روايات وقصص

ساره حكايات اسما السيد 3

فضلت واقف قدام الصيدلية، والورقة بين صوابعي، والجملة المكتوبة بخط أمي تدور في ذهني:

“لو النتيجة اتكررت، أحمد هيعرف إننا كنا عارفين من الأول.”

إحنا مين؟

وعارفين إيه؟

رفعت عيني للصيدلي وقلت:

— الورقة دي وقعت منها إمتى؟

قال:

— وهي خارجة من عندي. ناديت عليها بس كانت ركبت عربية ومشيت.

حطيت الورقة والتقرير وشريط الدواء في كيس لوحدهم، ورجعت المستشفى.

المرة دي ماكنتش عايز أفسر حاجة بنفسي.

كل اللي لقيته هيتسلم للدكاترة.

وأي حقيقة لازم تطلع من تحليل ودليل، مش من غضبي.

وصلت المستشفى قبل الشروق.

جريت على العناية.

— سارة عاملة إيه؟

الممرضة قالت:

— حالتها مستقرة، لكن لسه تحت الملاحظة.

— والطفل؟

— في الحضانة.

سألتها:

— ممكن أشوفه؟

بعد إجراءات بسيطة، دخلوني.

وقفت قدام حضانة ابني.

كان صغير بطريقة وجعت قلبي.

أصغر بكتير من الصورة اللي كنت راسمها في خيالي لأول مرة أشيله فيها.

أسلاك رفيعة حواليه.

جهاز بيراقب نفسه.

وإيده الصغيرة جدًا جنب وشه.

حطيت إيدي على الزجاج.

وهمست:

— أنا آسف يا ابني.

آسف إني ماكنتش موجود.

وآسف إني لما دخلت الأوضة وشفت أمك تعبانة…

أول حاجة دخلت دماغي كانت إني أشك فيها.

خرجت من عنده وأنا مكسور.

ولقيت الدكتورة ريم وصلت المستشفى.

أول ما شافتني قالت:

— التقرير معاك؟

طلعت الكيس.

ناولتها التقرير.

وبعدين شريط الدواء.

والورقة القديمة.

بصت للشريط وقالت:

— ده لازم يتعرف رسميًا من خلال المختصين، ومحدش ياخد منه أي حاجة.

قلت:

— أنا عايز أفهم الورقة دي.

ناولتها إيصال المعمل.

قرأت اسم التحليل.

ملامحها اتغيرت.

— ده التحليل اللي كنت بسأل سارة إذا كانت عملته قبل كده.

— تحليل إيه؟

شرحتلي بهدوء إن النتيجة القديمة مرتبطة بمشكلة طبية كان لازم تتعرف ويتعمل لها تقييم ومتابعة أثناء الحمل.

قلت:

— يعني أمي كانت عارفة إن سارة عندها مشكلة؟

قالت:

— الورقة تثبت إن التحليل اتعمل. والجملة المكتوبة عليها محتاجة نعرف مين كتبها وليه. لكن أنا مقدرش أقول أكتر من اللي قدامي.

كنت على وشك أنفجر.

— طب ليه سارة ما قالتليش؟!

الدكتورة بصتلي وقالت:

— السؤال ده هي تجاوبك عليه سارة لما تفوق.

وبعدين أضافت:

— أحمد، فيه فرق كبير بين إننا نعرف إن فيه مشكلة طبية، وبين إننا نفترض إن شخص تسبب فيها. متخلطش الاتنين.

هزيت راسي.

كان عندها حق.

لكن فيه حاجة واحدة مؤكدة بالنسبة لي:

أمي أخفت عني حاجات.

وأنا لازم أعرف ليه.

في اللحظة دي تليفوني رن.

أمي.

رديت.

المرة دي صوتها كان مختلف.

— أحمد… إنت فين؟

— المستشفى.

— سارة عاملة إيه؟

— عايشة.

سكتت.

قلت:

— وابني عايش.

سمعتها تقول:

— الحمد لله.

قلت:

— لقيت الظرف.

الصمت رجع.

— ولقيت الورقة اللي وقعت منك.

سمعت شهقتها.

— ورقة إيه؟

قرأت لها الجملة:

— “لو النتيجة اتكررت، أحمد هيعرف إننا كنا عارفين من الأول.”

أمي ما ردتش.

قلت:

— مين “إحنا” يا أمي؟

— أحمد…

— مين؟!

بدأت تعيط.

ولأول مرة من بداية الليلة، صوتها مكانش صوت ست بتحاول تدافع عن نفسها.

كان صوت ست خايفة.

قالت:

— أبوك.

اتجمدت.

أبويا؟

أبويا مات من سنة ونص.

قلت:

— أبويا إيه علاقته بسارة؟

قالت:

— مش هينفع في التليفون.

— لأ. هتقولي دلوقتي.

قالت وهي بتعيط:

— التحليل القديم اتعمل قبل حمل سارة.

— وبعدين؟

— أبوك هو اللي عرف نتيجته الأول.

حسيت إني مش فاهم.

— ليه أبويا أصلًا يشوف تحليل مراتي؟

ردت:

— لأن سارة كانت عملته في المعمل اللي كان أبوك شريك فيه.

بدأت الصورة تتحرك قدامي، لكنها لسه مش واضحة.

قالت أمي:

— النتيجة اتكررت مرتين… وأبوك قال إن الموضوع لازم يتقالك.

— موضوع إيه؟!

سكتت.

صرخت:

— موضوع إيه يا أمي؟!

قالت:

— قبل ما يموت بأيام، أبوك اكتشف إن فيه خطأ قديم في ملف طبي يخص عيلتنا، وإن الخطأ ده ممكن يأثر على أي حمل ليك إنت بالذات.

اتسمرت.

— أنا؟!

— أيوه.

حسيت إن الكلام خرج من مكان بعيد.

— يعني المشكلة مش عند سارة؟

قالت:

— أنا ما قلتش كده. أنا بقول إن أبوك اكتشف حاجة تخص تاريخك الطبي إنت.

قعدت على الكرسي.

— وليه محدش قالي؟

انهارت أمي في العياط.

— أبوك مات قبل ما يكلمك.

— وإنتِ؟

سكتت.

— إنتِ كنتِ عارفة!

قالت:

— كنت خايفة.

ضحكت ضحكة مكسورة.

— خايفة من إيه؟ من إني أعرف حاجة تخص جسمي وحياة ابني؟

— كنت خايفة بيتك يخرب.

— فخبيتي؟

ما ردتش.

افتكرت حاجة.

— والظرف؟ ليه أخدتيه من سارة؟

قالت:

— لما شفت اسم التحليل في التقرير، افتكرت الورق القديم. عرفت إن الدكتورة بدأت تربط النتائج ببعض.

— فمنعتِ الإسعاف؟

ردت بسرعة:

— والله ما كنت فاهمة إنها في خطر بالشكل ده! افتكرتها آلام حمل عادية. غلطت… وأنا عارفة إني غلطت.

— والحبوب؟

سكتت.

قلبي بدأ يدق أسرع.

— الحبوب اللي كنتِ بتديهالها يا أمي.

قالت:

— فيتامينات.

— اسمها إيه؟

— مش فاكرة.

— منين كنتِ بتجيبيها؟

سكتت.

وهنا خوفي رجع من جديد.

قلت:

— ردي.

لكن بدل ما ترد، قالت:

— أحمد… متروحش البيت القديم بتاع أبوك.

وقفت.

— إيه؟

— بالله عليك، سيب اللي فات مدفون.

الجملة دي وحدها كانت كفاية.

— إيه الموجود هناك؟

قفلت الخط.

حاولت أكلمها تاني.

التليفون اتقفل.

لكن قبل ما أقرر أعمل أي حاجة، الممرضة خرجت من غرفة سارة.

— أستاذ أحمد؟

— أيوه؟

ابتسمت ابتسامة خفيفة.

— مراتك فاقت.

نسيت أمي.

ونسيت البيت القديم.

دخلت لسارة.

كانت شاحبة ومتعبة، لكن عينيها مفتوحة.

قربت منها.

مسكت إيدها وبوستها.

قلت:

— ابننا عايش يا سارة.

دموعها نزلت فورًا.

— شوفته؟

— شوفته.

ابتسمت رغم تعبها.

وبعدين بصتلي طويلًا.

قلت:

— لقيت اللي في الدولاب.

ابتسامتها اختفت.

— سمعت التسجيلات؟

— أيوه.

— ولقيت الورقة؟

— أيوه.

سكتت.

سألتها:

— ليه مخبيتيش عليا كل ده؟

دموعها نزلت.

— لأني كنت مستنية أتأكد.

— من إيه؟

بصت ناحية الباب.

ثم قالت:

— اقفله.

قفلت الباب ورجعت لها.

قالت:

— أحمد… قبل أربع شهور، باباك كلمني.

اتجمدت.

بصيت لها.

— أبويا مات من سنة ونص.

سارة هزت راسها.

— عارفة.

— أمال بتقولي إيه؟

مدت إيدها ناحية درج الكومودينو بجوار سريرها.

— هات موبايلي.

ناولتها الموبايل.

فتحت الإيميل.

وبعد شوية مدتلي الشاشة.

كان قدامي بريد إلكتروني.

المرسل:

حساب والدي القديم.

وتاريخ الإرسال من أربعة شهور.

لكن تحت عنوان الرسالة كان فيه سطر صغير:

“تمت جدولة هذه الرسالة قبل وفاة المرسل.”

حسيت جلدي كله قشعر.

فتحت الرسالة.

كانت قصيرة جدًا:

“يا سارة، لو الرسالة دي وصلتك، يبقى أنا مقدرتش أصلح الغلطة بنفسي. متقوليش لأحمد أي حاجة قبل ما تعملي التحليل المرفق وتتأكدي. ولو النتيجة طلعت زي ما أنا خايف… خدي أحمد وروحوا للمكان اللي كنت بخزن فيه ملفات المعمل القديمة. الدرج رقم 17. سامحوني.”

رفعت عيني لسارة.

قلت:

— إنتِ عملتي التحليل؟

هزت راسها.

— مرتين.

— والنتيجة؟

قالت:

— هي دي النتيجة اللي أمك أخدت الظرف علشان تخبيها.

وقبل ما أسألها عن معناها…

قالت الجملة اللي خلتني أنسى حتى إني واقف في مستشفى:

— أحمد… أبوك مكانش خايف على ابني من مرض عندي.

سكتت لحظة.

ثم قالت:

— كان خايف من حاجة موجودة في ملفك إنت من يوم ما اتولدت.

وفي اللحظة دي فهمت ليه أمي قالتلي:

“متروحش البيت القديم بتاع أبوك.”

لأن الإجابة الحقيقية ما كانتش في تقرير سارة.

كانت مستنياني…

جوه الدرج رقم 17

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى