روايات وقصص

وصلت المطار حكايات اسما السيد 3 والاخير

الفصل الرابع

الموبايل كان في إيدي، وصوت مراتي بيترعش في الناحية التانية.

— يوسف اختفى.

حسيت إن كل حاجة جوايا وقفت.

قلت:

— اقفلي الباب وما تخرجيش من الأوضة.

قالت وهي بتعيط:

— ابني مش هنا!

صرخت:

— عارف! بس اسمعيني. ما تنزليش لوحدك. أنا جاي.

قفلت.

بصيت للسواق.

— هنرجع الفندق.

قال:

— والشنطة؟

مسكتها.

— معايا.

نزلنا جري.

طول الطريق، عقلي كان بيضرب في ألف اتجاه.

يوسف.

القصاصة.

اسم أبو مراتي.

الشنطة.

والرسالة:

الشنطة مقابل الطفل.

مين يعرف إننا لقينا الشنطة أصلًا؟

السواق؟

أنا؟

مراتي؟

ولا حد كان بيراقبنا من الأول؟

وصلنا الفندق.

طلعت الأوضة بسرعة.

مراتي أول ما شافتني جريت عليا.

— خدوه.

— مين؟

مدتلي الورقة.

الخط مطبوع.

مفيش توقيع.

“ما تتصلش بالشرطة. الشنطة عندك، والطفل عندنا. الساعة سبعة الصبح هيوصلك المكان.”

بصيت في الساعة.

كان باقي أقل من ساعة.

قلت:

— الكاميرات.

نزلنا للأمن.

راجعنا تسجيلات الفندق.

ظهر راجل لابس كاب وكمامة.

دخل الدور بعد عامل خدمة.

وقف قدام الأوضة.

الغريب إن يوسف فتحله الباب بنفسه.

مراتي شهقت.

قلت:

— ليه يوسف يفتحله؟

قربنا الصورة.

الراجل كان ماسك موبايل.

وأظهر الشاشة ليوسف.

يمكن فيديو.

يمكن صورة.

وبعد ثواني، يوسف خرج معاه.

قالت مراتي:

— ابني عمره ما يخرج مع غريب.

قلت:

— يبقى الراجل ما اتقدمش له كغريب.

السواق فجأة قال:

— استنى.

بصينا له.

قرب من الشاشة.

— رجّع الصورة.

رجعوها.

وقف قدام الشاشة.

وشه اتغير.

قلت:

— تعرفه؟

قال:

— مش من وشه.

أشار لإيده.

— الخاتم.

كان في صباع الراجل خاتم كبير فيه فص أسود.

السواق قال:

— شفته قبل كده.

قلت:

— مع مين؟

قال:

— مدير الأمن القديم بتاع والد ريم.

قلبي دق.

قلت:

— اسمه؟

— منصور.

مسكت الموبايل واتصلت بريم.

ردت بسرعة.

قلت:

— أبوكي فين؟

قالت باستغراب:

— في البيت.

— متأكدة؟

— أيوه.

— خليكي معاه. وما تقوليش له حاجة.

قالت:

— في إيه؟

قلت:

— يوسف اتخطف.

سكتت.

وبعدين قالت:

— إيه؟!

— الراجل اللي أخده غالبًا شغال مع أبوكي.

قالت:

— مستحيل.

قلت:

— ريم، ما عنديش وقت.

سكتت ثواني.

قالت:

— أنا هدور في مكتب بابا.

— ما تعمليش حاجة لوحدك.

قالت:

— لو هو السبب، لازم أعرف.

قبل ما أقفل، قالت:

— استنى.

— إيه؟

— بابا عنده مخزن قديم للشركة على طريق الواحات. منصور كان بيقعد هناك زمان.

سجلت العنوان.

في نفس اللحظة، وصلت رسالة على موبايلي.

لوكيشن.

ومعاه جملة واحدة:

“لو جبت حد معاك، هتشوف ابنك آخر مرة.”

المكان كان قريب من نفس المنطقة.

بصيت للسواق.

قلت:

— هما عايزين الشنطة.

قال:

— ما تروحش لوحدك.

قلت:

— مش هخاطر بابني.

مراتي وقفت قدامي.

— وأنا جاية.

قلت:

— لأ.

— ده ابني.

— وعشان هو ابنك، لازم واحدة فينا تفضل بره الموضوع.

قالت:

— وإنت؟

بصيتلها.

— أنا ضيعت منه تلات سنين. مش هضيعه دقيقة تانية.

أخدت الشنطة.

لكن قبل ما أتحرك، فتحتها مرة أخيرة.

بصيت للقصاصة.

“الراجل اللي رباك مش أبوك البيولوجي.”

وفي الضهر اسم أبو مراتى.

السواق قال:

— سيبها.

قلت:

— ليه؟

— حاجة فيها غلط.

بصيتله.

قال:

— الخط ده مش خط والدك.

— إنت تعرف خطه؟

— أكتر منك يمكن. كنت بستلم منه ورق كل يوم.

مسكت القصاصة.

— يعني مزورة؟

قال:

— غالبًا.

قلت:

— مين حطها؟

قال:

— يمكن اللي جهز الشنطة قبل ما والدتك تطلب مني أرميها.

بدأت أفهم.

الشنطة نفسها يمكن كانت فخ.

الحقيقة مش كلها فيها.

والقصاصة هدفها تشوشني.

أو تخوفني من مراتي.

حطيتها في جيبي.

وقلت:

— مهما حصل، ما حدش يتصرف قبل ما يوسف يبقى معانا.

وصلت المكان قبل سبعة بدقايق.

مخزن قديم.

باب حديد.

دخلت.

صوتي رن في المكان:

— يوسف!

مفيش رد.

مشيت أكتر.

طلع منصور من بين المخازن.

نفس الخاتم.

قال:

— الشنطة.

قلت:

— ابني الأول.

ابتسم.

— لسه بتتفاوض؟

قلت:

— مش هتشوف الشنطة غير لما أشوف يوسف.

صفّر.

باب صغير اتفتح.

طلع راجل تاني ماسك يوسف من إيده.

يوسف أول ما شافني صرخ:

— بابا!

الكلمة قتلتني.

قلت:

— أنا هنا يا حبيبي.

منصور قال:

— ارمي الشنطة.

قلت:

— سيب الولد يمشي ناحيتي.

قال:

— نص الطريق.

قلت:

— تمام.

يوسف اتحرك.

خطوة.

واتنين.

وأنا رميت الشنطة قدامي.

منصور شدها ناحيته.

فتحها بسرعة.

بدأ يقلب الورق.

فجأة وشه اتغير.

قال:

— فين الأصل؟

قلت:

— أصل إيه؟

قرب مني بعصبية.

— ما تستعبطش.

— دي الشنطة اللي طلبتها.

قال:

— ناقص ملف.

قلت:

— أي ملف؟

صرخ:

— ملف الوصية!

وقتها عرفت إننا لسه ما شفناش أهم حاجة.

قلت:

— مفيش وصية.

بصلي.

— أبوك كان أذكى من كده.

وساعتها، من ورايا، سمعت صوت:

— فعلًا.

لفينا كلنا.

كانت ريم.

ومعاها الشرطة.

منصور حاول يجري.

لكن اتقبض عليه.

الراجل التاني ساب يوسف وهرب ناحية الباب الجانبي، لكن اتلحق.

يوسف جري عليا.

حضنته بقوة.

قلت:

— إنت كويس؟

قال وهو بيعيط:

— الراجل قاللي إن ماما وقعت وعايزاني.

حضنته أكتر.

— أنا هنا.

مراتي وصلت بعدها بدقايق.

أول ما شافته حضنته وهي بتبكي.

أما ريم، فكانت واقفة بعيد.

بصيتلها.

قلت:

— الشرطة عرفت إزاي؟

قالت:

— أنا اللي كلمتهم.

— وأبوكي؟

وشها اتكسر.

قالت:

— هرب.

قلت:

— إمتى؟

— أول ما عرف إن منصور اتحرك.

سكتت.

— ولقيت في مكتبه أوراق.

مدتلي فلاشة.

قالت:

— يمكن دي اللي كنت بتدور عليها.

—

الفصل الخامس

رجعنا على قسم الشرطة.

اتعملت أقوال.

يوسف اتكشف عليه.

الحمد لله ماكانش فيه أي أذى.

مراتي ما سابتش إيده ثانية.

وأنا كنت واقف جنبهم.

لأول مرة حاسس إننا تلاتة في صف واحد.

ريم سلمت الفلاشة.

وبعد مراجعتها، لقينا ملفات أكتر مما كنا نتخيل.

عقود.

تحويلات.

مراسلات.

نسخ من أوراق مزورة.

وأخطر حاجة…

تسجيل صوتي.

صوت أبويا.

فتحناه.

جاء صوته متعب.

“أنا بسجل الكلام ده لأن الوضع بقى خطر.”

قلبي وقف.

كمل:

“اكتشفت إن شريكي بيحول مبالغ كبيرة من الشركة، وإن زوجتي ساعدته في تغطية بعض العمليات علشان تحافظ على شكل الشركة قدام السوق.”

غمضت عيني.

صوت أبويا كمل:

“مش عارف هي كانت فاهمة حجم اللي بيحصل ولا لأ في البداية، لكن لما عرفت الحقيقة حاولت توقفه.”

فتحت عيني.

مراتي بصتلي.

التسجيل كمل:

“المشكلة إن الموضوع كبر، وبقى فيه تزوير وتوقيعات باسمي وباسم ابني.”

سكت التسجيل ثانية.

“لو حصل لي حاجة، لازم ابني يعرف إن أمه غلطت، لكن ما كانتش هي اللي بدأت السرقة.”

حسيت صدري اتفتح شوية.

يعني أمي متورطة.

لكن مش بالصورة اللي كنت خايف منها.

صوت أبويا:

“أنا ناوي أنقل أغلب حصتي لابني وأخرج من الشراكة. لو ده ما حصلش، يبقى حد منعني.”

التسجيل وقف.

لكن فيه ملف تاني.

فتحناه.

صوت أمي.

كانت بتعيط.

“أنا قلتلك كفاية. هو عرف كل حاجة.”

صوت والد ريم:

“لو خرج بالملف، إحنا الاتنين هنضيع.”

أمي:

“أنا مش هأذي جوزي.”

هو:

“مش مطلوب منك تأذيه. بس خليه يسكت.”

وبعدين التسجيل وقف.

المحامي قال:

— ده مش دليل كامل على سبب الوفاة، لكنه مهم جدًا.

سألته:

— والسموم؟

قال:

— لازم نراجع التقارير الأصلية.

قلت:

— أنا عايز أعرف أبويا مات إزاي.

قال:

— وهنعرف.

بعد أيام، ظهرت حقيقة الجزء الطبي.

المادة اللي ظهرت في التحليل كانت دواء قلب.

أبويا كان بياخده.

والنسبة اللي في الورقة القديمة كانت غير مكتملة.

مفيش دليل إنه اتسمم.

ومراجعة التقرير الأصلي رجحت إن الوفاة كانت أزمة قلبية فعلًا.

تنفست.

الحقيقة كانت مرة.

لكن على الأقل أمي ماقتلتش أبويا.

فضل سؤال:

ليه أمي خبت كل ده؟

وليه زورت طلاقي؟

واجهتها.

المرة دي في مكتب المحامي.

دخلت وهي مكسورة.

قعدت قدامي.

قلت:

— أنا عرفت إن أبويا مات طبيعي.

دموعها نزلت.

قالت:

— الحمد لله إنك عرفت.

قلت:

— بس ده ما يمسحش اللي عملتيه.

قالت:

— عارفة.

قلت:

— ليه؟

سكتت.

قلت:

— ليه كسرتي بيتي؟

قالت:

— بعد ما أبوك مات، والد ريم كان ماسك عليا كل حاجة.

— إيه كل حاجة؟

— توقيعات عملتها علشان أغطي عجز الشركة.

قالت وهي بتعيط:

— بدأت الموضوع علشان أنقذ الشركة. وبعدين اكتشفت إن فيه سرقة فعلية وأنا بقيت جزء من الورق.

قلت:

— وهو ابتزك.

هزت راسها.

— قال لو بنتك اتجوزت منك، الشركتين هيتدمجوا وهيدفن كل الملفات.

قلت:

— ومراتي؟

قالت:

— كانت أكبر عقبة.

— فزورتِ طلاقنا.

قالت:

— أيوه.

قالتها أخيرًا.

من غير لف.

من غير تبرير.

قلت:

— والرسالة؟

— أنا كتبتها.

قفلت عيني.

رغم إني عارف، سماع الاعتراف وجعني.

قالت:

— كنت فاكرة لو كرهتك، هتمشي.

قلت:

— والطفل؟

سكتت.

— كنتِ عارفة.

قالت:

— أيوه.

قلت:

— وهددتيها بأبوها.

هزت راسها.

قلت:

— كنتِ مستعدة تخليني أعيش عمري كله من غير ابني؟

انفجرت في البكاء.

قالت:

— وقتها كنت غرقانة.

قلت:

— وإحنا اللي دفعنا تمن غرقك.

سكتنا.

بعدين طلعت القصاصة المزورة.

حطيتها قدامها.

— دي منك؟

بصت لها.

وشها اتغير.

قالت:

— لأ.

— متأكدة؟

— عمري ما شفتها.

قلت:

— مكتوب فيها إن أبو مراتي هو أبويا الحقيقي.

رفعت عينها بسرعة.

— ده كذب.

— عارف.

قالت:

— إنت ابن أبوك.

بصتلي.

— وربنا شاهد.

قلت:

— مين كتبها؟

قالت بعد تفكير:

— غالبًا والد ريم.

— ليه؟

— علشان لو الشنطة ظهرت، يضرب آخر علاقة بينك وبين مراتك.

سكتت.

— يخليك تشك إن جوازكم نفسه فيه مصيبة.

والمنطق كان واضح.

الخدعة كانت معمولة علشان تخليني أهرب من الحقيقة.

مش أقرب منها.

قلت:

— والوصية؟

قالت:

— وصية إيه؟

حكيتلها كلام منصور.

وشها شحب.

قالت:

— أبوك فعلًا كتب وصية.

قلبي دق.

— فين؟

قالت:

— كانت في خزنة خاصة.

— رقمها؟

قالت:

— مش فاكرة.

طلعت المفتاح.

رقم 214.

أول ما شافته، عرفت.

قالت:

— ده مفتاح صندوق أمانات.

سألت:

— فين؟

قالت اسم البنك.

وفي اليوم التالي رحنا.

بإجراءات قانونية.

الصندوق اتفتح.

وكان جواه ظرف واحد.

بخط أبويا.

مكتوب عليه اسمي.

فتحته.

لقيت وصية.

لكن مش وصية فلوس بس.

كان فيها خطاب.

“يا ابني، لو الورقة دي وصلتلك بعد موتي، يبقى أنا فشلت أقولك الحقيقة بنفسي.”

كملت وأنا إيدي بتترعش.

“أنا غلطت إني سيبتك بعيد عن شغل الشركة، وفاكر إن كده بحميك.”

“الحقيقة إنك صاحب أكبر حصة بعدي، وأنا نقلتها ليك بطريقة موثقة قبل وفاتي.”

رفعت عيني للمحامي.

قال:

— لو المستندات صحيحة، ده يغير الملكية كلها.

رجعت للخطاب.

“وأي ورقة بتقول إن أمك أو شريكي ليهم حق في حصتك، تجاهلها.”

وفي آخر الخطاب:

“والبنت اللي اخترتها مراتك، ما تسيبش حد يختار لك بدالها. أنا قابلت أبوها، وعرفت إنه راجل شريف.”

وقفت عند الجملة.

مراتي كانت واقفة جنبي.

بصيتلها.

لأول مرة حسيت إن أبويا، حتى بعد موته، رجع يرد على كل اللي حصل.

—

الفصل السادس والأخير

القضية أخدت شهور.

والد ريم اتقبض عليه بعد محاولته السفر.

منصور اعترف إنه خطف يوسف بأمر منه.

وكشف مكان نسخ من أوراق مالية كان مخبيها.

التحقيقات أثبتت وجود اختلاس وتزوير واسع.

أما أمي، فتحملت مسئوليتها في الأوراق اللي مضتها والتزوير اللي شاركت فيه.

ما حاولتش أحميها من القانون.

ولا شمت فيها.

كنت بس واقف بعيد.

لأن فيه حاجات لما تتكسر، ما ينفعش نتصرف كأن كلمة “أمي” لوحدها تصلحها.

ريم خرجت من الموضوع كله.

قابلتني مرة بعد انتهاء التحقيقات الأولية.

قالت:

— أنا مسافرة فترة.

قلت:

— حقك.

قالت:

— كنت فاكرة إن حياتي مترتبة.

ضحكت بمرارة.

— كلنا كنا فاكرين كده.

قالت:

— على الأقل عرفنا الحقيقة قبل ما نظلم ناس أكتر.

قلت:

— إنتِ ما ظلمتيش حد.

قالت:

— بس كنت هتجوز واحد متجوز وأنا مش عارفة.

سكتت.

— الحمد لله إن الموضوع وقف.

مدت إيدها.

سلمنا على بعض.

وانتهت الحكاية بيننا باحترام.

من غير كراهية.

أما أنا ومراتي…

ما رجعناش لبعض لمجرد إن الورق قال إننا لسه متجوزين.

قعدنا قدام بعض ليلة طويلة.

يوسف نايم بينا في الأوضة التانية.

قلت:

— أنا عايزك ترجعي.

سكتت.

قلت:

— بس مش عايزك ترجعي عشان يوسف.

رفعت عينها.

— ولا عشان الورق.

قلت:

— عايزك ترجعي لو لسه فيه حاجة بينا تستاهل نحاول.

قالت:

— أنا بحبك.

قلبي دق.

لكنها كملت:

— بس الحب لوحده ما يكفيش.

هزيت راسي.

— عارف.

قالت:

— أنا عشت تلات سنين وأنا مقتنعة إنك رميتني.

سكتت.

— كل مرة يوسف كان يسألني عنك، كنت بحارب نفسي علشان ما أكرهكش قدامه.

دموعها نزلت.

— وفجأة اكتشفت إنك ما عملتش حاجة.

قلت:

— وأنا عشت تلات سنين فاكر إنك سبتيني.

قلت وأنا ببص لها:

— إحنا الاتنين اتظلمنا.

قالت:

— والظلم بيسيب أثر.

قلت:

— يبقى نعالجه.

ما وعدتهاش إن كل حاجة هتبقى مثالية.

ولا قالتلي إنها نسيت.

بدأنا من جديد.

بهدوء.

أنا أخدت شقة قريبة منها.

وبقيت أشوف يوسف كل يوم.

أول مرة وصلته الحضانة، كان ماسك إيدي طول الطريق.

وقف عند الباب وقال:

— هتيجي تاخدني؟

قلت:

— أيوه.

قال:

— بجد؟

السؤال وجعني.

قعدت قدامه.

— يوسف.

بصلي.

— لما أقولك هاجي، هاجي.

ابتسم.

دخل.

وقفت بره الحضانة وعيطت لوحدي.

مش علشان أول يوم حضانة.

ده كان أول يوم حضانة بالنسبالي أنا.

بعد شهور، بقينا نقعد إحنا التلاتة سوا أكتر.

نخرج.

ناكل.

نتخانق على يوسف ينام إمتى.

نضحك.

مرة يوسف سأل:

— إنتوا متجوزين؟

بصينا لبعض.

قلت:

— أيوه.

قال:

— طب ليه بابا مش بينام هنا؟

مراتي كتمت ضحكتها.

قلت:

— علشان بابا كان عامل مشاكل.

قال يوسف:

— قول آسف.

ضحكنا.

قلت:

— قلت كتير.

قال:

— خلاص نام هنا.

ضحكت.

لكن الكلمة فضلت في بالي.

بعد سنة كاملة من رجوعها…

رجعت البيت.

مش البيت القديم.

بيت جديد.

بيت اخترناه إحنا.

مفيهوش أوضة لأمي.

ولا مكتب لشريك.

ولا صور اجتماعات.

كان فيه إحنا بس.

وعملنا احتفال صغير.

مش فرح.

لأن زواجنا أصلًا ما انتهيش.

جمعنا ناس قليلة.

وأنا قلت لها قدامهم:

— أول مرة اتجوزنا، كنت فاكر إن الحب كفاية.

بصيتلها.

— المرة دي عرفت إن الحب محتاج ثقة وحدود وشجاعة.

ابتسمت.

قلت:

— وأنا بوعدك ما اسمحش لحد يعيش حياتي مكاني تاني.

قالت:

— وأنا بوعدك لو حصل بينا مشكلة، أسألك إنت… مش أصدق ورقة.

ضحكنا.

يوسف جري بينا.

قال:

— وأنا؟

نزلت لمستواه.

— وإنت أهم واحد.

قال:

— أنا عايز وعد.

قلت:

— قول.

قال:

— ماحدش يسافر من غير ما يقول.

سكتنا.

الجملة كانت بريئة.

لكنها شايلة تلات سنين وجع.

حضنته.

قلت:

— وعد.

بعد فترة، سمحت لأمي تشوف يوسف.

بشروط.

وفي وجودنا.

أول مرة دخلت، وقفت بعيد.

يوسف بصلي.

قلت له:

— دي تيتة.

قرب منها.

هي نزلت على ركبتها.

كانت بتعيط.

قالت:

— أنا آسفة يا يوسف.

بص لها باستغراب.

— ليه؟

سكتت.

قلت:

— علشان عملت غلطة كبيرة زمان.

يوسف فكر.

وبعدين قال:

— ما تعمليهاش تاني.

أمي انفجرت في العياط.

وأنا ما قولتش له “خلاص سامحها”.

لأن المسامحة مش أمر.

والعلاقة ما بترجعش بكلمة.

رجعت خطوة خطوة.

أما الشركة…

فأنا بعت جزء كبير من الأسهم.

سددت التزامات.

خرجت من الشراكات القديمة.

وبدأت حاجة أصغر.

أهدى.

باسمي.

أمي قالتلي:

— هتبيع اللي أبوك بناه؟

قلت:

— أبويا ما بنالش شركة بس.

بصيت ليوسف.

— بنالي فرصة إني ماكررش نفس الغلط.

بعد سنتين…

رجعنا المطار.

نفس المطار.

نفس صالة الوصول.

بس المرة دي كنا مسافرين إحنا التلاتة.

يوسف بقى أكبر.

وكان شايل شنطته بنفسه.

وقف قدام البوابة وقال:

— بابا، أسرع.

بصيت للمكان.

نفس المكان اللي شفت فيه مراتي بعد غياب تلات سنين.

ونفس المكان اللي شفت فيه ابني لأول مرة.

مراتي قربت.

قالت:

— سرحت؟

قلت:

— فاكر أول يوم رجعتي.

قالت:

— كنت عايزة أهرب أول ما شوفتك.

ضحكت.

— وأنا كنت عايز أعرف الطفل ده مين.

يوسف لف:

— أنا!

ضحكنا.

قربت منها.

قلت:

— عارفة أكتر حاجة بتوجعني؟

قالت:

— إيه؟

— التلات سنين.

سكتت.

وبعدين قالت:

— وأنا كمان.

مسكت إيدي.

— بس إحنا ماقدرناش نرجعهم.

بصيت ليوسف.

قالت:

— قدرنا بس ما نضيعش اللي بعدهم.

يوسف جري ناحيتنا.

مسك إيدي وإيدها.

وقال:

— يلا بقى.

مشينا.

التلاتة.

الحكاية بدأت بظرف مستخبي في شنطة.

ورقة مزورة.

أم خافت على المال والاسم لدرجة إنها ضيعت بيت ابنها.

راجل سرق شركة وحاول يسرق الحقيقة.

زوجة مشيت وهي فاكرة إن جوزها رفضها.

ورجل عاش تلات سنين فاكر إن مراته خانت الوعد.

لكن في الآخر…

السر ما فضلش مدفون.

والطفل اللي كان مجرد وش صغير شوفته في صالة المطار…

بقى هو السبب إننا نفتش ورا كل كذبة.

وإننا نعرف إن أخطر حاجة مش إن الناس تكذب عليك.

أخطر حاجة…

إنك تسيب حد ياخد قرار حياتك مكانك.

بصيت ليوسف وهو بيجري قدامنا.

وناديت:

— استنى يا ابني!

لف.

ابتسم.

نفس عيني.

نفس الغمازة.

وقال:

— بسرعة يا بابا!

المرة دي، ما وقفتش أتفرج عليه من بعيد.

جريت وراه.

لأن تلات سنين كانوا ضاعوا فعلًا…

لكن العمر اللي باقي…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى