 7 عجول خلال الأسابيع الأولى.

كل عجل كان بيموت، كان بيسجل حالته في دفتر صغير.

رقمه.

والأعراض اللي ظهرت عليه.

لكن أصعب واحد فيهم كان أصغر عجل في القطيع.

العجل ده كان كل ما يشوف الشاب…

يمشي وراه.

وفي يوم، حالته ساءت جدًا.

والشاب فضل جنبه وحاول يساعده على قد ما يقدر…

لكن العجل مات.

دفنه بنفسه بعيد عن الحظيرة.

ورجع البيت قبل المغرب.

قريبته لاحظت إنه ساكت.

ماكنتش محتاجة تسأله.

حطت الأكل قدامه وقالت:

— كل يا ابني.

هز راسه:

— ماليش نفس.

ردت بهدوء:

— قول الحمد لله… إنت عملت اللي عليك.

وسابته.

بعدها بأسابيع…

وفي صباح بارد، خرج الشاب ناحية الحظيرة.

وقف فجأة.

وبدأ يسمع.

فيه حاجة مختلفة.

الكحة اختفت تقريبًا.

بص حواليه.

العجول واقفة.

بتتحرك.

بتاكل.

عيونها بقت صافية.

حتى شكلها بدأ يتحسن.

عدهم مرة…

وبعدين عدهم تاني.

من أصل 90 عجل…

83 عجل عاشوا.

خرجت قريبته ووقفت جنبه قدام الحظيرة.

بصت للقطيع فترة طويلة.

وبعدين قالت:

— عارف الفرق بينك وبين الناس اللي ضحكت عليك؟

بصلها.

قالت:

— هما شافوا المرض بس… إنت شفت إن لسه فيه فرصة.

ابتسم الشاب.

وقال:

— الحمد لله.

لكنها فجأة قالت:

— ما تفرحش أوي… لسه عندك مشكلة أكبر.

ابتسامته اختفت.

— إيه؟

أشارت ناحية الـ83 عجل.

— هتأكل كل دول منين؟

هنا الشاب سكت.

دخل البيت وطلع كل الفلوس اللي معاه.

عدها.

327 جنيه بس.

بص للفلوس…

وبعدين بص من الشباك للقطيع.

المبلغ ده ما يكفيش أعلاف إلا لفترة قصيرة جدًا.

ومستحيل بنك يديه قرض بسهولة.

شاب عنده 19 سنة.

مزرعة الناس شايفين إنها أرض ميتة.

وقطيع اشتراه أصلًا بثمن قليل لأن الكل كان فاكر إنه هيموت.

ولو الأكل خلص…

كل التعب اللي فات ممكن يضيع.

قعد الشاب وحط إيده على راسه.

وقال:

— يا رب… دلني على الصح.

قريبته كانت واقفة عند الباب.

سمعته.

دخلت وقالت:

— يمكن الإجابة موجودة من زمان وإحنا اللي ما دورناش عليها.

رفع راسه باستغراب.

أشارت ناحية الدور اللي فوق.

— اطلع هات دفاتر جدك الكبير.

— دفاتر إيه؟

قالت:

— فيه صندوق فوق محدش فتحه من سنين طويلة.

طلع الشاب بسرعة.

دخل أوضة قديمة مليانة حاجات متخزنة.

وبعد بحث طويل…

لقى صندوق خشب عليه تراب كتير.

نزله على الأرض وفتحه.

وكان جواه…

9 دفاتر سودا قديمة.

مسك أول واحد.

نفخ التراب من عليه.

وفتحه.

أول صفحة كان عليها تاريخ:

1968.

بدأ يقرا.

صفحة ورا صفحة.

ملاحظات عن الأرض.

المطر.

النباتات.

المواشي.

وأماكن في المزرعة هو نفسه عمره ما فكر يقرب منها.

فضل 3 أيام يقرا الدفاتر.

لحد ما وصل لجملة…

خلته يقف مكانه.

رجع قراها تاني.

وبعدين للمرة التالتة.

كانت مكتوبة بخط قديم:

“الأرض دي عمرها ما كانت فقيرة… إحنا بس بقالنا سنين طويلة بنطلب منها الحاجة الغلط.”

الشاب رفع عينه ناحية الشباك.

بص للأرض الناشفة الممتدة قدامه.

وفجأة…

افتكر حاجة شافها أكتر من مرة في آخر المزرعة.

نبات غريب كان بينمو لوحده رغم قلة الميه.

والأغرب…

إن الدفتر كان فيه صفحة كاملة عنه.

لكنه لما قلب الصفحة وشاف المكتوب…

اتغيرت ملامح وشه.

لأن جده الكبير ماكانش كاتب بس إن النبات ده ممكن ينقذ القطيع…

كان كاتب تحذير تحته بخط واضح وغريب وهو… تفتكروا كان كاتب ايه؟

“الحكاية لم تنتهِ بعد…”

📖 رابط القصة الكاملة في أول تعليق.

✍️ الكاتبة أسما السيد

الفصل الثاني — سر الأرض اللي محدش صدقه

فضل الشاب باصص للجملة المكتوبة في الدفتر، وقلبه بيدق بسرعة.

كان جده الكبير كاتب تحت اسم النبات:

“لو المرض انتشر يوم بين المواشي… ما تحبسش قطيعك زي ما هيعمل باقي الناس. الأرض المفتوحة والنبات ده ممكن يكونوا سبب في نجاتهم بإذن الله.”

قرأها مرتين.

وبعدين تمتم:

— مرض إيه؟ وإيه علاقة النبات ده بالموضوع؟

نزل بالدفتر بسرعة.

لقى قريبته الكبيرة قاعدة في المطبخ.

حط الدفتر قدامها وقال:

— إنتِ كنتِ عارفة الكلام ده؟

بصت للصفحة، وسكتت ثواني.

وبعدين قالت:

— كنت عارفة إن جدك كان شايف في الأرض دي حاجة محدش شايفها.

— والنبات؟

رفعت عينيها له.

— كانوا بيسموه نبات الفقراء… لأنه بيطلع في الأرض اللي الناس فاكرة إنها ما تنفعش.

الشاب شد الكرسي وقعد.

— يعني كان بيأكّل المواشي منه؟

— مش لوحده. كان بيخلّي القطيع يرعى في مساحات مختلفة، وما يسيبش الحيوانات متكدسة في مكان واحد. وكان مهتم بالمياه والنضافة أكتر من أي حد حواليه.

قلب الشاب باقي الصفحات.

لقى رسومات بسيطة للأرض.

كل مساحة عليها رقم.

وتحتها مواعيد تقريبية لنقل القطيع من مكان للتاني.

فهم الفكرة.

جده الكبير ماكانش بيحاول يجبر الأرض إنها تنتج محصول مش مناسب ليها.

كان بيستفيد من النباتات الطبيعية اللي بتتحمل الجفاف، وينظم الرعي بحيث الأرض تاخد فرصة تستريح.

لكن الشاب ما اندفعش.

قال:

— مش هينفع أدي العجول أي نبات لمجرد إن مكتوب عنه في دفتر قديم.

ابتسمت قريبته.

— أهو كده ابتديت تعقل.

تاني يوم جمع عينات من النبات، وراح بيها لطبيب بيطري ومهندس زراعي يعرفهم.

وبعد ما اتأكد إن النوع الموجود عنده آمن للماشية بالكميات المناسبة، وإنه محتاج يدخل بالتدريج ضمن نظام تغذية متوازن، رجع للمزرعة.

ومن هنا…

ابتدت التجربة.

قسّم الأرض لمناطق.

فتح جزء صغير للقطيع.

وساب باقي الأرض ترتاح.

راقب أكل العجول.

وزن بعضها كل فترة.

وسجل كل حاجة في دفتره.

وبعد أسابيع، حصل شيء ماكانش متوقعه.

العجول ما اكتفتش إنها تحافظ على صحتها…

بدأ وزنها يزيد.

والأرض نفسها بدأت تتغير.

المناطق اللي كان بيريّحها فترة، النباتات فيها كانت بترجع أقوى.

حتى التربة اللي كانت ناشفة بدأت تحتفظ بالرطوبة أحسن في بعض الأماكن بعد نزول المطر.

وفي صباح، وقف الشاب فوق مرتفع صغير وبص للمزرعة.

لأول مرة…

ماشافهاش أرض ميتة.

شاف نظام كامل محتاج حد يفهمه.

لكن الخبر انتشر.

والراجل الغني اللي كان ضحك عليه في السوق جه بنفسه.

وقف بعربيته عند السور ونادى:

— يا واد!

الشاب قرب منه.

الراجل بص للعجول الممتلئة وقال باستغراب:

— دول نفس العجول التعبانة؟

— هما.

— بتأكلهم إيه؟

ابتسم الشاب.

— من الأرض.

الراجل ضحك.

— أرضكم؟!

— أيوه.

نزل الراجل من عربيته وبص للنباتات.

وبعدين قال:

— النبات ده موجود عندنا من سنين وبنشيله!

الشاب رد:

— يمكن المشكلة مش في اللي موجود في الأرض… يمكن في الطريقة اللي بنبص بيها له.

الكلمة ضايقت الراجل.

فركب عربيته ومشي.

لكن قبل ما يتحرك، قال:

— ماتفتكرش نفسك بقيت خبير. الصيف لسه ماجاش.

والحقيقة…

إنه كان عنده حق في حاجة واحدة.

الصيف كان جاي.

لكن اللي جه مع الصيف…

ماكنش الجفاف.

في آخر شهر من شهور الحر، وصل طبيب بيطري حكومي لمزرعة كبيرة على بعد عدة كيلومترات.

كان فيه 6 بقرات حرارتهم مرتفعة.

اتنين منهم امتنعوا عن الأكل.

وفي اليوم اللي بعده…

العدد بقى 14.

وبعد 3 أيام…

بدأت نفس الأعراض تظهر في مزرعة تانية.

ثم ثالثة.

وفي أقل من أسبوعين، بقى أصحاب المواشي بيتكلموا عن شيء واحد:

حمّى غريبة بتنتشر بين القطعان.

أما الشاب…

فأول ما سمع الخبر، جري على البيت.

فتح دفتر جده الكبير.

رجع لصفحة التحذير.

وقرأ السطر اللي بعدها…

وهنا حس بقشعريرة في جسمه.

لأن الجملة كانت:

“الخطر مش هيبدأ من العلف… الخطر هييجي مع الحيوان اللي يدخل عليك من بره.”

رفع الشاب عينه ناحية الحظيرة.

وفي اللحظة نفسها…

سمع صوت عربية وقفت قدام بوابة المزرعة.

خرج بسرعة.

لقى الراجل الغني واقف بره.

لكن المرة دي…

ماكنش بيضحك.

وكان معاه عجل صغير تعبان.

قال بصوت مهزوز:

— الحقني… المرض دخل عندي.

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى