روايات وقصص

ساره حكايات اسما السيد 1

عدت إلى بيتي الساعة الواحدة إلا دقيقتين بعد منتصف الليل من رحلة عمل كلفت الشركة أكثر من 150 ألف جنيه… لأفاجئ زوجتي الحامل في شهرها السابع. لكن قميص النوم المقلوب والملاءات المبللة جعلاني أشك في الخيانة أولًا… قبل أن أكتشف الحقيقة المرعبة. كانت زوجتي، سارة، منكمشة على نفسها في السرير، تحتضن بطنها المنتفخ الذي يحمل طفلنا الأول.

 

وقفت عند باب غرفة النوم متجمدًا.

قميص نومها الوردي كان مقلوبًا من الداخل للخارج.

والملاءات تحتها كانت غارقة في بقع رطبة.

اسمي أحمد منصور.

وحتى تلك الليلة، كنت أعتقد أن أسوأ شيء يمكن أن يجده الرجل في غرفة نومه هو دليل على وجود رجل آخر.

كنت في دبي منذ ثلاثة أيام لإنهاء صفقة كبيرة لصالح الشركة التي أعمل بها.

وكان من المفترض أن أعود للقاهرة مساء اليوم التالي.

لكن الاجتماع انتهى مبكرًا.

وفي الساعة الثامنة والربع مساءً حجزت أول رحلة متاحة للعودة.

كنت متحمسًا لمفاجأة سارة.

اشتريت لها الشوكولاتة المفضلة لديها من المطار.

وطوال الطريق كنت أتخيل فرحتها عندما تراني.

لكن عندما فتحت باب غرفة النوم…

توقفت يدي على المقبض.

كانت سارة نائمة على جانبها.

يدها تحت بطنها مباشرة.

وشعرها ملتصق بوجهها من العرق.

أما الوسادة فكانت تحمل بقعًا داكنة من الرطوبة.

وكان هناك فوطة بيضاء ملقاة على الأرض بجوار السرير.

شعرت بقبضتي تنغلق بقوة.

وخلال ثوانٍ قليلة فقط…

صنع عقلي أسوأ سيناريو ممكن.

رجل كان هنا.

ورحل مسرعًا.

وسارة تحاول إخفاء شيء ما.

لكن بعدها تحرك جسدها فجأة.

ليس حركة شخص نائم.

بل حركة شخص يتألم.

تشنجت بالكامل.

وأطلقت أنينًا مكتومًا جعل الدم يتجمد في عروقي.

همست:

“سارة؟”

فتحت عينيها بصعوبة.

لم أرَ خوف المذنبة.

ولا ارتباك من تم ضبطه متلبسًا.

رأيت شيئًا أسوأ بكثير.

رأيت الألم.

شفاهها كانت جافة ومتشققة.

وعيناها متورمتين من البكاء.

ووجهها شاحب بشكل أخافني.

همست بصوت مكسور:

“أحمد… اتصلت بيك أكتر من عشرين مرة.”

سقط قلبي.

هاتفى كان ما زال على وضع الطيران منذ الرحلة.

أخرجته بسرعة.

عشرون مكالمة فائتة.

أربع رسائل صوتية.

ورسالة واحدة من أمي وصلت الساعة الحادية عشرة وإحدى وأربعين دقيقة مساءً.

كانت الرسالة تقول:

“بطل تدلعها. الستات الحوامل بيبالغوا في كل حاجة. سيبها تهدى.”

رفعت عيني نحو سارة.

هزت رأسها بصعوبة.

ثم قالت جملة جعلت معدتي تنقبض:

“أمك كانت هنا… وقالتلي ما اتصلش بالإسعاف.”

نظرت إلى الفوطة الملقاة على الأرض.

وفجأة لم تعد تبدو كدليل على خيانة.

بل أصبحت دليلًا على أن شخصًا رأى زوجتي تتألم…

وتركها وحدها.

اتصلت بالإسعاف فورًا.

شرحت بسرعة:

حامل في الشهر السابع.

ألم شديد.

احتمال نزول مياه الجنين.

قلة حركة الطفل.

وحالة متدهورة.

كانت سارة تضغط على يدي بقوة.

وبرودة أصابعها كانت ترعبني أكثر من أي شيء آخر.

في الساعة الواحدة وإحدى عشرة دقيقة وصلت سيارة الإسعاف.

امتلأ المنزل بأصوات الأجهزة والخطوات السريعة.

وما إن وضع أحد المسعفين جهاز المراقبة على بطنها حتى تغير وجهه.

ثم نظر إلى الفوطة الملقاة على الأرض وسألني:

“مين اللي قال لها ما تتصلش بالإسعاف؟”

وقبل أن أجيب…

أضاء هاتفي من جديد.

أمي.

منى منصور.

ثم ظهر اسم آخر أسفلها مباشرة:

الدكتورة ريم الشاذلي – استشاري طب الأجنة والحمل الحرج.

كانت سارة قد سجلت رقمها باسم:

“اتصلي فورًا لو حصل أي طارئ.”

فتحت سارة عينيها بصعوبة.

ونظرت إلي.

ثم همست جملة واحدة فقط.

جملة جعلت المسعف يتوقف عن الحركة…

وجعلت الدم ينسحب من وجهي.

قالت:

“أمك أخدت الظرف اللي كان في شنطتي.”

تجمدت في مكاني.

أي ظرف؟

ولماذا غادرت أمي المنزل قبل وصول الإسعاف بدقائق؟

وما السر الذي كان داخل ذلك الظرف لدرجة أنها أخذته معها؟

تابع في أول تعليق… الظرف الذي جعل منى منصور تفقد قدرتها على الكلام.لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد @أبرز المعجبين

باب الإسعاف اتقفل قدامي بعنف، وأنا واقف للحظة في نص الشارع مش قادر أتحرك.

المسعف صرخلي:

— حضرتك جاي معانا ولا إيه؟ الحالة مستعجلة!

فوقت على صوته وركبت بسرعة جنب سارة.

كانت ممددة قدامي، ماسك أكسجين على وشها، وإيدها متعلقة بالمحاليل، والمسعف بيراقب الجهاز كل ثانيتين تقريبًا.

أما أنا، فكنت ماسك إيدها.

لكن عقلي مكانش معاها بالكامل.

كان متعلق بجملة واحدة قالتها قبل ما ننزل من البيت:

“أمك أخدت الظرف اللي كان في شنطتي.”

قربت منها وقلت:

— سارة… ظرف إيه؟

حاولت ترد، لكن المسعف منعها.

— بلاش كلام دلوقتي. خليها تحافظ على نفسها.

سكت.

لكن جوايا كان فيه ألف سؤال.

ليه أمي كانت عندنا أصلًا وأنا مسافر؟

ليه سارة اتصلت بيا عشرين مرة؟

ليه أمي قالتلها ما تطلبش الإسعاف؟

والأهم…

إيه الموجود في الظرف؟

وصلنا المستشفى.

أول ما العربية وقفت، الباب اتفتح، والسرير اتحرك بسرعة في طرقة الطوارئ.

كنت بجري وراهم.

— لو سمحتوا أنا جوزها!

ممرضة وقفتني عند الباب.

— استنى هنا يا أستاذ أحمد.

— مراتي في الشهر السابع!

— الدكاترة معاها، حضرتك استنى.

الباب اتقفل.

وقفت قدامه وأنا حاسس إني عاجز لأول مرة في حياتي.

بعد أقل من دقيقتين، خرجت ممرضة وسألت:

— مين أحمد منصور؟

— أنا.

— الدكتورة محتاجة تعرف: المياه بدأت تنزل من إمتى؟

قلت:

— معرفش.

بصتلي باستغراب.

— حضرتك جوزها ومتعرفش؟

بلعت ريقي.

— كنت مسافر… رجعت لقيتها كده.

— كان فيه حد معاها؟

ترددت.

ثم قلت:

— أمي.

الممرضة ما علقتش.

رجعت دخلت.

وفي اللحظة دي، افتكرت الدكتورة اللي رقمها ظهر على تليفون سارة.

الدكتورة ريم الشاذلي.

اتصلت بيها.

ردت بعد ثواني:

— ألو؟

— حضرتك الدكتورة ريم؟

— أيوه.

— أنا أحمد… جوز سارة.

سكتت ثانية.

ثم تغير صوتها.

— سارة فين؟!

— في المستشفى.

سمعت نفسها وهي بتتنفس براحة للحظة.

— الحمد لله… أخيرًا!

كلمة “أخيرًا” وقعت عليا زي الحجر.

قلت:

— يعني إيه أخيرًا؟

قالت:

— أنا بحاول أوصل لها من المغرب.

اتجمدت.

— ليه؟

سكتت الدكتورة لحظات، وبعدين سألتني:

— أحمد… سارة قالتلك على نتيجة الفحوصات؟

— فحوصات إيه؟

الصمت اللي حصل بعدها خلاني أحس إن فيه مصيبة جاية.

قالت:

— هي ما قالتلكش؟

— قالتلي إيه يا دكتورة؟!

ردت بحذر:

— آخر مرة سارة كانت عندي، ظهرت مؤشرات محتاجة متابعة دقيقة جدًا. أنا كتبتلها تقرير كامل وتعليمات واضحة، وقلت لها لو حصل ألم منتظم، نزول مياه، نزيف، أو قلة في حركة الجنين، ما تستناش دقيقة واحدة.

حسيت بإيدي بتبرد.

— التقرير كان فين؟

قالت:

— حطيته في ظرف أبيض وسلمته لها بإيدي.

الظرف.

نفس الظرف اللي سارة قالت إن أمي أخدته.

سألتها:

— كان مكتوب فيه إيه بالضبط؟

قبل ما تجاوب، باب الطوارئ اتفتح فجأة.

خرج دكتور شاب بسرعة.

— أحمد منصور؟

قفلت المكالمة وجريت عليه.

— أنا.

قال:

— إحنا بنجهز زوجتك دلوقتي. فيه اشتباه في ولادة مبكرة، وحالة الجنين محتاجة متابعة لحظية.

حسيت الدنيا بتلف.

— ابني كويس؟

بصلي ثانيتين قبل ما يرد.

— إحنا بنعمل كل اللي نقدر عليه.

الجملة دي لوحدها كانت كفاية تكسرني.

قعدت على أول كرسي قابلني.

وبعد حوالي عشر دقايق، تليفوني رن.

أمي.

بصيت لاسمها.

المرة دي رديت.

— ألو.

جالي صوتها طبيعي جدًا:

— حمد لله على السلامة يا حبيبي، عرفت إنك رجعت.

فضلت ساكت.

قالت:

— أحمد؟

سألتها مباشرة:

— إنتِ كنتِ عند سارة النهارده؟

سكتت لحظة.

— أيوه… كنت بطمن عليها.

— وكانت تعبانة؟

— شوية تقل عادي يا ابني. إنت عارف الحوامل بيبقوا حساسين.

قفلت عيني.

نفس الكلام اللي كتبته في الرسالة.

قلت:

— سارة في المستشفى.

صوتها اتغير.

— مستشفى؟! ليه؟!

— لأنها كانت محتاجة إسعاف.

— يا ابني أنا قلتلك هي بتكبر المواضيع…

قاطعتها:

— فين الظرف يا أمي؟

سكتت.

ثانية.

اتنين.

تلاتة.

— ظرف إيه؟

وقفت من مكاني.

— الظرف الأبيض اللي كان في شنطة سارة.

— معرفش إنت بتتكلم عن إيه.

قلت ببطء:

— سارة قالتلي إنك أخدتيه.

سمعت صوت حركة عندها.

ثم قالت:

— مراتك تعبانة ومش واعية هي بتقول إيه.

في اللحظة دي حسيت إن قلبي وقع.

لأن سارة وهي بين إيدين المسعفين، بالكاد قادرة تتكلم…

افتكرت الظرف بالذات.

قلت:

— أمي… أنا بسألك للمرة الأخيرة. الظرف فين؟

اتعصبت:

— وإنت بتكلمني بالطريقة دي علشان مراتك؟!

— مراتي وابني جوه بين الحياة والخطر!

وسكتت.

كملت:

— والدكتورة قالت إن الظرف فيه تقرير عن حالة الحمل.

الصمت طال.

وبعدين سمعت أمي تقول جملة أغرب من كل اللي فات:

— أحمد… التقرير ده كان لازم ما يوصلش لك.

حسيت إن ضهري اتسند للحائط لوحده.

— نعم؟

لكنها قفلت المكالمة.

فضلت باصص للتليفون.

حاولت أتصل بيها.

مغلق.

اتصلت تاني.

مغلق.

رجعت بسرعة للدكتورة ريم.

— يا دكتورة، محتاج أعرف كل اللي كان مكتوب في التقرير.

قالت:

— مش هينفع أشرح تفاصيل طبية تخص سارة من غير موافقتها إلا في الإطار الطبي المناسب، لكن التقرير موجود في ملفها، والمستشفى يقدر يتواصل معايا لو احتاج أي بيانات.

ثم سكتت لحظة وقالت:

— بس فيه حاجة مش فاهمها.

— إيه؟

— سارة كانت مرعوبة وهي عندي.

— مرعوبة من نتيجة التحاليل؟

— لأ.

نبرة صوتها خلتني أسكت.

قالت:

— كانت مرعوبة من إن حد في البيت يعرف إنها عملت الفحوصات دي أصلًا.

قبل ما أسألها مين…

باب الطوارئ اتفتح.

خرجت الممرضة تجري.

وراها دكتور تاني.

سمعت حد بينادي:

— جهزوا العمليات!

جريت ناحية الباب.

— سارة!

الممرضة منعتني.

— مينفعش تدخل!

صرخت:

— دي مراتي!

وفجأة، وسط الحركة، سمعت صوت سارة من جوه.

ضعيف.

مكسور.

لكنها كانت بتنادي اسمي.

— أحمد…

دفعت نفسي ناحية الباب.

شفتها للحظات فوق السرير.

عينيها قابلت عيني.

ومدت إيدها ناحيتي.

قربت منها قبل ما ياخدوها.

قالت بصوت بالكاد سمعته:

— لو جرالي حاجة… متصدقش اللي هيتقالك.

بصيتلها برعب.

— مين اللي هيقوللي إيه؟

دموعها نزلت.

وحاولت تقول حاجة تانية…

لكنهم بدأوا يحركوا السرير.

آخر كلمتين وصلوا لودني كانوا:

— افتح الدولاب.

واتقفل باب العمليات بيني وبينها.

وقفت مكاني مش فاهم.

الدولاب؟

إيه اللي سارة مخبياه هناك؟

وليه أمي أخدت التقرير؟

وليه قالت إن التقرير “كان لازم ما يوصلش لي”؟

والأهم…

إيه الحقيقة اللي خلت مراتي وهي داخلة غرفة العمليات وخايفة على حياتها وحياة ابننا، تفكر في سر مخبي في دولاب أوضتنا؟

وقتها ماكنتش أعرف إن لما أرجع البيت وأفتح الدولاب…

هلاقي حاجة هتخليني أعيد التفكير في كل اللي حصل لسارة من بداية حملها.

يتبع

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى