كل ليله حكايات اسما السيد 4

الخبط على باب المخزن زاد.
— افتح يا عادل!
صوت حسام كان واضح.
عادل بص ناحية الباب، وبعدين رجع بصلي.
— جوزك مش جاي ينقذك يا نهى.
قلت:
— وإنت عرفت منين هو جاي يعمل إيه؟
ابتسم.
— لأني أعرف حسام أكتر منك.
ريم شدت إيدي وهمست:
— نهى… متصدقيش حد فيهم.
كانت عندها حق.
من يومين بس كنت فاكرة إن مشكلتي إن جوزي بيخوني.
دلوقتي واقفة بين راجل زور أوراقي، ومحامي ممكن يكون خد ملايين، وأخت سرية لجوزي، وقطعة أرض قيمتها أكبر من الشركة كلها.
وفجأة الباب اتفتح بعنف.
دخل حسام ومعاه شخصين.
أول ما شافني قال:
— تعالي هنا.
ضحكت بمرارة.
— فاكر إنك لسه من حقك تأمرني؟
— نتخانق بعدين. ابعدي عن عادل.
عادل رفع الملف الأزرق.
— خايف أقول لها الحقيقة؟
حسام قال:
— الحقيقة اللي إنت اخترعتها؟
عادل بصلي.
— اسأليه ليه رجع مصر بعد 3 سنين بالذات.
لفيت لحسام.
— جاوب.
سكت.
— حسام!
قال:
— لأن الأرض داخلة في مشروع تطوير كبير، وقيمتها زادت بشكل ضخم.
— وإنت كنت عارف؟
— عرفت من حوالي سنة.
— وبدل ما تقولي، حاولت تاخد حصتي؟
نزل عينه.
— آه.
الكلمة خرجت منه من غير لف.
ريم بصتله باحتقار.
— أخيرًا قلت حاجة حقيقية.
قربت منه.
— والطلاق؟ والتمثيلية؟ والبرفان؟ والمكالمات؟
قال:
— كنت محتاجك تكرهي حياتك معايا.
— علشان أطلب الطلاق؟
— علشان ما تدققيش في أوراق الشركة.
صفعته.
الصوت رن في المخزن.
حسام ما اتحركش.
حط إيده على خده وبصلي.
قلت:
— دي على 3 سنين كنت مستنياك فيهم وإنت بتخطط تسرقني.
قال:
— أستاهل.
عادل ضحك.
— مشهد مؤثر… بس حسام نسي يقولك أهم حاجة.
قلت:
— إيه؟
عادل فتح الملف الأزرق.
— الأرض مش ملك الشركة بالكامل.
حسام صرخ:
— اقفل الملف!
قلت:
— سيبه.
عادل طلع وثيقة قديمة.
— الأرض كانت ملك أربعة شركاء بنسب مختلفة.
وأشار للأسماء.
أبويا.
أبو ريم وحسام.
وشخص رابع.
عادل منصور.
قلت:
— يعني ليك حق فيها؟
— كان ليا.
— كان؟
ملامحه اتغيرت.
— لحد ما أبوكي خد مني توقيع على تنازل.
حسام قال:
— مقابل الفلوس اللي اختلستها.
عادل صرخ:
— ما اختلستش حاجة!
— أمال الحساب اللي باسمك؟
عادل ضرب بإيده على المكتب.
— الحساب كان وسيط علشان نحمي الأموال من ديون المشروع!
قلت:
— طيب ليه كل السرية دي؟
سكت.
حسام رد مكانه:
— لأن بعد ما الأزمة خلصت، عادل حاول يحتفظ بجزء من الفلوس لنفسه.
عادل بص له بغضب.
— أبوك هو اللي قالك؟
— الدفاتر قالت.
وفجأة ريم قالت:
— استنوا.
كلنا بصينا لها.
كانت ماسكة الدفتر القديم.
— الصفحة دي متقطعة.
عادل اتحرك بسرعة.
— هاتي الدفتر.
ريم رجعت لورا.
— لأ.
قربت منها وبصيت.
بين صفحتين كان واضح إن ورقة اتشالت.
قلت:
— فين الصفحة؟
عادل قال:
— معرفش.
حسام ضحك.
— عندي.
طلع من جيبه ورقة مطوية.
فتحها.
وحطها قدامي.
عادل اتغير وشه.
— جبتها منين؟
— من مكتب أبويا بعد موته.
خدت الورقة.
كانت تسوية حسابات.
وفي آخرها توقيعات الأربعة.
لكن جنب اسم عادل كان مكتوب بخط اليد:
“تم استلام كامل المستحقات والتنازل النهائي عن أي حقوق في الأرض.”
رفعت عيني لعادل.
— يعني مالكش حاجة.
قال:
— الورقة دي مزورة.
ريم قربت منها.
— التوقيع شبه توقيعك.
— قلت مزورة!
حسام قال:
— علشان كده عادل محتاج توقيع نهى.
بصيت لحسام.
— توقيعي على إيه؟
— إقرار إن المستندات القديمة غير معترف بيها.
فهمت.
لو مضيت، ممكن الصفحة اللي بتثبت تنازل عادل تفقد قيمتها في النزاع.
قلت لعادل:
— علشان كده ساعدتني من البداية؟
ما ردش.
— علشان أوصل لك بنفسي؟
سكت.
وهنا الصورة اكتملت.
الأستاذ عادل ماكانش بيحميني مجانًا.
وحسام ماكانش بيخونني بالطريقة اللي خلاني أصدقها.
وريم ماكانتش مجرد عشيقة.
كل واحد فيهم كان بيحركني ناحية الورقة اللي محتاجها.
قلت:
— كلكم استخدمتوني.
حسام قال:
— نهى…
— اخرس.
بصيت لريم.
— وإنتِ؟
دموعها نزلت.
— أنا غلطت. بس لما فهمت حسام ناوي يعمل إيه، حاولت أسيب اللعبة.
— بعد ما قدمتي توقيع مزور باسمي.
— أنا مستعدة أتحمل مسؤوليتي.
على الأقل ما حاولتش تبرر.
أما عادل، فكان بيقرب ناحية الباب الجانبي.
حسام لاحظه.
— رايح فين؟
عادل جري.
واحد من الرجالة اللي مع حسام حاول يمنعه.
حصلت لخبطة ثواني.
وعادل وقع منه الملف الأزرق.
الأوراق اتناثرت على الأرض.
وأنا لمحت ظرف بني صغير.
كان مكتوب عليه اسم أبويا.
خدته.
عادل صرخ:
— سيبيه!
بصيتله.
— يبقى مهم.
فتحت الظرف.
كان جواه شريط تسجيل قديم وخطاب.
حسام قال:
— ده إيه؟
عادل حاول ياخده.
لكن ريم وقفت قدامه.
فتحت الخطاب.
“نهى بنتي… لو الورق ده ظهر، يبقى النزاع على الأرض رجع تاني.”
قلبي بدأ يدق.
كملت.
“عادل أخطأ، ووالد حسام أخطأ، وأنا أخطأت لما اخترنا نخبي الحقيقة عن أولادنا.”
وبعدين السطر اللي بعده:
“الأرض لا يجب أن تُباع.”
رفعت عيني.
حسام قال:
— ليه؟
كملت القراءة.
“لأن جزءًا كبيرًا من قيمتها لم يكن ملكنا من البداية.”
عادل قفل عينيه.
ريم قالت:
— يعني إيه؟
قلبت الصفحة.
كان فيه مستند قديم جدًا.
أبويا كاتب:
“قبل شراء الأرض، كانت عليها حقوق مالية لعشرات العمال الذين ساهموا في تأسيس المشروع ولم تُسدد مستحقاتهم كاملة بعد انهياره.”
حسام أخد الورقة.
قرأها.
وشه اتغير.
قلت:
— يعني الفلوس مش كلها بتاعتنا؟
عادل قال:
— قانونيًا الموضوع أعقد من كده.
قلت:
— أنا مش بسألك قانونيًا.
بصيت له.
— أنا بسألك: في ناس ليها فلوس؟
سكت.
وكان السكوت إجابة.
حسام قعد على كرسي.
كل الخطة اللي عملها علشان الأرض بدأت تقع قدامه.
قلت:
— كنت عايز تبيع أرض عليها حقوق ناس؟
قال:
— ماكنتش أعرف.
— بس كنت عارف إنك بتزور وبتخدعني.
نزل راسه.
— آه.
قلت:
— يبقى كفاية.
طلعت موبايلي.
حسام سأل:
— بتعملي إيه؟
— الحاجة اللي كان لازم أعملها من أول يوم.
اتصلت بالجهات القانونية المختصة من خلال المحامي الجديد اللي كنت رتبت معاه قبل وصولي للمخزن، وطلبت إن كل المستندات تتراجع رسميًا، من غير ما حد فينا يلمس ورقة تانية أو يتصرف في أي أصل.
عادل قال بعصبية:
— إنتِ كده ممكن تجمدي المشروع سنين!
قلت:
— يتجمد.
حسام قام.
— نهى، اسمعيني…
— لأ. أنا سمعتك كفاية.
قرب مني.
— أنا عارف إني غلطت.
— إنت ما غلطتش مرة يا حسام. إنت بنيت خطة كاملة على إني هبقى “عامية وطرشة”.
سكت.
قلت:
— وأنا مش هعمل نفسي لا شايفة ولا سامعة تاني.
خرجت من المخزن.
ريم خرجت ورايا.
قالت:
— نهى.
وقفت.
— أنا مش هطلب منك تسامحيني.
— كويس.
— بس هسلم كل الرسائل والتسجيلات اللي عندي.
بصيت لها.
— اعملي الصح علشان هو صح، مش علشان أسامحك.
هزت راسها.
ومشيت.
بعد أسابيع، التحقيقات والمراجعات بدأت تكشف الصورة.
محاولات نقل حصتي اتوقفت.
الضمانات اللي اتعملت باستخدام أوراق قديمة دخلت مراجعة قانونية.
وتصرفات حسام المالية بقت محل فحص.
وعادل اضطر يسلم المستندات اللي عنده.
أما حقوق العمال القديمة، فبدأت عملية حصرها ومراجعتها من متخصصين بدل ما الأرض تتباع في السر ويتقسم تمنها بين كام شخص.
وحسام؟
رجع البيت مرة واحدة.
لقيته واقف عند الباب.
نفس الراجل.
لكن لأول مرة ماكانش داخل كأنه صاحب المكان.
قال:
— ممكن نتكلم؟
وقفت عند الباب.
— اتفضل.
— هنا؟
— هنا.
سكت.
وبعدين قال:
— أنا حبيتك يا نهى.
قلت:
— يمكن.
اتوجع من الكلمة.
— يمكن؟
— لأن اللي بيحب حد ما يقعدش سنين يدرس نقطة ضعفه ويستخدمها ضده.
قال:
— الطمع عمّاني.
ابتسمت بمرارة.
— لأ يا حسام. إنت كنت شايف كويس جدًا. إنت اللي طلبت مني أكون العمياء.
نزل عينيه.
— في فرصة؟
— لجوازنا؟
هز راسه.
قلت:
— لأ.
دموعه لمعت، لكنه ماجادلش.
ساب المفتاح فوق الترابيزة ومشي.
وقبل ما ينزل، قال:
— والـ51%؟
قلت:
— مش أهم حاجة خسرتها.
وقف لحظة.
وبعدين خرج.
بعد شهور، وقفت قدام مقر الشركة.
المكان اللي كنت طول عمري فاكرة إنه “شركة حسام”.
اكتشفت إنه اتبنى بجزء من فلوس أبويا، ومجهود ناس كتير، وأسرار أخفاها جيل كامل.
غيرنا الإدارة.
وبدأت مراجعة كل الحسابات والحقوق القديمة بشفافية.
أما أنا، فما بقيتش الست اللي تستنى جوزها يرجع من السفر علشان تبدأ حياتها.
بدأتها لوحدي.
وفي يوم، وأنا برتب هدومي، لقيت زجاجة البرفان اللي حسام رجع بيها أول ليلة.
مسكتها.
ضحكت.
ريحة صغيرة هي اللي خلتني أفتح باب وراه أسرار سنين.
كنت فاكرة وقتها إن أسوأ حاجة ممكن أكتشفها إن جوزي بيحب واحدة غيري.
لكن الحقيقة كانت أسوأ.
هو ماكانش محتاجني زوجة.
كان محتاج توقيعي.
والفرق بين نهى القديمة ونهى اللي واقفة النهارده؟
إن القديمة لما حسام قال لها:
“اعملي نفسك عامية وطرشة”…
كانت ممكن تسكت علشان تحافظ على بيتها.
أما أنا دلوقتي، فعرفت إن البيت اللي محتاجني أغمض عيني علشان يفضل واقف…
كان لازم يقع من زمان.
تمت.




