توأم مثالي حكايات أسما السيد 3

- — ماكانش مطلوب منك تعملي أكتر.
هزت راسها.
— عارفة دلوقتي.
مديت إيدي.
مسكتها.
قالت:
— وأنت؟
— أنا؟
— إيه أكتر حاجة اتغيرت فيك؟
فكرت.
قلت:
— بقيت عارف إن الحقيقة مش دايمًا أكتر حاجة شكلها مقنع.
بصتلي.
— والحب؟
قلت:
— الحب من غير ثقة مجرد كلام حلو.
ابتسمت.
بعد 3 شهور…
طلبت منها نتجوز تاني.
لكن المرة دي ما عملتش حفلة كبيرة.
ولا خاتم مبالغ فيه.
ولا عشرات ناس.
كنت في مطبخ بيتها.
آدم بيلعب في الأدراج.
آسر مرمي على الأرض وبيحاول يلبس حذاء أكبر منه.
وأنا كنت بغسل زجاجتين لبن.
لفيت لها فجأة.
— تتجوزيني؟
ضحكت.
— إيه؟
قلت:
— تتجوزيني.
— وإنت واقف بتغسل ببرونة؟
— الرومانسية اتغيرت بعد العيال.
ضحكت.
وبعدين سكتت.
بصتلي بجدية.
— ليه؟
قلت:
— مش علشان نرجع زي زمان.
قربت منها.
— علشان أنا مش عايز زمان.
عينيها دمعت.
— عايز إيه؟
— عايز اللي بنيناه بعده.
طلعت خاتم بسيط.
— عايز أتجوز الست اللي عرفت تعيش من غيري… وبالرغم من كده اختارت تديني فرصة أعيش معاها.
سكتت فترة طويلة.
وبعدين قالت:
— عندي شرط.
ابتسمت.
— كنت عارف.
— لو شكيت فيا يوم…
قلت:
— هسألك.
— ولو شفت دليل؟
— هسألك.
— ولو الدنيا كلها قالت إني غلطانة؟
قلت:
— هسمعك الأول.
دموعها نزلت.
مدت إيدها.
— يبقى موافقة.
اتجوزنا بعد شهرين.
في حفل صغير جدًا.
عمي حضر.
فؤاد حضر.
كام صاحب قريب.
وأولادنا كانوا أهم ضيوف.
آدم نام نص الحفل.
وآسر قرر يصرخ وقت ما المأذون كان بيتكلم.
وهي كانت بتضحك.
وأنا كنت ببصلها ومش مصدق إن الست اللي كسرتها بإيدي…
سمحتلي أكون جزء من حياتها تاني.
أما أخويا…
فكان لسه بيقضي عقوبته.
قبل الفرح بأسبوع وصلني منه خطاب.
فتحته.
كان مكتوب فيه:
“أنا عارف إن غالبًا ماليش مكان في يوم زي ده. ومش بطلب مكان.
بس لو قدرت يومًا تقول لولادك إن كان ليهم عم عمل حاجات بشعة، قولهم كمان إنه في آخر لحظة حاول يعمل حاجة صح.
مش علشان يسامحوني.
علشان يعرفوا إن الإنسان ممكن يوقف حتى لو مش قادر يمسح الطريق اللي مشيه.
مبروك.”
قفلت الخطاب.
ما بكيتش.
وما مزقتوش.
حطيته في درج.
يمكن في يوم أقرر أرد.
يمكن لأ.
في حاجات الزمن بيعالجها.
وحاجات بيعلمنا بس نعيش مع أثرها.
بعد سنتين…
آدم وآسر بقوا 3 سنين.
بيجروا في البيت.
بيتكلموا طول الوقت.
وبيختلفوا على كل لعبة.
وأحيانًا بالليل، بعد ما يناموا، أقف على باب أوضتهم.
أتفرج عليهم.
وأفتكر السنة الأولى اللي ضاعت.
عيد ميلادهم الأول اللي ما حضرتوش.
أول ضحكة.
أول سن.
أول مرض.
أول ليلة ناموا فيها.
كلها حاجات مش هقدر أرجعها.
وفي ليلة وقفت جنبي زوجتي.
حطت راسها على كتفي.
قالت:
— لسه بتفكر في السنة دي؟
قلت:
— ساعات.
— ندمت؟
بصيتلها.
— كل يوم.
مسكت إيدي.
قلت:
— بس بقيت فاهم إن الندم لو فضل مجرد وجع… مالوش لازمة.
— أمال يبقى إيه؟
بصيت لولادي.
— يبقى وعد.
— وعد بإيه؟
قلت:
— إني ما أضيعش سنة تانية.
ابتسمت.
دخلنا الأوضة.
عدّلت الغطا على آدم.
وهي غطت آسر.
وفجأة آسر فتح عينه وقال بنعاس:
— بابا.
بصيتله.
— نعم يا حبيبي؟
مد إيده.
— حضن.
شيلته.
حط راسه على كتفي.
وقتها فهمت حاجة.
السنة اللي اتسرقت مني…
عمري ما هقدر أسترجعها.
لكن الأبوة مش لحظة فاتت.
الأبوة آلاف اللحظات اللي لسه جاية.
وأنا كنت ناوي أحضرها كلها.
بعد 5 سنين…
رجعت للشركة.
لكن مش كرئيس متحكم في كل حاجة.
أنشأت مجلس مستقل.
فصلت ملكية أولادي عن الإدارة اليومية.
وعملت مؤسسة باسم أبويا لمساعدة الأسر اللي بتتعرض للتلاعب القانوني أو المالي.
هي اقترحت الفكرة.
وقالتلي:
— بدل ما تفضل تكره اللي حصل… خلي حاجة كويسة تطلع منه.
وفي افتتاح المؤسسة…
كنت واقف على المسرح.
زوجتي في الصف الأول.
وآدم وآسر جنبها.
قلت للناس:
— فيه وقت في حياتي صدقت صورة أكتر من إنسانة عشت معاها سنين.
القاعة سكتت.
— واتعلمت بالطريقة الأصعب إن الدليل ممكن يتزور، والشاهد ممكن يُشترى، والورق ممكن يتغير…
بصيت لزوجتي.
— لكن ده مش معناه إننا نعيش بلا عقل.
سكت لحظة.
— معناه إن العدالة الحقيقية محتاجة عقل يسمع كل الأطراف… وقلب ما يستعجلش الحكم.
نزلت من المسرح.
آدم جري عليا.
— بابا!
شيلته.
آسر جري وراه.
— وأنا!
شيلته في الدراع التاني.
زوجتي قربت.
قالت وهي بتضحك:
— لسه قادر تشيل الاتنين؟
قلت:
— أنا ضيعت سنة كاملة من غير ما أشيلهم.
بصيت للتوأم.
— عندي دين كبير لازم أسدده.
ضحكت.
خرجنا الأربعة من المكان.
وفي العربية، وأنا ببص للمراية على ولادي، افتكرت أول مرة شوفتهم فيها.
على طريق ترابي.
في حضن أمهم.
وأنا غريب عنهم.
وقتها كنت فاكر إن قصتي بدأت بخيانة خطيبتي.
لكن الحقيقة…
قصتي بدأت بغلطتي أنا.
لأن أكبر كارثة حصلتلي ما كانتش إن حد كذب عليّ.
كانت إني سمحت للكذبة تكون أقوى من معرفتي بالشخص اللي بحبه.
لكن النهاية ما كانتش في المحكمة.
ولا يوم اتقبض على اللي دمروا حياتنا.
النهاية الحقيقية كانت في بيت صغير…
وسط لعب أطفال مرمية على الأرض…
وست سامحتني من غير ما تنسى…
وطفلين بقوا كل ما يشوفوني يجروا ناحيتي وهم بيصرخوا:
— بابا!
وأنا كل مرة كنت برد بنفس الحماس…
كأنها أول مرة أسمع الكلمة:
— عيون بابا.
تمت.
إهداء:
لكل إنسان ظلم شخصًا لأنه صدّق ما رآه قبل أن يسمع ما في قلبه…
ولكل إنسان اتظلم، واتكسرت ثقته، لكنه اختار في النهاية ألا يسمح للوجع يحوله لنسخة قاسية من اللي ظلموه…
مش كل حاجة اتكسرت لازم ترجع زي الأول.
أحيانًا ربنا بيدينا فرصة نبني حاجة جديدة…
أصدق.
أهدى.
وأقوى.
والثقة لو ماتت ممكن ترجع…
لكن مش بالكلام.
ترجع بالمواقف، والصبر، والوقت.
وأحيانًا…
أجمل انتصار مش إن اللي ظلمك يتعاقب.
أجمل انتصار إنك تكمل حياتك، وتبقى سعيد، من غير ما يفضل هو ساكن جواك.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




