والدي الثري حكايات اسما السيد 2

المحامي ما ردش. فضل واقف قدامنا، وعينيه مثبتة على الصورة اللي في إيدي. أختي كانت أول واحدة تتحرك. رجعت خطوة لورا وقالت: — سألتك سؤال… إنت مين؟ رفع عينيه ببطء. وشه ماكانش وش راجل اتكشف وهو بيكدب. كان وش راجل عارف إن اللحظة اللي هرب منها سنين وصلت أخيرًا.
قال:
— اقفلوا الباب.
ضحكت بصدمة.
— إنت فاكر إننا هنقفل الباب ونقعد نسمعك؟
— لو كنت عايز أذيكم، ماكنتش جبتك هنا من البداية.
رديت بسرعة:
— ويمكن جبتني علشان تكمل اللي بدأته!
أختي بصتلي.
— تقصدي إيه؟
رفعت الصورة قدامها.
— أبويا قال إن اللي زور خبر موتي هو نفسه اللي سرق الشركة. والصورة دي بتقول “بداية الخيانة”، وهو واقف فيها!
المحامي قاطعني:
— أنا مش الشخص اللي زور الأوراق.
— أثبت.
أشار للخزنة.
— افتحي الملف.
فضلت مترددة.
لكن أختي مدت إيدها وأخدت الملف الأسود.
فتحته.
كان مليان مستندات قديمة.
تحويلات مالية.
صور أوراق رسمية.
خطابات.
وفي الآخر…
شهادة وفاة باسمي.
أو بالأصح، باسم الطفلة اللي كنتها.
تاريخ الوفاة كان بعد موت أمي بشهور قليلة.
فضلت أبص للورقة.
مش قادرة أتنفس.
كنت ماسكة إثبات موتي المزيف بإيدي.
قلت:
— مين عمل ده؟
المحامي أشار لآخر صفحة.
قلبتها.
وكان فيه توقيع.
أختي أول ما شافته، شهقت.
— مستحيل.
بصيتلها.
— تعرفيه؟
قعدت على الكرسي كأن رجليها ماعادتش شايلينها.
— ده توقيع عمي.
سكت المكان.
— عمك؟
هزت راسها.
— أخو بابا الأصغر.
بصيت للمحامي.
قال:
— وكان شريك والدكم وقتها.
بدأت الصورة تتجمع.
لكن فيه أجزاء كتير ناقصة.
قلت:
— ليه؟ ليه يعمل كل ده؟
المحامي سحب كرسي وقعد.
— لأن وجودك كان بيغير كل حاجة.
— إزاي؟
— والدتك ووالدك ماكانوش متجوزين رسميًا وقت ولادتك، وعيلته رفضت العلاقة من البداية. بعد الانفصال، والدتك أخدتك ومشيت. وبعد وفاتها، والدك حاول ياخد حضانتك.
بلعت ريقي.
— وبعدين؟
— أخوه كان وقتها بيسيطر على جزء كبير من أعمال العيلة. وكان مقتنع إن رجوعك هيغير ترتيب الميراث ونفوذه جوه الشركة.
ضحكت بمرارة.
— يعني طفلة عندها ست سنين كانت بتهدده؟
— مش إنتِ شخصيًا… حقك.
أختي قالت:
— بس بابا كان يقدر يدور أكتر.
المحامي بص للأرض.
— وكان لازم يعمل كده.
ثم رفع عينيه ناحيتي.
— والدك ماكانش بريء. مهما عرفتي من حقائق، أوعي تخليها تمسح تقصيره. هو صدق الأوراق لأنه كان محطم… وبعدها لما بدأت الشكوك تظهر، اختار الخوف بدل المواجهة.
الكلام وجعني.
لكنه كان أول كلام حسيت إنه مش بيحاول يجمّل أبويا.
قلت:
— وإنت دورك إيه؟
أشار للصورة.
— كنت محاميًا صغيرًا في الشركة وقتها. دي كانت أول قضية كبيرة أشتغل عليها.
قلبي انقبض.
— شهادة الوفاة؟
هز راسه.
— الملف عدى من تحت إيدي.
سكت لحظة.
— وشفت حاجات كان لازم تخليني أشك.
— لكنك سكت.
— أيوه.
الكلمة خرجت منه تقيلة.
— خفت أخسر شغلي. وبعدها أقنعت نفسي إن الأوراق سليمة وإن الموضوع مش مسؤوليتي.
قربت منه.
— وأنا كنت بنام في بيوت ناس غريبة.
نزل عينيه.
— عارف.
صرخت:
— لأ! إنت مش عارف!
ضربت الملف على الترابيزة.
— محدش فيكم يعرف!
دموعي انفجرت.
— محدش يعرف يعني إيه طفلة تستنى كل أسبوع يمكن حد ييجي ياخدها! محدش يعرف يعني إيه كل عيد تشوف أطفال راجعين لعائلاتهم وإنت تفضلي واقفة لوحدك!
أختي بدأت تبكي بصمت.
قلت:
— كلكم خذلتوني.
أبويا.
أخوه.
المحامي.
عيلة كاملة عندها فلوس ونفوذ ومحامين…
وطفلة واحدة محدش فيهم قدر ينقذها.
سألت:
— ليه جيتلي دلوقتي؟
قال:
— لأن والدك اكتشف من حوالي سنة إنك عايشة.
— إزاي؟
— أثناء مراجعة حسابات الشركة اكتشف تحويلات مشبوهة مرتبطة بأخوه. بدأ تحقيق سري، ووصل لملفات قديمة… ومنها ملفك.
حط إيده على الخزنة.
— لما عرف إنك عايشة، طلب مني ألاقيكي.
— وليه استنى سنة؟
سكت المحامي.
وفهمت.
قلت:
— خاف.
هز راسه.
— أيوه.
ضحكت وسط دموعي.
— حتى في آخر سنة… خاف.
المحامي قال:
— لحد ما عرف إنه بيموت.
سكتنا.
ثم كمل:
— وقتها قرر إنه مش هيموت ويسيب أخوه ينتصر.
أختي سألت:
— والسرقة؟
طلع المحامي مجموعة مستندات.
— أخو والدكم كان بيسحب أموال من المجموعة من خلال شركات وهمية. ولما والدكم اكتشف، ماواجهوش. خلاه يكمل.
بصيتله باستغراب.
— خلاه يسرق؟
— علشان يجمع دليل كامل.
وأشار لملف تاني.
— تحويلات. تسجيلات. توقيعات. حسابات خارجية. كل حاجة هنا.
أختي قالت:
— نروح للشرطة.
— بالفعل تم تسليم نسخة للجهات المختصة صباح اليوم.
رفعت عيني بسرعة.
— يعني إيه؟
قال:
— الخزنة دي مش الدليل الوحيد. والدكم ماكانش مستعد يغامر إن الملف يختفي.
سألته:
— وعمه فين دلوقتي؟
قبل ما يرد…
سمعنا صوت تصفيق بطيء من عند الباب.
تصفيقة.
ثم أخرى.
لفينا.
كان واقف هناك.
راجل في أواخر الستينات.
شبه أبويا بشكل مخيف.
قال بابتسامة:
— أخويا حتى وهو ميت… عرف يعمل مسرحية محترمة.
أختي همست:
— عمي…
دخل وقفل الباب.
المحامي وقف فورًا.
— إنت ممنوع تدخل المكتب.
ضحك.
— المكتب اللي بنيت الشركة منه مع أخويا؟
بصلي.
فضل يتأملني ثواني.
— أخيرًا شوفتك.
حسيت بقشعريرة.
قلت:
— إنت اللي عملت شهادة الوفاة؟
ابتسم.
— كنت أتمنى تكوني أذكى من إنك تصدقي كل ورقة تلاقيها في خزنة.
— جاوبني.
اختفت ابتسامته.
— أبوكي كان ضعيف.
— وأنا بسألك عنك.
قرب خطوة.
— أمك كانت عارفة إنها مش مرحب بيها وسط العيلة. لما ماتت، كان لازم الأمور تفضل مستقرة.
حسيت الغضب بيحرق صدري.
— فخليت طفلة تختفي؟
رد بمنتهى البرود:
— اتنقلتي للرعاية. ماحدش قتلك.
الجملة دي…
مسحت آخر ذرة خوف جوايا.
قربت منه.
— كنت عندي ست سنين.
لأول مرة عينيه اتحركت بعيد عني.
قلت:
— ست سنين.
سكت.
— إنت ما سرقتش فلوس بس.
صوتي بدأ يهتز.
— إنت سرقت طفولتي.
بصلي باستخفاف.
— وانتي دلوقتي واقفة في قصر وهتملكي ملايين. واضح إن الحياة عوضتك كويس.
قبل ما أرد…
أختي قالت:
— وإحنا؟
لف ناحيتها.
— إنتِ مالكيش دعوة.
ضحكت بمرارة.
— سرقت شركة أبويا وكنت هتسيبني مفلسة.
— الشركة كانت حقي من البداية.
وفجأة…
المحامي ابتسم.
ابتسامة صغيرة جدًا.
عمنا لاحظها.
— بتضحك على إيه؟
قال المحامي:
— على إنك ما اتغيرتش.
— إيه؟
مد إيده لجهاز صغير فوق المكتب.
ضغط زر.
ظهر ضوء أحمر.
تسجيل.
وش عمنا اتغير.
المحامي قال:
— والدكم توقع إنك تيجي هنا أول ما تعرف إن الخزنة اتفتحت.
صرخ:
— اقفل الجهاز!
لكن المحامي قال:
— متأخر.
سمعنا حركة برا المكتب.
الباب اتفتح.
دخل رجال بملابس رسمية.
وفي ثواني، اتحول غروره لخوف.
بدأ يصرخ.
ينكر.
يهدد.
لكن محدش فينا رد.
وأنا واقفة أتفرج عليه وهو بيتاخد من المكان اللي قضى سنين بيسرقه.
قبل ما يخرج، بصلي.
قال:
— فاكرة إنك كسبتي؟
رديت بهدوء:
— لأ.
سكت.
— أنا بس أخيرًا عرفت مين سرق مني حياتي.
واتقفل الباب وراه.
مرت شهور.
القضية كانت طويلة.
التحقيقات كشفت حاجات أكتر بكتير مما كان أبويا نفسه عارفه.
اترد جزء كبير من الأموال.
واتجمدت حسابات.
واتباعت استثمارات جانبية علشان نسدد جزء من الديون.
أما الشركة…
فماوقعتش.
لكن أنا كمان ما بقيتش فجأة سيدة أعمال خارقة زي القصص.
أول اجتماع مجلس إدارة دخلته، كنت مرعوبة.
قعدت على كرسي أبويا…
وبعد عشر دقايق اكتشفت إني مش فاهمة نص المصطلحات اللي بيتكلموا بيها.
بعد الاجتماع بصيت لأختي وقلت:
— أنا مش فاهمة حاجة.
ضحكت.
كانت أول مرة أشوفها بتضحك معايا.
قالت:
— وأنا فاهمة.
قلت:
— يبقى هتقعدي جنبي.
بصتلي باستغراب.
— الوصية مخلياكي صاحبة القرار.
— وأنا قراري إننا نعمل ده سوا.
سكتت.
وبعدين سألت:
— بعد اللي قلتهولك أول يوم؟
ابتسمت.
— كنتِ سخيفة جدًا.
ضحكت وسط دموعها.
— وإنتِ كنتِ مستفزة.
— ماشي.
مديت إيدي.
— نبدأ من جديد؟
بصت لإيدي.
وبعدين حضنتني.
وقتها فهمت حاجة غريبة.
أنا جيت القصر أدور على أب.
وفقدته بعد أسبوع.
لكنني خرجت من الأسبوع ده بأخت.
بعد سنة، وقفنا سوا قدام قبر أبويا.
حطيت وردة.
أختي بعدت شوية علشان تسيبني لوحدي.
فضلت واقفة ساكتة.
كان عندي كلام كتير.
وفي الآخر قلت:
— أنا لسه زعلانة منك.
دموعي نزلت.
— ويمكن جزء مني يفضل زعلان منك طول العمر.
سكت شوية.
— عرفت الحقيقة. وعرفت إنك دورت عليا. وعرفت إن ناس كدبت عليك.
هزيت راسي.
— بس ده مايمسحش إنك خفت.
مسحت دموعي.
— كان المفروض تدور أكتر.
سكت.
— كان المفروض تيجي.
لأول مرة، سمحت لنفسي أقول الجملة اللي الطفلة اللي جوايا كانت مستنياها طول عمرها:
— كنت محتاجاك يا بابا.
بكيت.
مش بكاء البنت اللي عايزة ميراث.
ولا الست اللي كسبت شركة.
كان بكاء طفلة عمرها ست سنين…
استنت سنين طويلة إن الباب يتفتح.
لكن محدش جه.
بعد شوية قلت:
— مش عارفة إذا كنت سامحتك بالكامل ولا لأ.
ابتسمت وسط دموعي.
— بس أنا بطلت أكرهك.
ولما مشيت، حسيت إن ده كفاية.
أما القصر…
فماقدرتش أعيش فيه.
كان كبير أوي.
هادي أوي.
ومليان ذكريات مش بتاعتي.
بعناه بعد سنتين.
لكن قبل البيع، طلبت حاجة واحدة.
الجناح القديم اللي ماحدش كان بيستخدمه…
حولناه لمؤسسة لدعم الأطفال اللي خرجوا من دور الرعاية وبدأوا حياتهم لوحدهم.
أختي سألتني:
— ليه ده تحديدًا؟
بصيت من الشباك.
وافتكرت الجزمة المقطوعة.
ليالي العيد.
والطفلة اللي كانت بتحط حاجاتها في شنطة كل ما تنتقل من بيت لبيت.
قلت:
— لأن الفلوس ما تقدرش ترجع طفولة حد.
ثم ابتسمت.
— بس ممكن تمنع طفل تاني إنه يعيش نفس اللي عشته.
وفي يوم افتتاح المؤسسة، المحامي جه.
كان شعره بقى أبيض أكتر.
وقف بعيد.
كأنه مش عارف هل من حقه يقرب ولا لأ.
أنا اللي روحتله.
قال:
— والدك كان هيكون فخور بيكي.
بصيتله.
— متتكلمش باسمه.
نزل عينيه.
— عندك حق.
سكت شوية.
ثم قال:
— فيه حاجة أخيرة.
طلع ظرف صغير.
قلبي وقع.
— بالله عليك متقوليش وصية تانية.
ضحك لأول مرة.
— لأ.
ناولني الظرف.
— والدك كتب دي ليلة ما جيتي.
فتحتها.
كانت رسالة قصيرة بخط إيده.
قرأت:
“بنتي،
لو فضلتي معايا للآخر، أعرف إني أخدت منك سبع أيام زيادة عن حقي.
أنا لا أستحق غفرانك.
ولا أترك لكِ ثروتي كي تشتري لي الغفران.
أنا فقط أعيد إليك شيئًا كان يجب أن يكون لك منذ البداية: حق الاختيار.
افعلي بالمال ما لم أفعله أنا.
اختاري الشجاعة بدل الخوف.
ولو خرج من كل أخطائي شيء واحد جيد… أتمنى أن يكون أنتِ.”
فضلت باصة للورقة فترة طويلة.
وبعدين طويتها وحطيتها في شنطتي.
أختي نادتني من بعيد:
— يلا! الأطفال مستنيينك تقصي الشريط!
بصيت ناحيتها.
وراها كان واقف عشرات الشباب والبنات.
بعضهم خرج من دور الرعاية من أسابيع.
بعضهم بيدور على شغل.
بعضهم محتاج مكان يعيش فيه.
وكل واحد فيهم كان شايل قصة تشبه جزءًا من قصتي.
مسحت دموعي ومشيت ناحيتهم.
وقبل ما أقص الشريط، بصيت للاسم المكتوب على المبنى.
ماكانش اسم أبويا.
ولا اسم العيلة.
أنا سميت المكان:
“البيت الأول”.
لأن بعض الناس بيتولدوا ويلاقوا بيتهم مستنيهم.
وبعضنا…
بيضطر يبنيه بنفسه.
وقفت أختي جنبي ومسكت إيدي.
ولأول مرة في حياتي، كلمة عيلة ماوجعتنيش.
فهمت أخيرًا فخ أبويا الحقيقي.
هو افتكر إنه حاصرني بالميراث علشان يجبرني أواجه الحقيقة.
لكن اللي حصل كان أكبر من خطته.
الثروة اللي فرقت عيلتنا…
بقت سببًا في إن أطفال غيرنا يلاقوا فرصة.
والبيت اللي دخلته وأنا غريبة…
خرجت منه وأنا عارفة أنا مين.
أنا مش البنت اللي أبوها سابها.
ومش الطفلة اللي محدش اختارها.
ومش الوريثة الغنية اللي ظهرت فجأة.
أنا الست اللي اختارت بنفسها إيه تعمل بكل اللي حصل لها.
وأحيانًا…
أقوى انتصار مش إنك ترجع اللي اتسرق منك.
لأن فيه حاجات العمر نفسه مايعرفش يرجعها.
أقوى انتصار…
إنك تمنع اللي كسرك من إنه يحدد الشخص اللي هتبقيه.
تمت.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




