بعد رحيل جوزي بقلم اسما السيد 2

الفصل الثالث حماتي فضلت واقفة في البلكونة، لكن ملامحها اتغيرت تمامًا. من ثواني كانت بتضحك وهي شايفاني أنا وولادي واقفين وسط عفشنا في الشارع. دلوقتي كانت باصة للظرف اللي في إيد شريف كأنها شايفة مصيبة جاية عليها. قالت بصوت متوتر:
— محمود بعتلك إنت الظرف ده ليه؟
شريف رفع عينه لها وقال:
— انزلي يا أمي.
— أطلعلك أنا.
— لأ… انزلي.
طريقة كلامه خلت حتى الجيران اللي كانوا بيتفرجوا من البلكونات يسكتوا.
بعد دقايق، حماتي نزلت.
أول ما خرجت من باب العمارة، قربت من شريف ومدت إيدها ناحية الظرف.
— هاته أشوف فيه إيه.
شريف رجع إيده لورا.
— استني.
بصلي.
وبعدين بص لليلى ويوسف.
وقال:
— الأول حد يفهمني… مرات أخويا وعياله واقفين في الشارع ليه؟
حماتي ردت بسرعة:
— عشان دي شقتك وإنت راجع تستقر.
شريف بص لها باستغراب.
— شقتي؟
— أيوه.
— وأنا قلتلك إمتى إني عايز شقة محمود؟
ارتبكت.
— ما هو إنت راجع مصر وهتتجوز…
قاطعها:
— وحتى لو هتجوز، مين قالك إني هاخد بيت أخويا من عياله؟
حماتي بدأت تتعصب.
— بيت أخوك إيه؟ البيت بيت العيلة وأنا أدرى بمصلحته.
شريف بص حواليه.
وبعدين عينه وقعت على صورة كبيرة ليا أنا ومحمود يوم فرحنا.
كانت مرمية جنب كرتونة هدوم.
نزل شريف، رفع الصورة من الأرض، ومسح التراب عنها بإيده.
فضل باصص لصورة أخوه ثواني.
وبعدين قال:
— محمود لسه ما كملش شهر ميت يا أمي.
قالت:
— وأنا أمه! أنا أكتر واحدة موجوعة عليه!
رد شريف:
— اللي موجوع على ابنه ما يرميش عيال ابنه في الشارع.
سكتت.
أنا كنت واقفة مش عارفة أتكلم.
لأول مرة من يوم وفاة محمود، حسيت إن حد واقف جنبي.
شريف لف ناحية الرجالة اللي كانوا نزلوا العفش.
وقال:
— كل حاجة تطلع مكانها.
حماتي صرخت:
— محدش يطلع حاجة!
شريف رد عليها:
— العربية دي فيها عفشي أنا.
وأشار لعربية النقل.
— خدوه على شقتي القديمة في الدور الخامس.
حماتي قالت:
— الدور الخامس مقفول ومحتاج تشطيب!
— أنام على الأرض ولا أرمي عيال أخويا في الشارع؟
وبعدين مد إيده ليا بمفتاح.
— اطلعي يا سارة.
بصيت للمفتاح.
قلت:
— هي غيرت كالون الباب.
شريف ابتسم ابتسامة صغيرة، لكنها كانت كلها غضب.
— يبقى نغيره تاني.
حماتي قربت منه.
— إنت اتجننت؟!
رد:
— لأ… بس واضح إني كنت بعيد زيادة عن اللزوم.
وبعد حوالي نص ساعة، كان العفش بيطلع تاني.
ليلى مسكت إيدي وهي طالعة السلم.
لكن يوسف جري ناحية شريف وحضنه من رجله.
قال له:
— عمو… إنت مش هتخلينا نمشي؟
شريف نزل لمستواه.
— ده بيتك يا يوسف.
حماتي كانت واقفة وراه.
قالت بعصبية:
— ما توعدش بحاجة مش بتاعتك.
شريف وقف.
— عندك حق.
وبعدين رفع الظرف.
— عشان كده لازم نشوف الحاجة بتاعة مين فعلًا.
قلبي دق بسرعة.
طلعنا الشقة.
كانت مقلوبة.
الدولاب مفتوح.
الأدراج متسحبة.
حاجات محمود الشخصية مش موجودة.
وقفت قدام الدولاب.
قلت:
— شريف…
— نعم؟
— محمود كان سايب ملف أزرق هنا.
حماتي كانت داخلة وسمعتني.
قالت فورًا:
— قولتلك معرفش حاجة عنه!
شريف لف لها ببطء.
— ملف أزرق؟
قلت:
— قبل ما محمود يموت بشهر قاللي إن فيه أوراق تضمن إني أنا والعيال ما نحتاجش حد.
شريف سكت.
وبعدين فتح الظرف اللي معاه.
طلع منه ورقتين وصورة بالموبايل مطبوعة.
ناولني الصورة.
أول ما شفتها حسيت جسمي كله برد.
الصورة كانت لمحمود.
واقف جوه مكتب محامي.
وفي إيده…
الملف الأزرق.
قلت:
— هو ده!
شريف قال:
— الصورة دي محمود بعتهالي قبل الحادثة بأسبوعين.
حماتي قالت بسرعة:
— ويمكن الورق ده ملوش قيمة!
شريف بص لها.
— إنتِ عرفتي منين إن الورق ملوش قيمة وإنتِ بتقولي إنك مش عارفة عنه حاجة؟
حماتي اتلخبطت.
— أنا… أقصد يعني أي ورق.
شريف ما ردش.
طلع الورقة الأولى.
وقال:
— محمود كتبلي رسالة.
بدأ يقرأ:
— “يا شريف، لو الرسالة دي وصلتلك وأنا مش موجود، خليك جنب سارة والعيال لحد ما تتأكد إن كل حاجة اتنفذت زي ما اتفقنا.”
حطيت إيدي على بوقي.
دموعي نزلت.
حتى بعد موته…
محمود كان بيفكر فينا.
شريف كمل:
— “الأصل موجود في الملف الأزرق، والنسخة الرسمية عند الأستاذ سامح.”
قلت بسرعة:
— مين الأستاذ سامح؟
شريف رفع عينه.
— محامي محمود.
حماتي قالت:
— محمود ماكانش عنده محامي!
شريف رد:
— كان.
وبعدين طلع كارت من الظرف.
اسم مكتب محاماة ورقم تليفون.
اتصل فورًا.
الراجل رد بعد ثواني.
شريف قال:
— مساء الخير، أنا شريف أخو المرحوم محمود… معايا خطاب منه بيقول أتواصل مع حضرتك.
سكت وهو بيسمع.
وفجأة ملامحه اتغيرت.
— حضرتك عارف إن محمود توفى؟
سكت تاني.
وبعدين بصلي.
قال:
— حضرتك تقدر تيجي دلوقتي؟
حماتي صرخت:
— محامي إيه اللي هييجي بيتي؟!
شريف قال:
— الراجل بيقول إن عنده أمانة لازم تتسلم لسارة شخصيًا.
أنا حسيت رجلي مش شايلاني.
بعد حوالي ساعة، جرس الباب رن.
دخل راجل في أواخر الخمسينات، ماسك شنطة جلد.
عرّف نفسه:
— أنا الأستاذ سامح.
بصلي وقال:
— مدام سارة؟
— أيوه.
مد إيده وسلمني مظروف مقفول.
— البقاء لله.
قلت:
— الله يخليك.
فتح شنطته.
طلع ملف.
مش أزرق.
ملف أسود كبير.
وقال:
— قبل وفاة الأستاذ محمود بحوالي شهر ونص، جه المكتب وطلب مني أخلص له مجموعة إجراءات.
حماتي قالت:
— إجراءات إيه؟
المحامي بص لها.
— تخص ممتلكاته.
قلبي بدأ يدق أسرع.
قلت:
— محمود ماكانش عنده ممتلكات غير نصيبه في العمارة وحساب بسيط في البنك.
المحامي هز راسه.
— الظاهر إن المرحوم ماقالكيش كل حاجة.
حماتي قربت.
— يعني إيه؟
فتح الملف.
وقال:
— أول حاجة… الشقة اللي حضرتك حاولتي تطردي منها مدام سارة النهارده.
حماتي قالت:
— دي شقة ابني!
المحامي رد بهدوء:
— كانت.
سكتنا كلنا.
قال:
— الأستاذ محمود أنهى إجراءات تسجيل نصيبه بالكامل قبل وفاته.
بصلي مباشرة.
— والشقة مسجلة باسم زوجته سارة من شهرين.
أنا شهقت.
حماتي قالت:
— كدب!
المحامي طلع صورة رسمية.
— دي صورة العقد المشهر.
مدها لشريف.
شريف قرأها.
وبعدين بص لأمه.
— الشقة باسم سارة فعلًا.
حماتي خطفت الورقة من إيده.
فضلت تقراها ووشها بيصفر.
لكن المحامي قال:
— ودي مش أهم حاجة.
بصيتله.
— فيه إيه تاني؟
قال:
— المرحوم محمود كان يمتلك حصة أكبر في العمارة مما حضرتك تعرفي.
حماتي رفعت رأسها بسرعة.
— حصة إيه؟
المحامي قال:
— بعد وفاة والده، محمود اشترى جزءًا من حصة شريف رسميًا قبل سفره.
شريف هز راسه.
— صحيح. أنا بعتله جزء من نصيبي عشان كنت محتاج فلوس وقتها.
المحامي كمل:
— وبناءً عليه، محمود كان يملك الشقة اللي ساكن فيها… بالإضافة لحصة في محلين تحت العمارة وجزء من الأرض.
أنا كنت مصدومة.
لكن حماتي قالت:
— خلاص! عياله يرثوا نصيبهم وأنا كمان ليا حقي الشرعي.
المحامي بص لها ثواني.
وقال:
— طبعًا… أي حق شرعي في التركة محفوظ حسب الأنصبة القانونية والشرعية.
وبعدين قفل الملف.
— لكن المشكلة مش هنا.
شريف سأله:
— أمال فين؟
المحامي رد:
— في إن جزءًا من الممتلكات دي مش داخل التركة أصلًا.
حماتي شهقت.
— ليه؟!
قال:
— لأن محمود تصرف فيه وهو على قيد الحياة بعقود مسجلة.
سكت لحظة.
وبعدين بصلي.
— فيه أملاك نقل ملكيتها لزوجته وأولاده قبل وفاته.
حماتي مسكت طرف الترابيزة.
— مستحيل.
لكن المحامي ماكانش خلص.
طلع ورقة أخيرة.
وقال:
— وفي حاجة أخطر.
شريف سأله:
— إيه؟
المحامي رفع الورقة.
— محمود اكتشف قبل وفاته إن فيه عقد متعلق بالعمارة عليه توقيع منسوب له…
لكنه أكد إنه ما مضاش العقد ده أصلًا.
الصمت نزل على الشقة.
بصيت لحماتي.
وشها كان أبيض.
المحامي كمل:
— وعشان كده قدم طلب فحص رسمي للتوقيع قبل وفاته.
شريف قال:
— عقد إيه؟
المحامي رد:
— عقد بيقول إن محمود تنازل عن جزء كبير من نصيبه في العمارة لشخص تاني.
سألته:
— لمين؟
المحامي ما ردش فورًا.
بص ناحية حماتي.
وبعدين قال:
— للحاجة دولت.
أنا بصيت لها.
شريف اتجمد.
وحماتي بدأت تهز راسها:
— لأ… محمود هو اللي مضى!
المحامي ضيق عينه.
وقال:
— غريبة.
— إيه اللي غريب؟
فتح شنطته وطلع إخطار رسمي.
— نتيجة فحص التوقيع وصلت مكتبي النهارده الصبح.
مد الورقة لشريف.
— والتقرير المبدئي بيقول إن التوقيع الموجود على عقد التنازل مش توقيع محمود.
حماتي صرخت:
— كدب!
شريف بص لها بصدمة.
— أمي… إنتِ جبتي العقد ده منين؟
قالت:
— محمود اداهولي!
المحامي رد:
— يبقى عندنا مشكلة أكبر.
— مشكلة إيه؟!
قال بهدوء:
— لأن محمود كتب في إفادته قبل وفاته اسم الشخص اللي شك إنه أخد أوراقه وطلع العقد ده.
حسيت نفسي مش بتنفس.
شريف سأله:
— كتب اسم مين؟
المحامي بص لأمه.
وقال:
— الاسم موجود في الإفادة… لكن قبل ما أقول مين، فيه حاجة لازم نلاقيها.
قلت:
— إيه؟
رد:
— الملف الأزرق الأصلي.
وفجأة…
سمعنا صوت حاجة وقعت جوه أوضة النوم.
كلنا لفينا ناحية الباب.
ليلى كانت واقفة هناك.
وفي إيدها كيس أسود صغير.
قالت:
— ماما…
جريت عليها.
— إيه يا حبيبتي؟
بصت لجدتها بخوف.
وبعدين قالت:
— أنا شوفت تيتة وهي بتاخد الملف الأزرق من دولاب بابا يوم العزا.
وش حماتي اتجمد.
لكن ليلى كملت:
— وخبته في مكان…
حماتي صرخت:
— اخرسي يا بت!
شريف وقف بينها وبين ليلى.
— ما تعليش صوتك عليها.
حضنت بنتي.
وقلت:
— خبته فين يا ليلى؟
ليلى رفعت صباعها…
وأشارت ناحية الأرض.
وقالت:
— تحت سرير تيتة.
يتبع…
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




