بعد سنوات من الغربه حكايات اسما السيد

رجعت من غير ما أقول لحد بعد أربع سنين شغل في الخليج… أول ما دخلت البيت لقيت مراتي حالقة شعرها على الزيرو، جسمها بقى جلد على عضم، وبتلم بقايا الأكل من طبق مكسور. أمي قالت إنها تستاهل اللي حصل لها. أنا ما صرختش… قلت لهم إني راجع بتعويض بالملايين، وسيبت طمعهم هو اللي يوقعهم في الفخ.
— خبّوا البت دي بسرعة! عندنا ضيوف!
كان ده أول صوت سمعته من أختي منى قبل حتى ما أدخل البيت.
في الحوش، جنب الحنفية، كانت ست راكعة على الأرض، بتلم رز ناشف، وحتت عيش يابسة، وشظايا طبق مكسور بإيديها العارية.
شعرها محلوق بالكامل.
وشها أصفر، وخدودها غايرة.
ودراعاتها رفيعة لدرجة إن الغوايش كانت بتتزحلق على معصمها.
جنبها جردل مية ريحته كلور.
فضلت أبص لها كام ثانية…
لحد ما قلبي وقع.
دي سلمى…
مراتي.
الست اللي من أربع سنين ودعتني في مطار القاهرة، وهي بتعيط، وقالت إنها هتستنانى مهما بعدت المسافات.
— لمي كل حتة كويس… صوت أمي، الحاجة فاطمة، طلع من الصالة.
— لو حد اتعور من الزجاج… هخصمه من أكلك.
سلمى رفعت وشها.
أول ما شافتني…
اتجمدت مكانها.
قطعة الطبق اللي كانت في إيدها جرحت كفها، والدم نزل، لكنها حتى ما اتأوهتش.
— سيف… همست بصوت مكسور.
الشنطة وقعت من إيدي.
كنت عايز أجري عليها…
وأحاسب كل واحد في البيت ده على اللي عمله فيها.
لكنها هزت راسها بهدوء.
وشفايفها قالت من غير صوت:
“ما تعملش مشكلة.”
في اللحظة دي خرجت أمي.
لابسة عباية جديدة، ودهب في ودانها، وصابغة شعرها.
وراها أختي منى، وأخويا حسام، وكل واحد فيهم ماسك كباية عصير.
أول ما شافوني…
وشوشهم اصفرّت.
— يا ابني… إيه اللي جابك من غير ما تقول؟
قلت بابتسامة هادية:
— حبيت أعملكم مفاجأة.
بصيت لسلمى تاني.
منى وقفت قدامها بسرعة كأنها بتحاول تخبيها.
— ما تفهمش غلط يا سيف… هي اللي عملت في نفسها كده. من يوم ما سافرت وهي بقت قليلة الأدب.
— قليلة الأدب؟
قال حسام:
— سرقت فلوس… وكانت عايزة تهرب مع واحد.
أمي تنهدت وهي عاملة نفسها زعلانة.
— إحنا اعتبرناها بنتنا… لكنها ما قدرتش المعروف. حتى شعرها هي اللي حلقته بإيدها، وقالت ده عقاب ليها.
سلمى نزلت عينيها.
ولفت نظري خيط أسود حوالين رقبتها.
كان متربط فيه…
دبلة جوازنا.
ما باعتهاش…
ولا خلعتها.
كانت مخبياها.
قربت منها…
لكن أمي شدتني من دراعي.
— ما تلمسهاش… بقالها أيام ما استحمتش.
سلمى بصت لي.
ما كانش في عينيها كسرة.
كان فيه خوف…
بس مش مني.
خوف إني أسأل السؤال الغلط قدامهم.
أخدت نفس طويل…
وابتسمت.
— معاكي حق يا أمي.
في اللحظة دي…
وشوشهم ارتاحت.
قلت:
— السفر كان مرهق… خلونا نقعد. عندي خبر مهم لازم تعرفوه.
دخلنا الصالة.
وسلمى فضلت برا…
راكعة وسط بقايا الأكل.
السفرة كانت مليانة…
فراخ مشوية…
محشي…
سلطة…
وأكل يكفي عشر أفراد.
أما هي…
فكان نصيبها الفضلات.
قعدت على الكنبة اللي كان أبويا الله يرحمه بيقعد عليها يتفرج على الماتشات.
صورته لسه معلقة على الحيطة، وعليها شريط أسود.
أمي قالت إنه مات من سنتين بأزمة قلبية.
ولما طلبت أنزل أحضر الجنازة…
قالت إنهم دفنوه خلاص.
منى قفلت الشباك.
وقالت وهي بتضحك:
— ها يا سيف… طردوك من الشغل؟
ابتسمت.
وأخرجت ظرف سميك من الجاكيت.
حسام ثبت عينه عليه.
قلت:
— اتصبت في الشغل… والشركة خافت من القضية، فدفعوا لي تعويض.
أمي قربت مني بسرعة.
— قد إيه؟
سيبتهم ثواني في صمت…
وبعدين قلت بهدوء:
— اثنين وأربعين مليون جنيه.
الكوباية وقعت من إيد منى.
حسام قام واقف.
وأمي حطت إيدها على قلبها.
— اتنين وأربعين… مليون؟!
هزيت راسي.
— أول دفعة هتنزل يوم الاتنين.
في ثانية…
كل حاجة اتغيرت.
أمي عيطت من الفرحة.
منى حضنتني.
حسام جري يطلع العصاير اللي كانوا مخبيينها.
— الليلة دي لازم نحتفل!
أمي مسكت إيدي وقالت:
— كنت عارفة إن ربنا هيكرمنا على إيدك يا ابني.
بصيت ناحية الحوش.
سلمى…
لسه قاعدة على الأرض.
قلت بهدوء:
— عايز سلمى تاكل معانا على السفرة.
الصمت ملأ المكان.
أمي قالت بسرعة:
— إنت ما تعرفش هي عملت إيه.
ابتسمت.
وقلت:
— أنا معايا اتنين وأربعين مليون… ولازم أعرف مين اللي وقف جنبي وأنا بعيد.
منى كانت أول واحدة اتحركت.
جريت على الحوش.
— يا سلمى! إيه اللي مقعدك هنا؟ ده بيتك… تعالي اقعدي معانا.
حسام شال منها الجردل.
وأمي دخلت سخنت لها الأكل، وملت لها الطبق لآخره.
من خمس دقايق…
كانوا بيحسبوا عليها لقمة العيش.
ودلوقتي…
بيتسابقوا يخدموها.
قعدت سلمى قدامي.
لكنها…
ما كلتش ولا لقمة.
إيديها كانت بتترعش تحت الترابيزة.
بصيت لهم كلهم…
وقلت بهدوء:
— وعندي خبر تاني… بكرة المحامي بتاعي جاي. لازم أحدد مين اللي هيرث الفلوس دي لو حصلي أي حاجة.
المعلقة وقعت من إيد أمي.
— بعد الشر عليك يا ابني.
قلت:
— بعد الحادثة… الدكتور قال إن عندي مشكلة في القلب. ممكن أعيش سنين… وممكن أنام الليلة وما أصحاش.
كانت كذبة…
لكنها كانت الكذبة اللي هتكشف حقيقة كل واحد في البيت.
منى حطت إيدها على كتفي…”الحكاية لم تنتهِ بعد…”
📖 رابط القصة الكاملة في أول تعليق.
✍️ الكاتبة أسما السيد @أبرز المعجبين
الفصل الثاني
الطُعم
منى حطت إيدها على كتفي بسرعة وقالت:




