عاقر حكايات اسما السيد

طلقني قدام أهله وقالي انتِ مش نافعة تكوني أم لولادي، انتي عاقر… وأنا عايز واحدة تخلفلي ولد يشيل اسمي.
خرجت من بيته وأنا حاسة إن كرامتي اتدفنت جواه.
ماجريتش وراه… وماطلبتش منه يرجع.
بعد الطلاق بشهر، اكتشفت سر قلب حياتي كلها. كنت حامل. مش بطفل واحد…بتلاتة. لكن بدل ما أروح أقوله، قررت أختفي من حياته تمامًا.
عدت أربع سنين. كبر ولادي، وكبرت معاهم أنا… واتعلمت إن الست اللي اتكسرت مرة، ممكن ترجع أقوى من الأول.
وفي يوم، وصلتني دعوة فخمة. فتحتها، ولقيت اسمه مكتوب عليها: «يتشرف رجل الأعمال كريم فؤاد بدعوتكم لحضور حفل زفافه.»
ضحكت بمرارة. لكن اللي خلاني أسكت فجأة، كان الورق الصغير اللي وقع من جوه الدعوة. كان مكتوب بخط إيده: «تعالي يا سارة… عايزك تشوفي بنفسك الست اللي عرفت تعمل اللي إنتِ فشلتي فيه.»
فضلت أبص للكلام شوية. وبعدين رفعت عيني ناحية التلاتة اللي قاعدين قدامي بيتخانقوا مين ياخد آخر قطعة بيتزا. آدم… وليان… وياسين. تلاتة أطفال شبه أبوهم بشكل يخض.
ابتسمت وقلت: «إيه رأيكم نروح فرح؟» ياسين سألني: «فرح مين يا ماما؟» بصيت للدعوة وقلت: «واحد كان فاكر إنه خسران… وهنخليه يكتشف إنه كان غلطان.»
يوم الفرح، دخلت القاعة بفستان بسيط وأنيق، وماسكة إيد ولادي التلاتة. الموسيقى كانت شغالة. والناس كلها بتضحك. لكن أول ما كريم شافني… ابتسامته اختفت. وبعدين عينه نزلت على الأطفال. واحد… اتنين… تلاتة. وشه اتغير.
قرب مني وهو مش قادر ينطق: «سارة… مين دول؟» بصيت له بهدوء وقلت: «مش كنت عايز عزوة؟» سكت. قرب أكتر، وبص في وش ياسين. وبعدين آدم. وبعدين ليان. إيده بدأت تترعش. قال بصوت مخنوق: «مستحيل…» ابتسمت وقلت: «ليه مستحيل؟ مش دول كانوا أمنيتك؟» وقبل ما يرد، قرب ياسين منه بكل براءة وقال: «حضرتك شبهنا أوي.» القاعة كلها سكتت. العروسة كانت واقفة بعيد، وشها اصفر. وكريم بصلي وهو على وشك ينهار: «إنتِ كنتِ عارفة إنهم ولادي؟» رديت وأنا بسحب إيد أولادي: «كنت عارفة من أربع سنين… بس وقتها إنت كنت مشغول تدور على واحدة تانية تحققلك حلمك.» وسكت لحظة، وبعدين قلت: «بس واضح إن حلمك كان موجود قدامك من البداية… وإنت اللي ماعرفتش تشوفه.» اتلفت للولاد وقلت: «يلا يا حبايبي… إحنا مش هنبوظ على حد فرحه.» ومشيت.
لكن وأنا خارجة، سمعت صوت كريم لأول مرة وهو بينادي باسمي… وبيقول: — سارة… استني!
وقفت عند باب القاعة. ما لفيتش. بس إيدي شدت على إيد ياسين من غير ما أحس. كريم جري ناحيتي، وصوته كان مهزوز: — الولاد دول… ولادي بجد؟ لفيت له ببطء: — إنت سألت السؤال ده من شوية، وأنا جاوبتك. — أنا عايز أسمعها منك صريحة. بصيت في عينه وقلت: — أيوه يا كريم… آدم وياسين وليان ولادك.
كريم حط إيده على راسه كأنه بيحاول يستوعب أربع سنين ضاعوا منه في جملة واحدة. بص للأطفال تاني. وبعدين قال: — ليه؟! ضحكت من غير فرحة: — ليه إيه؟ — ليه مخبيتيهم عني أربع سنين؟ رديت: — عشان آخر مرة شوفتك فيها، كنت واقف قدام أهلك وبتقولي إني عاقر ومش نافعة أبقى أم لولادك. — بس لو كنت أعرف إنك حامل… قاطعته: — كنت هتعمل إيه؟ سكت. قربت منه خطوة: — كنت هترجعني عشان بتحبني؟ ولا عشان بقيت حامل؟ ما ردش. قلت: — أهو سكوتك جاوب.
في اللحظة دي، العروسة قربت. كانت بتحاول تحافظ على هدوئها قدام الناس. قالت: — كريم… ممكن أفهم إيه اللي بيحصل؟ كريم بص لها، لكن ماعرفش يرد. فأنا قلت: — مفيش حاجة تخصك. أنا كنت ماشية أصلًا. العروسة بصت للأطفال. وبعدين لكريم: — دول أولادك؟ كريم قال بصوت واطي: — على كلام سارة… أيوه. بصيت له بحدة: — على كلامي؟
فتحت شنطتي وطلعت ظرف: — أنا توقعت إنك تقول كده. مديته له. كان جواه صور تحاليل الحمل القديمة، وشهادات ميلاد الأطفال، وورق طبي من فترة حملي. قلت: — أنا مش جاية أثبتلك حاجة. أنا جيت بس عشان الدعوة اللي بعتها. طلعت الورقة الصغيرة اللي كتبها بإيده. وحطيتها فوق الظرف: — إنت اللي طلبت مني أجي أشوف الست اللي عملت اللي أنا “فشلت” فيه. بصيت لأولادي: — فقلت أجيبلك نتيجة فشلي معايا.
ناس كتير في القاعة وطوا عينيهم. حتى أمه، اللي كانت واقفة وسط قرايبها، ملامحها اتغيرت. وأول ما شافت الأطفال عن قرب… حطت إيدها على بقها: — يا نهار أبيض… بصت لي: — سارة… دول أحفادي؟ قلت بهدوء: — دول ولادي. أكدت على الكلمة الأخيرة. ولادي. هي فهمت قصدي. قربت من آدم تمد إيدها له، لكنه استخبى ورايا. وقتها شفت حاجة غريبة في عينيها. مش مجرد صدمة. خوف. قلت لنفسي: ليه خايفة؟ لكن ماكانش وقت أسأل. مسكت ولادي وخرجت. وكريم فضل واقف مكانه. وسط فرحه. جنب عروسته. ومش قادر يبص غير للباب اللي خرج منه أولاده.
كبت العربية. كنت فاكرة إني هحس بانتصار. أربع سنين وأنا بتخيل اليوم اللي يعرف فيه الحقيقة. لكن لما اليوم جه… ماحسيتش بحاجة. غير تعب.
ليان قالت: — ماما… الراجل ده كان زعلان ليه؟ بصيت لها في المراية: — عشان عرف حاجة متأخر. آدم سأل: — هو يعرفنا؟ سكت. ياسين سبقني وقال: — أكيد يعرفنا… ده شبهنا! ضحكت رغمًا عني: — لما نروح البيت هنتكلم.
لكن قبل ما أتحرك، حد خبط على زجاج العربية. كان كريم. نزلت الزجاج سنة صغيرة: — عايز إيه؟ قال وهو بياخد نفسه: — تحليل نسب. ضحكت: — أخيرًا قلت حاجة منطقية. اتصدم من ردي. كان متوقع إني أرفض. قلت: — موافقة. — بالسهولة دي؟ — أيوه. عشان لما تعرف الحقيقة، ماتجيش بعد عشر سنين تقول إني ضيعت عليك ولادك بناءً على كلام من غير إثبات. قال بسرعة: — ولو طلعوا ولادي؟ بصيت له مباشرة: — هتبقى أبوهم بيولوجيًا… إنما كونك تستحق تدخل حياتهم ولا لأ، دي قصة تانية. وقلت وأنا بقفل الزجاج: — والأهم… الموضوع يتم رسمي، وبعيد عن فرحك وعروستك. ومشيت.
بعد يومين، تم التحليل في معمل موثوق وبإجراءات رسمية. وأسبوع بعدها… ظهرت النتيجة. كريم والد الأطفال. بنسبة لا تحتمل الشك.
كان قاعد قدامي في مكتب المحامي لما قرأ الورقة. قرأها مرة. واتنين. وتلاتة. وبعدين حطها على المكتب. قال: — عندي ولدين… وبنت. قلت: — عندك تلات أطفال مايعرفوش عنك حاجة. مسح وشه بإيده: — ضيعت أربع سنين. رديت: — هما ما ضاعوش. كانوا معايا. رفع عينه لي: — أنا مش قصدي… — عارفة قصدك.
سكت شوية. وبعدين سأل: — ممكن أشوفهم؟ — مش دلوقتي. — سارة… — ولادي مش تعويض عن إحساسك بالذنب يا كريم. مش هتصحى النهارده تقرر إنك أبوهم، وبكرة تدخل حياتهم كأن أربع سنين ماحصلوش. قال: — طب أعمل إيه؟ — تثبت إنك قادر تكون أب. — إزاي؟ — بالصبر.




