اختي الثالث حكايات اسما السيد

أختنا التالتة وإحنا عندنا 11 سنة بس — لكن يوم عيد ميلادنا الـ21، وصلنا صندوق منها
كان فيه وقت كنا فيه تلاتة: أنا، وليلى، ونورا.
بعد ما نورا ، الناس بقوا دايمًا يقولوا عليّا أنا وليلى إننا توأم.
يمكن كان أسهل بالنسبة لهم يقولوا كده بدل ما يقولوا: “الأختين اللي لسه عايشين”، ويمكن كمان علشان ما يضطروش يشوفوا الوجع في عيون أمي كل مرة حد يسألها عن أختنا التالتة اللي مش موجودة.
لكن أنا وليلى عمرنا ما حسينا إننا توأم.
إحنا كنا حاسين إننا جزئين ناقصين من حاجة كانت كاملة في يوم من الأيام.
نورا كانت أكبر واحدة فينا… بسبع دقايق بس.
ومع ذلك، كانت بتتصرف كأن السبع دقايق دول حمّلوها مسؤولية الدنيا كلها.
كانت دايمًا اللي بتدخل تحل خناقاتنا وإحنا صغيرين، اللي وقتها كنا فاكرين إنها نهاية العالم، قبل ما نكبر ونعرف قد إيه كنا هنوحش صوتها وهي بتحاول تصلح بينا.
نورا كانت زي النور فعلًا.
وجودها كان بيهدي أي حد حواليها.
كانت تربطلنا جزمنا، وتسيب الحلوى الحمرا مخصوص لليلى لأنها بتحبها، ولو حصلت مشكلة بينا، كانت هي اللي تقف في النص وتواجهها، كأن حماية أختيها مسؤوليتها لوحدها.
وبعدين… نورا تعبت.
في الأول، الكبار كانوا بيتكلموا بالهمس.
كانوا فاكرين إنهم كده بيحمونا من الحقيقة.
لكن نورا كانت فاهمة.
رغم إنها كانت طفلة صغيرة، جسمها بقى ضعيف وسط ملايات المستشفى، ورسغ إيديها بقى رفيع لدرجة إن أمي كانت تستخبى علشان تعيط لما تبص له…
إلا إن نورا كان عندها إدراك غري جدًا لفكرة الوداع.
بعد ما ماتت، أعياد ميلادنا بقت غريبة.
البالونات كانت لسه بتتعلق.
والتورتة كانت لسه بتيجي.
والشمع كان لسه بيتحط.
لكن كان فيه كرسي فاضي… وفضل فاضي كل سنة.
كل عيد ميلاد، أنا وليلى كنا نقعد جنب بعض ونعمل نفسنا مش واخدين بالنا من مكان نورا الفاضي.
كنا بنطفي شمع اتنين…
لكن جوا قلبنا، كان دايمًا فيه شمعة تالتة.
ولما وصلنا لسن 21 سنة، كنت فاكرة إني خلاص اتعودت على الفراغ ده.
لكن الحقيقة؟
أنا ما اتعودتش أبدًا.
صباح عيد ميلادنا الـ21، أمي دخلت علينا وهي شايلة صندوق خشب صغير.
أول ما بصيت في وشها، حسيت كأنها كبرت سنين في ليلة واحدة.
ليلى بصت لها باستغراب وقالت:
— ماما؟ إيه الصندوق ده؟
أمي ما ردتش على طول.
عينيها كانت مليانة دموع.
قربت من ترابيزة عيد الميلاد، وحطت الصندوق قدامنا.
وفوقه كان فيه ظرف ورقه مصفر من الزمن.
لكن اللي خلاني أتجمد مكاني…
كان الخط المكتوب عليه.
أنا عرفت الخط ده.
كان خط نورا.
وعلى الظرف مكتوب:
“يتفتح في عيد ميلادنا الـ21.”
نفسي اتحبس.
الشوكة وقعت من إيد ليلى وخبطت في الطبق بصوت رن في الأوضة كلها.
بصت للصندوق وهمست:
— لا…
أمي رفعت إيدها على بقها، وكانت بتترعش.
وبصوت مكسور قالت:
— نورا عملت الصندوق ده قبل ما .
بصيت لها وأنا مش قادرة أنطق.
كملت وهي بتحاول تتمالك نفسها:
— كانت عارفة إنها مريضة… وكانت عايزاكم تاخدوا الحاجة دي لما تتموا 21 سنة.
الدنيا قدامي بدأت تتشوش من الدموع.
أمي عيطت وقالت:
— كانت صغيرة أوي… لكن كانت دايمًا تقولي: “هما هيحتاجوني حتى لما يكبروا.”
وبعدين بصت للصندوق وقالت:
— أنا عمري ما فتحته. ولا مرة واحدة.
إيد ليلى اتحركت تحت الترابيزة ومسكت إيدي.
وأنا مسكت إيدها بقوة.
ولأول مرة من وقت طويل…
ولا واحدة فينا سابت إيد التانية.
فضلت باصة للصندوق.
كان عندي إحساس غريب، كأنه مش مجرد صندوق خشب ساكت قدامي.
كأن جواه جزء من نورا كان مستنينا عشر سنين كاملة.
ويمكن…
لو فتحناه، نسمع صوتها تاني بطريقة ما.
مديت إيدي وأنا بترعش.
رفعت غطا الصندوق ببطء…
وأول ما شفت اللي جواه…
شهقت من الصدمة.سيبوا لايك وكومنت واكتبولي توقعاتكم إيه هو السر، وهرد عليكم في التعليقات @أبرز المعجبين
الفصل الثاني — أول رسالة من نورا
شهقت من الصدمة.
وللحظة…
ما قدرتش أمد إيدي جوه الصندوق.
ليلى كانت لازقة في كتفي، وإيديها ساقعة بشكل غريب وهي ماسكة دراعي.
أما أمي، فكانت واقفة بعيد عننا خطوتين، حاطة إيدها على بقها وبتعيط في صمت.
جوه الصندوق كان فيه حاجات بسيطة جدًا.
مش دهب.
مش فلوس.
ولا حتى سر مخيف زي ما عقلي حاول يتخيل في اللحظة دي.
كان فيه 3 أظرف مربوطين بشريط أبيض قديم.
وفوقهم صورة لينا إحنا التلاتة.
أنا وليلى ونورا.
كان عندنا يمكن 9 سنين وقتها.
لابسين نفس الفستان، لكن كل واحدة بلون مختلف.
نورا واقفة في النص، حاطة دراع على كتفي ودراع على كتف ليلى، وبتضحك للكاميرا.
قلبت الصورة.
ولقيت بخطها الصغير مكتوب:
“علشان لو نسيتوا شكلنا وإحنا كاملين.”
انهارت ليلى.
غطت وشها بإيديها وبدأت تعيط بصوت عالي.
— ليه كتبت كده؟! هي كانت عندها 11 سنة يا مريم… إزاي طفلة عندها 11 سنة تفكر بالطريقة دي؟
ما عرفتش أرد.
لأن السؤال نفسه كان بيقطعني من جوه.
بصيت للأظرف.
الأول مكتوب عليه:
“لمريم.”
والتاني:
“لليلى.”
أما التالت…
فكان مكتوب عليه:
“لماما… بعد ما البنات يقروا رسايلهم.”
رفعت عيني ناحية أمي.
لقيت لون وشها اتغير.
— ماما؟
هزت راسها بسرعة.
— اقروهم الأول.
ليلى مدت إيدها ناحية ظرفها.
لكن أمي قالت فجأة:
— استنوا.
وقفنا.
قربت أمي من الصندوق، ورفعت الصورة.
وتحتها ظهر شيء ما كناش شايفينه.
مفتاح صغير.
مفتاح معدن قديم مربوط بخيط أحمر.
وتحته ورقة مطوية.
فتحتها.
وكان مكتوب فيها:
“المفتاح ده مش دلوقتي.”
وبس.
ليلى بصتلي.
— مفتاح إيه؟
هزيت راسي.
— معرفش.
أمي كمان كانت باصة له باستغراب حقيقي.
أو على الأقل…
ده اللي أنا افتكرته وقتها.
حطيت المفتاح مكانه، ومديت إيدي للظرف اللي عليه اسمي.
كان مقفول من عشر سنين.
عشر سنين كاملة ورسالة أختي جواه مستنياني.
فتحت الظرف بحذر شديد.
الورقة كانت صغيرة، والخط مهزوز في أماكن كتير.
بدأت أقرأ.
“مريم…”
وقفت.
مجرد ما شفت اسمي بخطها، حسيت إني مش قادرة أكمل.
ليلى قربت مني.
— اقري.
بلعت ريقي وكملت.
“مريم، لو إنتِ بتقري الرسالة دي يبقى بقينا عندنا 21 سنة. عارفة إنك هتقولي إني لسه أكبر منك بسبع دقايق حتى وأنا مش موجودة.”
ضحكت.
والضحكة خرجت وسط العياط.
لأنها فعلًا كانت بتقول كده طول الوقت.
كل ما نتخانق كانت تقول:
— احترموني، أنا الكبيرة.
سبع دقايق.
بس كانت بتعاملهم كأنهم سبع سنين.
كملت القراءة.
“أنا عايزاكي تعرفي حاجة. متفضليش طول عمرك قوية علشان ليلى وماما. إنتِ لما بتخافي بتعملي نفسك مش خايفة، وأنا عارفة ده.”
وقفت تاني.
ليلى بصتلي.
وأنا بصيت للأرض.
لأن نورا…
وهي عندها 11 سنة…
كانت عارفاني أكتر من ناس عاشوا معايا بعد كده سنين.
كملت.
“وعايزاكي تبطلي تلومي نفسك.”
عيني ثبتت على الجملة.
إيدي بدأت ترتعش.
ليلى سألتني:
— مالك؟
ما رديتش.
قرأت الجملة اللي بعدها.
“اللي حصل يوم المستشفى مش ذنبك.”
حسيت الدم اتسحب من وشي.
ليلى خطفت الورقة تقريبًا من إيدي.
— يوم المستشفى؟ يوم إيه؟
أمي اتحركت فجأة.
— مريم…
بصيت لها.
كان فيه شيء في صوتها خوّفني.
ذكرى قديمة جدًا بدأت تتحرك جوا دماغي.
ممر أبيض.
ريحة مطهر.
نورا نايمة على السرير.
وأنا واقفة جنب الباب وبعيط.
كنت فاكرة إني نسيت اليوم ده.
لكن واضح إني ما نسيتش.
أنا بس…
دفنته.
خدت الرسالة من ليلى وكملت.
“أنا عارفة إنك فاكرة إنك السبب علشان إنتِ اللي طلبتي مني أقوم من السرير يومها.”
دموعي نزلت.
ليلى حطت إيدها على بوقها.
أمي قعدت على الكرسي.
وأنا فجأة رجعت بنت عندها 11 سنة.
كنت دخلت لنورا المستشفى ومعايا إسورة خرز عملتها لها.
وقلت لها:
— قومي بس خطوتين علشان ألبسهالك قدام الشباك ونصورها.
نورا قامت.
وبعد خطوتين وقعت.
الدكاترة دخلوا يجروا.
وأمي خرجتني بره الأوضة.
وبعدها بأيام قليلة…
نورا ماتت.
طول عشر سنين كنت عارفة بالعقل إن مرضها هو السبب.
لكن جوايا؟
كان فيه صوت بيقول:
إنتِ اللي خليتيها تقوم.
كملت الرسالة وأنا مش شايفة الورقة من الدموع.
“أنا وقعت علشان كنت تعبانة، مش علشان إنتِ خليتيني أقوم. ولو رجع بيا الوقت كنت هقوم برضه، علشان الإسورة كانت وحشة جدًا وكنت عايزة أشوف إنتِ تعبتي نفسك فيها ليه.”
ضحكت وأنا بعيط.
ليلى ضحكت هي كمان.
حتى أمي خرج منها صوت ضحكة صغيرة وسط دموعها.
دي كانت نورا.
حتى وهي بتودعنا…
لازم ترخم عليا.
لكن آخر سطر في الرسالة هو اللي غير كل حاجة.
“مريم… بعد ما ليلى تقرأ رسالتها، خلي ماما تقرأ رسالتها بصوت عالي. ومهما قالت لكم بعدها، متزعلوش منها.”
رفعت عيني ناحية أمي.
كانت بتعيط.
لكن المرة دي…
كان في عينيها شيء تاني غير الحزن.
كان فيه خوف.
ليلى فتحت ظرفها بسرعة.
— دوري.
بدأت تقرأ بصوت مسموع:
“ليلى، يا بتاعة الحلوى الحمرا…”
ليلى شهقت وضحكت.
وكملت.
“أنا عارفة إنك أكتر واحدة فينا بتخاف من إن الناس تمشي وتسيبها. علشان كده عايزاكي تعرفي إني ما سبتكيش بإرادتي.”
صوت ليلى اتكسر.
“وعايزاكي متزعليش من ماما لما تعرفي الحقيقة.”
رفعت ليلى رأسها فجأة.
وبصينا إحنا الاتنين لأمي.
— حقيقة إيه؟
أمي ما ردتش.
ليلى كملت بسرعة.
“ماما عملت اللي طلبته منها بالحرف. حتى لو فضلتوا عشر سنين فاكرين إنها نسيت.”
قلبي بدأ يدق أسرع.
إيه اللي طلبته نورا من أمي؟
وصلت ليلى لآخر الرسالة.
وسكتت.
— كملي.
قالت بصوت شبه الهمس:
— مريم…
— كملي يا ليلى.
رفعت الورقة وبصتلي.
— آخر جملة بتقول…
وأخذت نفسًا طويلًا.
“المفتاح الأحمر بتاع المكان اللي خبينا فيه الحاجة الرابعة… وماما عارفة المكان.”
لفينا إحنا الاتنين ناحية أمي.
أمي كانت منهارة.
قلت:
— أنهي مكان يا ماما؟
مسحت دموعها.
وسكتت ثواني طويلة.
وبعدين قالت:
— كنت بتمنى اليوم ده ما يجيش.
ليلى وقفت.
— ماما، نورا سايبة لنا إيه؟
أمي بصت للمفتاح الصغير.
وقالت:
— مش سايبة لكم حاجة.
سكتت.
ثم أضافت:
— سايبة لكم حد.
أنا وليلى اتجمدنا.
— حد؟!
أمي قامت ببطء.
دخلت .
ورجعت بعد دقيقة وهي شايلة ظرف بني كبير، شكله قديم جدًا.
حطته قدامنا.
وقالت:
— قبل ما نورا تموت بأسبوع، خلتني أوعدها إني لما تتموا 21 سنة أديكم الصندوق… وبعده الظرف ده.
مديت إيدي ناحيته.
لكن أمي مسكته.
— قبل ما تفتحوه، لازم تعرفوا إني كنت بحاول أحميكم.
قلت بعصبية:
— من مين؟
أمي بصتلي.
ثم بصت لليلى.
وقالت جملة مستحيل أنساها طول عمري:
— من أبوكم.
ليلى رجعت خطوة.
— بابا مات وإحنا عندنا 6 سنين.
أمي أغمضت عينيها.
— ده اللي أنا قلتلكم عليه.
الصمت نزل على الأوضة كأنه حجر.
قلت:
— يعني إيه؟
أمي مدتلي الظرف.
فتحته.
وكان جواه صورة لرجل واقف أمام مستشفى.
الصورة متاخدة من بعيد.
لكن ملامحه واضحة.
قلبت الصورة.
وعلى ظهرها…
كان خط نورا.
وجملة واحدة:
“أنا شفت بابا.”
وتحتها تاريخ.
بصيت للتاريخ.
وقلبي وقف.
الصورة اتصورت قبل وفاة نورا بـ 3 أيام فقط.
رفعت رأسي لأمي.
— ماما…
لكن أمي كانت بتعيط.
قلت وأنا حاسة إن صوتي مش صوتي:
— أبونا كان عايش وقت ما نورا ماتت؟
أمي ما ردتش.
وسكوتها…
كان هو الإجابة.
يتبع…
فضلت باصة لأمي.
مستنية منها تقول إن فيه سوء تفاهم.
إن الصورة قديمة.
إن نورا لخبطت.
أي حاجة…
غير الحقيقة اللي كانت واقفة قدامنا.
ليلى كانت أول واحدة اتكلمت.
— ماما… إحنا سألناكي عنه ميت مرة.
أمي غمضت عينيها.
— عارفة.
— وكل مرة كنتِ بتقولي إن بابا مات!
— عارفة يا ليلى.
صوت ليلى علي:
— أومال إيه؟! مات ورجع عاش؟!
— ليلى…
— لأ! متقوليش اسمي بالطريقة دي! أنا عندي واحد وعشرين سنة وعشت خمستاشر سنة بترحم على راجل طلع عايش؟!
أمي انهارت على الكرسي.
أما أنا، فكنت أهدى بشكل خوّفني أنا شخصيًا.
حطيت الصورة قدامها.
— احكيلنا من الأول.
أمي رفعت عينيها ليا.
— أبوكم ما ماتش.
قالتها.
بوضوح.
لأول مرة.
— أنا اللي قلت لكم إنه مات.
ليلى شهقت.
وأنا سألت:
— ليه؟
مسحت أمي دموعها.
— لأن الحقيقة وقتها كانت أكبر منكم.
سكتت شوية وبعدين قالت:
— أبوكم سابنا وإنتوا عندكم ست سنين.
— سابنا ليه؟
— علشان اتجوز.
ليلى ضحكت ضحكة كلها وجع.
— بس؟
أمي هزت راسها.
— مش بس.
وبعدين بصت لنا وقالت:
— قبل ما يمشي، حصلت بينا مشاكل كبيرة جدًا. ولما عرف إني مصممة أخدكم وأبعد، هددني إنه ياخدكم مني. وأنا خفت.
— فقولتيلنا إنه مات؟
— في الأول قلت إنه سافر.
مسحت دموعها.
— لكنكم كنتوا كل يوم تسألوا: بابا راجع إمتى؟ ليه مش بيكلمنا؟ هو مش بيحبنا؟
صوتها اتكسر.
— وبعد فترة وصلتني أخبار إنه بدأ حياة جديدة، ومش عايز أي حاجة تربطه بالماضي. وقتها عملت أغبى حاجة في حياتي… قلت لكم إنه مات.
ليلى بعدت عنها.
— أغبى حاجة؟ إنتِ دفنتي أبونا وهو عايش!
أمي نزلت راسها.
— عارفة.
أنا كنت لسه مركزة في حاجة واحدة.
— طيب نورا عرفته إزاي؟
هنا…
أمي سكتت.
بصيت للصورة تاني.
— الصورة قدام المستشفى.
رفعت عيني.
— كان بيعمل إيه هناك؟
أمي بدأت تعيط من جديد.
— أنا اللي كلمته.
ليلى اتجمدت.
— إيه؟
— لما حالة نورا ساءت، الدكاترة قالوا إن الوقت ممكن يكون قليل. حاولت أستحمل لوحدي… معرفتش.
صوت أمي اختنق.
— كلمته وقلت له: بنتك بتموت.
سألتها:
— وجه؟
— جه.
الكلمة وجعتني أكتر مما توقعت.
— شافها؟
أمي هزت راسها.
— لأ.
— ليه؟
— هو وقف قدام المستشفى فترة طويلة… لكنه ما دخلش.
ليلى قالت بذهول:
— بنته عندها 11 سنة بتموت وهو واقف بره؟!
أمي بكت.
— قال إنه مش قادر يواجهكم. وإن ظهوره بعد السنين دي هيعمل مشاكل أكتر.
أنا ضربت بإيدي على الترابيزة.
— مشاكل أكتر من إن بنته وهي فاكرة أبوها ؟!
أمي ما ردتش.
لكن سؤالًا واحدًا كان لسه موجود.
— أومال نورا شافته إزاي؟
أمي بصت للصورة.
— من الشباك.
سكتنا.
— أوضتها كانت في الدور التاني. وهي شافته وهو واقف عند عربيته. معرفش إزاي عرفته… يمكن من الصور القديمة اللي كنت مخبياها.
وفجأة فهمت.
نورا كانت طول عمرها بتلاحظ كل حاجة.
قالت أمي:
— سألتني: “ده بابا؟”
حطت إيدها على .
— حاولت أكذب… لكن نورا بصتلي وقالت: “ماما، أنا تعبانة… متكدبيش عليا.”
دموعي نزلت.
قدرت أتخيلها.
جسم صغير وسط سرير كبير…
لكن عينيها فاهمة كل حاجة.
— قولتلها الحقيقة.
ليلى همست:
— وزعلت؟
أمي ابتسمت وسط دموعها.
— أول حاجة قالتها كانت: “مريم وليلى يعرفوا؟”
طبعًا.
حتى وهي …
كانت بتفكر فينا.
— قلتلها لأ.
— قالتلك تقولي لنا؟
أمي هزت راسها.
— قالت العكس.
اتصدمت.
— إيه؟
— قالت: “متقوليلهمش دلوقتي.”
أمي قامت وراحت ناحية الصندوق.
طلعت الرسالة التالتة.
اللي مكتوب عليها:
“لماما… بعد ما البنات يقروا رسايلهم.”
— نورا كتبتلي الرسالة دي، وخلتني أوعدها إني ما أفتحهاش غير النهارده.
فتحت أمي الظرف.
إيديها كانت بترتعش.
بدأت تقرأ:
“ماما، أنا مش زعلانة منك.”
انهارت أمي من أول سطر.
لكنها كملت.
“أنا عارفة إنك كدبتي علينا علشان كنتي خايفة. بس الكدبة لما تكبر بتوجع أكتر من الحقيقة.”
ليلى قعدت.
وأنا مسكت إيدها.
“متقوليش لمريم وليلى دلوقتي. هما صغيرين، وأنا عارفة إن مريم هتحاول تدور عليه، وليلى هتفضل مستنياه يرجع. خليهم يكبروا الأول.”
بصيت لليلى.
كانت بتعيط في صمت.
“ولما يبقوا 21 سنة، اديهم المفتاح.”
أمي وقفت عن القراءة.
قلت:
— مفتاح إيه؟
بصت للصندوق.
خدت المفتاح المربوط بالخيط الأحمر.
— تعالوا.
خرجنا من البيت.
ركبنا العربية.
وطول الطريق، محدش فينا نطق.
بعد حوالي نص ساعة، وقفنا قدام بيت صغير قديم في منطقة هادية.
عرفته فورًا.
بيت جدتنا.
أم أبويا.
البيت كان مقفول من سنين.
أمي فتحت الباب الكبير بمفتاح كان معاها.
دخلنا.
ريحة التراب والبيوت المقفولة في وشي.
مشينا لحد صغيرة في آخر البيت.
وفيها دولاب خشب قديم.
أمي شاورِت على درج صغير تحت الدولاب.
— نورا كانت بتحب تلعب هنا لما كانت صغيرة.
جربت المفتاح الأحمر.
دخل.
لفيته.
تك.
الدرج اتفتح.
كان جواه صندوق صفيح صغير.
فتحناه.
ولقيت عشرات الصور.
أنا.
ليلى.
نورا.
صور لينا من أول يوم اتولدنا فيه.
وتحت الصور…
كان فيه جواب.
لكن مش بخط نورا.
كان بخط راجل.
وعليه:
“لبناتي الثلاثة.”
ليلى بصتلي.
— ده منه؟
أمي قالت:
— أيوه.
فتحت الجواب.
كان طويل.
اعتذارات.
تبريرات.
كلام عن الخوف والندم.
وإنه وقف قدام المستشفى ساعات لكنه ما قدرش يدخل.
وإنه شاف نورا من الشباك.
وإنه عارف إنه ما يستحقش السماح.
وفي الآخر كتب:
“لو في يوم حبيتوا تعرفوا أنا فين، والدتكم معاها عنواني. ولو ما حبيتوش، ده حقكم.”
ليلى بصت لأمي فورًا.
— معاكي عنوانه؟
أمي هزت راسها.
— كان معايا.
قلبي دق.
— كان؟
— من سنتين.
سكتنا.
المرة دي…
فعلًا.
ليلى غطت وشها.
أما أنا، فالغريب إني ما عيطتش.
حسيت بحزن…
لكن مش حزن بنت فقدت أبوها.
أنا فقدته من زمان.
الحقيقة بس وصلت متأخرة.
فضلنا نفتش الصندوق.
وفي القاع كان فيه ظرف أخير صغير.
بخط نورا.
وعليه:
“آخر واحدة… تتقري وإنتوا التلاتة مع بعض.”
بصينا لبعض.
إحنا التلاتة؟
أنا.
ليلى.
ماما.
فتحته.
وقرأت:
“لو وصلتوا هنا، أكيد عيطتوا كتير. وأنا عارفاكم، فبلاش تمثلوا.”
ضحكنا وسط دموعنا.
“أنا مش عايزاكم تفضلوا زعلانين من ماما. هي غلطت، بس كانت خايفة علينا.”
أمي شهقت وهي بتعيط.
“ومش عايزاكم تكرهوا بابا علشاني. أنا زعلت إنه ما دخلش يشوفني، بس ساعات الكبار بيبقوا جبناء أكتر من الأطفال.”
وقفت لحظة.
دي كانت جملة نورا فعلًا.
طفلة…
لكنها كانت شايفة الدنيا أوضح مننا كلنا.
كملت.
“وعندي طلب أخير.”
“لما تتموا 21، اعملوا عيد ميلاد بجد.”
ليلى مسحت دموعها.
“حطوا 3 شمعات زيادة عن اللي محتاجينها.”
ابتسمت.
“واحدة لمريم.”
“واحدة لليلى.”
“وواحدة ليا.”
صوتي بدأ ينهار.
“بس المرة دي متسيبوش كرسي فاضي.”
ما قدرتش أكمل.
ليلى خدت الورقة مني.
وقرأت آخر سطر:
“أنا مش الكرسي الفاضي… أنا الحكايات اللي بينكم.”
وسكتنا.
بعد ساعات رجعنا البيت.
التورتة كانت لسه مكانها.
والبالونات لسه معلقة.
أمي كانت هتشيل الكرسي التالت زي كل سنة.
لكن ليلى وقفتها.
— سيبيه.
بصيت لها.
قالت وهي بتبتسم وسط دموعها:
— بس مش فاضي المرة دي.
جبت صورة نورا وحطيتها عليه.
ولعنا الشمع.
واحد وعشرين شمعة ليا.
واحد وعشرين لليلى.
وشمعة صغيرة في النص لنورا.
أمي قالت:
— تمنوا أمنية.
قفلت عيني.
ولأول مرة من عشر سنين…
ما تمنيتش إن نورا ترجع.
لأني أخيرًا فهمت حاجة.
إحنا قضينا سنين بنعامل موتها كأنه اللحظة اللي بقينا فيها اتنين.
لكن نورا نفسها…
رفضت ده.
حتى وهي عندها 11 سنة، رتبت صندوقًا ورسائل ومفتاحًا، علشان بعد عشر سنين تفكرنا إننا ما زلنا عيلة.
نفخت أنا وليلى الشمع.
وشمعة نورا فضلت مولعة.
بصينا لبعض.
ليلى ضحكت وقالت:
— حتى دلوقتي مصممة تبقى آخر واحدة.
ضحكت.
وقربت منها ونفخناها إحنا الاتنين.
وفي اللحظة اللي دخان الشمعة طلع فيها لفوق…
ما حسيتش إننا بنقول لنورا وداعًا.
حسيت إننا أخيرًا بنقول لها:
وصلت رسالتك يا أختنا الكبيرة.
حتى لو كنتِ أكبر…
بسبع دقايق بس.
تمت




