بعد رحيل جوزي حكايات اسما السيد 3

الفصل الرابع — تحت سرير تيتة. الجملة خرجت من ليلى بهدوء… لكنها وقعت علينا كلنا كالصاعقة. حماتي صرخت: — البت دي بتكدب! ليلى اترعبت واستخبت ورايا. حضنتها وقلت: — محدش هيزعقلك يا حبيبتي. شريف بص لأمه وقال: — ليلى عندها سبع سنين يا أمي… هتستفيد إيه لما تكدب؟
— عشان أمها ملقناها الكلام!
بصيتلها بصدمة.
— أنا أصلًا ماكنتش أعرف إن ليلى شافت حاجة!
الأستاذ سامح رفع إيده وقال:
— من فضلكم… خلونا نتصرف بهدوء. لو الملف موجود فعلًا، محدش يلمسه أو يتصرف فيه لحد ما نعرف محتواه.
لكن حماتي اتحركت ناحية الباب بسرعة.
شريف وقف قدامها.
— رايحة فين؟
قالت بتوتر:
— شقتي! ولا لازم آخد إذنكم عشان أدخل بيتي؟
قال:
— هننزل معاكي.
— محدش يدخل شقتي!
الجملة دي أكدت شكوكي أكتر.
نزلنا الدور اللي تحت.
حماتي كانت ماشية قدامنا وهي بتتكلم بعصبية:
— أنا مش فاهمة إنتوا عاملين تحقيق ليه! محمود ابني وأنا أمه، ولو أخدت منه ورق يبقى حقي أعرف ابني كان بيعمل إيه.
الأستاذ سامح قال:
— أخد أوراق شخص من غير إذنه حاجة، واستخدامها في عقد منسوب له حاجة تانية خالص.
سكتت.
دخلنا شقتها.
ليلى كانت ماسكة إيدي بقوة.
سألتها:
— فاكرة المكان يا حبيبتي؟
هزت راسها.
دخلت أوضة حماتي.
وقفت جنب السرير.
وقالت:
— تيتة رفعت المرتبة وحطته هنا.
حماتي صرخت:
— كفاية كدب!
شريف رفع المرتبة.
مفيش حاجة.
حماتي ضحكت فجأة.
— أهو! شوفتوا؟!
بصيت لليلى.
وشها اتغير.
قالت:
— والله كان هنا يا ماما.
نزلت لمستواها.
— أنا مصدقاكي.
لكن شريف ما اتحركش.
فضل باصص للسرير.
وبعدين لاحظ إن فيه لوح خشب رفيع تحت المرتبة.
رفعه.
وكان فيه تجويف صغير بين الخشب وجسم السرير.
مد إيده جواه…
وسحب كيس قماش غامق.
ضحكة حماتي اختفت.
فتح شريف الكيس.
وطلع منه…
الملف الأزرق.
أنا ما حسيتش بنفسي غير وأنا بقول:
— ده هو.
شريف بص لأمه.
— عندك تفسير؟
قالت بسرعة:
— محمود اداهولي.
الأستاذ سامح مد إيده.
— ممكن أشوفه؟
حماتي حاولت تمسك الملف.
— لأ! ده بتاع ابني!
شريف رجع خطوة.
— لو محمود ادهولك، ليه مخبياه جوه السرير؟
ما ردتش.
الأستاذ سامح فتح الملف قدامنا.
كانت فيه عقود وصور أوراق وإيصالات.
بدأ يقلب.
وفجأة وقف.
طلع ورقة وقال:
— دي صورة العقد اللي اتكلمت عنه.
شريف أخدها.
العقد كان بيدّعي إن محمود تنازل لأمه عن جزء كبير من حصته في العمارة.
لكن جوه الملف كانت فيه نسخة تانية من نفس العقد…
من غير توقيع محمود.
وعليها بخط إيده:
“لم أوافق على هذا التنازل.”
وتحتها تاريخ قبل وفاته بحوالي شهرين.
قلت:
— يعني محمود كان عارف؟
المحامي قال:
— كان شاكك إن فيه محاولة لاستخدام توقيعه.
قلب الصفحة.
ولقى ورقة مكتوبة بخط محمود.
قرأ بصوت مسموع:
— “لو الورق ده اتستخدم بعد موتي، يتم تسليم النسخ للمحامي فورًا.”
حماتي قالت:
— ما يمكن مش خطه!
شريف رفع عينه لها.
— أنا عارف خط أخويا.
وبعدين المحامي طلع حاجة صغيرة من جيب الملف.
فلاشة.
قال:
— دي ما كانتش موجودة في النسخ اللي عندي.
بصيتله.
— عليها إيه؟
— معرفش.
رجعنا شقتي.
شريف جاب اللابتوب بتاعه.
حط الفلاشة.
كان عليها مجلد واحد باسم:
“لسارة والأولاد”.
إيدي بدأت ترتعش.
فتحناه.
كان فيه صور للعقود…
كشف حساب…
ومقطع فيديو.
شريف بصلي.
— نفتحه؟
هزيت راسي.
الفيديو اشتغل.
وفجأة ظهر محمود قدامنا.
قاعد في نفس الصالة اللي إحنا قاعدين فيها.
كان لابس القميص الرمادي اللي كنت بحبه عليه.
أول ما شوفته، نفسي اتقطع.
ليلى صرخت:
— بابا!
جريت ناحية الشاشة.
لمست وشه بإيدها.
— بابا رجع!
حضنتها وأنا بعيط.
صوت محمود طلع من السماعات:
— “سارة… لو إنتِ بتشوفي الفيديو ده، غالبًا أنا مش موجود.”
ما قدرتش أتماسك.
غطيت وشي بإيدي.
محمود كمل:
— “أنا عارف إن الكلام ده صعب… بس فيه حاجات ما قلتهاش لك عشان ما أشيلكيش هم.”
وبعدين سكت لحظة.
— “من فترة اكتشفت إن فيه خلافات على ملكية العمارة، وإن فيه ورق بيتجهز من غير علمي.”
حماتي بدأت تقول:
— اقفلوا الكلام ده!
شريف قال:
— محدش هيقفل حاجة.
محمود كمل:
— “أنا سجلت شقتنا باسم سارة وأنا عايش. مش عشان أحرم حد من حقه… لكن عشان دي مراتى، وده بيت ولادي، ومش هقبل في يوم حد يطلعهم منه.”
بنتي كانت بتعيط.
أما حماتي…
فكانت واقفة مكانها.
محمود كمل:
— “أما باقي الممتلكات، فأي حاجة تفضل باسمي وقت وفاتي تتقسم بالحق والشرع، وكل واحد ياخد نصيبه من غير زيادة ولا نقصان.”
بصيت للمحامي.
هز راسه.
لكن الفيديو ما خلصش.
محمود قرب من الكاميرا.
وقال:
— “وفيه حاجة لازم شريف يعرفها.”
شريف اتشد مكانه.
— “يا شريف… فاكر لما بعتلي جزء من نصيبك في العمارة قبل سفرك؟”
شريف قال للشاشة كأنه بيرد عليه:
— فاكر.
محمود كمل:
— “أنا ما اشتريتوش لنفسي.”
شريف عقد حواجبه.
— “الفلوس اللي دفعتها لك كانت من حساب خاص عملتهولك بعد وفاة أبويا، لأن أبويا قبل ما يموت كان مديون لك بمبلغ كبير من شغلك معاه… وأنا كنت بردهولك.”
شريف همس:
— إيه؟
محمود قال:
— “عشان كده عملت عقد رجوع الحصة ليك… والعقد عند الأستاذ سامح. حقك ماخدتوش منك.”
شريف غطى عينه بإيده.
لكن محمود قال بعدها:
— “وفيه سبب تاني خلاني أوثق كل حاجة.”
سكت.
وبعدين قال:
— “قبل تسجيل الشقة لسارة بأسبوع، لقيت أمي بتدور في دولابي.”
حماتي شهقت.
— كدب!
محمود كمل:
— “واجهتها. قالت إنها بتدور على ورق يخص أبويا.”
بعدين رفع ورقة قدام الكاميرا.
— “بعدها اكتشفت صورة بطاقتي وصورة توقيعي ناقصين من الملف.”
الأستاذ سامح قال:
— دي النقطة اللي خلت محمود يطلب فحص العقد.
لكن فجأة الفيديو وقف.
الشاشة اسودت.
شريف حاول يشغله تاني.
ظهر إن الملف تالف بعد الدقيقة دي.
قلت:
— يعني مش هنعرف محمود كان هيقول إيه؟
الأستاذ سامح قال:
— عندنا الورق… وده أهم من الفيديو.
حماتي تنفست براحة غريبة.
وقالت:
— خلاص؟ خلصتوا المسرحية؟
الأستاذ سامح بص لها.
— لأ.
فتح الملف الأسود بتاعه.
طلع ظرف أبيض صغير.
— محمود سلمني ده شخصيًا.
شريف سأله:
— إيه ده؟
قال:
— طلب مني ما افتحوش إلا لو حصل خلاف على الشقة بعد وفاته.
بصيتله.
— وإحنا حصل خلاف.
— بالضبط.
فتح الظرف.
طلع ورقة.
قرأ أول سطر…
وسكت.
شريف قال:
— فيه إيه؟
المحامي رفع عينه لحماتي.
وقال:
— الحاجة دولت… حضرتك قولتي إن محمود عمره ما نقل ليكي أي فلوس قبل وفاته، صح؟
قالت بتوتر:
— أيوه.
المحامي حط الورقة على الترابيزة.
— طيب تفسري بإيه إن قبل وفاة محمود بثلاث أيام، مبلغ كبير جدًا خرج من حسابه؟
اتصدمت.
— مبلغ كام؟
المحامي قال الرقم.
حسيت قلبي وقف.
المبلغ كان تقريبًا كل مدخرات محمود اللي جمعها طول سنين شغله.
شريف قال:
— راح فين؟
المحامي أشار لآخر الورقة.
— اتحول لحساب واحد.
حماتي بدأت ترجع لورا.
شريف أخد الورقة.
قرأ الاسم.
وبص لأمه.
— الحساب باسمك؟
قالت بسرعة:
— محمود حولهملي بإرادته!
المحامي رد:
— المشكلة إن التحويل ما حصلش من البنك.
سألته:
— يعني إيه؟
قال:
— تم إلكترونيًا من هاتف محمود.
حماتي قالت:
— أهو! يبقى هو اللي عمله.
المحامي هز راسه.
— محمود كان في الوقت المسجل للتحويل داخل الشركة في اجتماع موثق، وهاتفه الشخصي كان في البيت لأنه نسيه يومها.
الصمت نزل علينا.
افتكرت اليوم.
محمود فعلًا رجع من نص الطريق الصبح عشان ياخد حاجة…
لكن لما كلمته بعد الظهر كان بيستخدم رقم الشركة.
شريف قال ببطء:
— مين كان في البيت؟
ما رديتش.
لأني كنت في الحضانة.
والأطفال في المدرسة والحضانة.
وشريف كان خارج مصر.
الشخص الوحيد اللي كان معاه مفتاح شقتنا…
كان حماتي.
قالت وهي بتتوتر:
— إنتوا بتتهموني إني سرقت ابني؟!
الأستاذ سامح رد:
— أنا ما اتهمتش حد. أنا بقول إن فيه تحويل مالي محتاج تفسير، وفيه عقد توقيعه محل نزاع، وفيه ملف اختفى من بيت محمود واتلاقى مخبي في بيت حضرتك.
حماتي بدأت تصرخ:
— أنا أمه! فلوسه فلوسي!
شريف قال:
— لأ يا أمي.
لأول مرة صوته كان قاسي.
— فلوس محمود مش فلوسك.
بصتله بصدمة.
لكنه كمل:
— وليه حولتي المبلغ أصلًا؟
— قولتلك هو اللي حوله!
الأستاذ سامح قال:
— الموضوع ده هيتراجع رسميًا، وكل طرف ياخد حقه بالقانون.
حماتي سكتت.
وبعدين فجأة ضحكت.
ضحكة غريبة.
قالت:
— ماشي.
وبصتلي.
— خدي الشقة يا سارة.
استغربت.
قالت:
— وخدي العفش… وخدي كل اللي نفسك فيه.
شريف قال:
— إيه اللي غير كلامك فجأة؟
ردت:
— تعبت.
ولفت ناحية الباب.
لكن قبل ما تخرج، وقفت.
بصتلي وقالت:
— بس افتكري إنك إنتِ اللي اخترتي تدخلي المحاكم والمحامين بين العيلة.
قلت:
— أنا ما اخترتش حاجة. أنا كنت بجمع هدوم ولادي من الشارع من ساعتين.
ما ردتش.
خرجت وقفلت الباب.
شريف فضل باصص وراها.
وقال:
— أمي مش بتستسلم بالسهولة دي.
الأستاذ سامح وافقه:
— وأنا كمان شايف كده.
وفجأة…
موبايل شريف رن.
رقم غريب.
رد:
— ألو؟
فضل ساكت.
ملامحه اتغيرت.
— حضرتك مين؟
صوت الراجل كان عالي لدرجة إني سمعته وأنا واقفة جنبه.
قال:
— أنا بتصل بخصوص المرحوم محمود.
شريف قال:
— خير؟
الراجل رد:
— فيه أمانة عندي تخصه… وهو طلب مني أسلمها لمراته لو حصل له حاجة.
بصيت لشريف.
سأله:
— أمانة إيه؟
الراجل سكت لحظة.
وبعدين قال:
— تسجيل من كاميرا العربية بتاعته يوم الحادث.
اتجمدنا كلنا.
شريف قال:
— حادث إيه؟
الراجل رد:
— الحادث اللي مات فيه أخوك.
وبعدين قال جملة خلت الدم يهرب من وشي:
— بس قبل ما تيجوا تاخدوا التسجيل… لازم تعرفوا إن اللي حصل لمحمود ماكانش بالشكل اللي اتقال لكم.
يتبع…
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




