اسرار الغسل بقلم اسما السيد 1

وهمـا بيغسلوها جسمها كله بقي ينـزل نمل.. كل ما يغسلوها ويخلصوا ويجوا يلبسوها الكفن يلاقوا في نمل… احتاروا في امرها والكل خـاف ومشي من كثر النمل اللي ليظهر لحـد ما جابوا مغسله عجوز اللي قالـت حاجه صدمـت الكـل…
صلي على محمد واسمع مني..
وهمّا بيغسلوها كان الجسد ساكنًا سكونًا يثير القلق أكثر مما يبعث على الطمأنينة لأن الذي يعرفونه عادة يترك علامته واضحة على الملامح أما هي فكانت ملامحها هادئة إلى حد جارح كأنها لم بل توقفت فقط عن الاحتمال وحين أُريق الماء للمرة الأولى انسدل على جلدها بلا مقاومة فظنوا أن الأمر سيمر عاديًا كما مرّ مع غيرها لكن ما إن انحنت الأيدي لتتم الغُسل حتى بدأ النمل يظهر لا فجأة ولا بعنف بل ببطء منتظم نمل أسود صغير يخرج من تحت الجلد نفسه لا من الأرض ولا من الشقوق كأن الجسد صار طريقًا مفتوحًا لشيء كان محتجزًا طويلًا.
ارتفعت الهمسات ثم خفتت ثم تحولت إلى صمت ثقيل لأن النمل لم يكن عابرًا بل كان يعود في كل مرة يغسلون فيها الجسد حتى إذا انتهوا ومدّوا الكفن خرج أكثر كأن الكفن يوقظه لا يخفيه وكأن البياض يستفزه ما لم يفضحه الظلام فتراجعوا خطوة خطوة لا لأنهم خافوا من النمل بل لأنهم خافوا من المعنى الذي لا يعرفون اسمه.
قالت إحداهن إنها علامة غضب وقالت أخرى إنه مس وقال ثالث إن الدفن هو الحل الوحيد لكن أحدًا لم يقترب وكل من انسحب شعر بأن المكان لم يعد مكان غسل بل مكان اعتراف لم يُكتمل وأن الجسد لا يطلب الطهارة بقدر ما يطلب الإنصات.
ظل الجسد وحده على لوح الغُسل والماء يقطر والنمل يظهر ثم يختفي ثم يعود كأنه يتنفس معها كأنه امتداد لشيء بداخلها لم يجد طريقه إلى الخارج إلا الآن وبعد وقت طويل جاءوا بالمغسلة العجوز امرأة أثقلها العمر لا الرعب وعيناها لا تندهشان لأنها رأتا وجوهًا كثيرة انتهت قبل أن يُسمح لها أن تقول ما يكفي.
جلست أمام الجسد طويلًا دون أن تمسه وكأنها تقرأ ما لا يُرى ثم دّت يدها ببطء ولمّا لامست الصدر لم يهرب النمل ولم يزد بل استقر كأنه وجد من يفهمه فرفعت العجوز رأسها وقالت بصوت هادئ لا يحمل صدمة بل يقينًا.
هذا ليس نمل موت.
نظروا إليها وكأن الكلمة وحدها أنقذتهم من الجنون فسألها أحدهم ماذا تعنين فقالت وهي ما زالت تنظر إلى الجسد.
هذا نمل …. عجبتك عندك شغف تكملها طيب صلي على محمد وتابع التعليقات لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
@أبرز المعجبين
وقفت المغسلة العجوز قدام الجسد، وبصّت للنمل اللي كان بيتحرك فوق الجلد في هدوء غريب، وبعدها قالت الجملة اللي خلت كل اللي في المكان يبصوا لبعض بخوف:
— ده مش نمل موت… ده نمل طالع ورا ريحة.
واحدة من الستات شهقت وقالت:
— ريحة إيه يا حاجة؟ إحنا غسلناها أكتر من مرة، ومفيش أي ريحة وحشة!
العجوز ما ردتش.
قربت أكتر، ورفعت إيد المتوفاة، وبصّت تحت ضوافرها، وبعدها عند رقبتها وشعرها، كأنها بتدور على حاجة محددة.
وفجأة سألت:
— الست دي كانت عايشة لوحدها؟
ردت بنت واقفة عند الباب، وكانت بنت أخوها:
— من بعد ما جوزها مات وهي عايشة في البيت القديم لوحدها… بقالها حوالي سبع سنين.
العجوز رفعت عينيها ناحيتها.
— وماتت إزاي؟
البنت بلعت ريقها وقالت:
— لقيناها الصبح على سريرها… الدكتور قال غالبًا قلبها وقف وهي نايمة.
هنا العجوز سكتت.
مدّت إيدها ناحية قطعة القماش اللي تحت رأس المتوفاة ورفعتها.
وفي اللحظة دي، الست اللي جنبها صرخت:
— يا ساتر يا رب!
كان فيه صف طويل من النمل خارج من ناحية شعر المتوفاة، ماشي في خط واحد لحد طرف لوح الغُسل.
لكن الغريب إنه ما نزلش على الأرض.
كان النمل بيتجمع عند ناحية معينة من رقبتها.
العجوز قربت وشها، وبصت كويس، وبعدها قالت:
— هاتولي نور أقوى.
جابوا لها كشاف موبايل.
سلطته على الرقبة.
وبعد ثواني، ملامحها اتغيرت لأول مرة.
كان فيه أثر صغير جدًا خلف الأذن… علامة غامقة شبه نقطة قديمة.
قالت بنت أخوها بسرعة:
— دي عندها من زمان.
العجوز سألتها:
— متأكدة؟
— أيوه… تقريبًا.
العجوز بصتلها مباشرة وقالت:
— تقريبًا؟ ولا متأكدة؟
البنت اتلخبطت.
— يعني… أنا مش فاكرة.
ساعتها العجوز قامت وقالت:
— محدش يكمل الغُسل.
اعترضت واحدة:
— ليه؟
ردت العجوز:
— لأن المشكلة مش في النمل.
وسكتت لحظة، ثم أشارت إلى العلامة خلف الأذن.
— المشكلة في دي.
اقتربت واحدة وسألت بخوف:
— مالها؟
العجوز مسحت حوالين العلامة بقطنة مبلولة.
ومع أول مسحة…
ظهر شيء تحت اللون الغامق.
خيط.
خيط أسود رفيع جدًا داخل الجلد.
تراجعت الستات.
وقالت واحدة:
— خيط إيه ده؟!
لكن العجوز ما ردتش.
مسكت طرفه بحذر شديد، وما حاولتش تشده، وبصت ناحية بنت أخو المتوفاة وسألتها سؤالًا غريبًا:
— آخر مرة دخلتي بيت عمتك كانت إمتى؟
البنت اتوترت وقالت:
— من… من حوالي أسبوع.
العجوز ثبتت عينيها عليها.
— لو كلامك صح، يبقى في حاجة في البيت لازم تتشاف قبل ما الست دي تتدفن.
— حاجة إيه؟
العجوز غطت الجسد، ثم قالت:
— الحاجة اللي النمل جاي منها.
وفي اللحظة دي بالذات…
واحدة من الستات بصت للأرض وصرخت:
— استنوا!
الكل بص.
خط النمل اللي كان حوالين لوح الغُسل بدأ يتحرك ناحية الباب.
مش بشكل عشوائي.
صف واحد طويل…
خرج من غرفة الغُسل، وعدّى الممر، واتجه ناحية شنطة بنت أخو المتوفاة.
وش البنت اصفر.
والعجوز بصتلها وقالت بهدوء:
— افتحي الشنطة يا بنتي.
البنت حضنت شنطتها لصدرها وقالت بسرعة:
— ليه؟!
لأول مرة، صوت العجوز بقى حاد:
— افتحيها.
تجمعت الستات حواليها.
وإيديها بدأت تترعش وهي بتفتح السوستة ببطء.
وأول ما الشنطة اتفتحت…
العجوز مدت إيدها لجواها، وطلعت كيس قماش صغير مربوط بخيط أسود.
نفس لون الخيط اللي كان خلف أذن المتوفاة.
البنت شهقت:
— والله ما أعرف ده جه هنا إزاي!
العجوز ما اتهمتهاش.
بس قلبت الكيس في إيدها…
ولما شافت العلامة المرسومة عليه، تغير وشها تمامًا.
وقالت:
— اقفلوا الباب.
واحدة سألتها:
— ليه؟
رفعت العجوز عينيها إليهم وقالت:
— لأن اللي حصل للست دي ما بدأش بعد موتها…
ده بدأ وهي لسه عايشة.




