وجع من نوع خاص حكايات اسما السيد

— أنا جعانة…
كان صوت البنت الصغيرة واطي أوي، لدرجة إنه كان بيضيع وسط صوت البيانو الهادي اللي مالي المطعم.
الولد شد أخته الصغيرة لحضنه أكتر. كان وشها مليان دموع، والتراب باين على خدودها. باسها فوق راسها بنفس الطريقة اللي كانت أمهم بتعملها زمان، رغم إنه ماكانش عنده غير عشر سنين، ولسه أصغر من إنه يعرف إزاي يطمنها وهو نفسه مرعوب.
رفع عينه للموظفة اللي واقفة ورا الكاونتر وقال بأدب:
— لو سمحتي… عندكم أي أكل فاضل من النهارده؟ إحنا معاناش فلوس كفاية…
الموظفة حتى ما رفعتش عينيها ناحيته.
فضلت تمسح الكاونتر بعصبية وقالت ببرود:
— إحنا مش بنوزع أكل هنا… يلا امشوا.
البنت الصغيرة شهقت من العياط ودفنت وشها في صدر أخوها.
الولد حس بنظرات كل اللي قاعدين في المطعم عليه.
كان نفسه الأرض تنشق وتبلعه من الإحراج…
لكن جوع أخته كان أقوى من كسوفه.
ففضل واقف مكانه.
وفجأة…
صوت كرسي اتحرك من وراهم.
راجل كبير في السن، لابس بدلة غامقة وأنيقة، قام من على ترابيزة قريبة.
كان شعره أبيض، ووقفته ثابتة، وملامحه فيها هيبة غريبة… لكن ورا الهيبة كان فيه حزن قديم مستخبي في عينيه.
مشى ناحيتهم، وحط إيده برفق على كتف الولد.
وبص للموظفة وقال:
— هاتي لهم أحسن أكل عندكم.
الموظفة رمشت باستغراب.
— حضرتك متأكد؟
رد من غير تردد:
— هاتي لهم كل اللي نفسهم فيه… وأنا هدفع الحساب.
في لحظة، الجو كله في المطعم اتغير.
الموظفة جريت تنفذ كلامه.
والبنت الصغيرة رفعت وشها من حضن أخوها وهي مش مصدقة.
أما الولد ففضل يبص للراجل باستغراب…
مش فاهم ليه شخص غريب قرر يساعدهم بالشكل ده.
الراجل نزل على ركبته عشان يبقى في مستوى الطفلين وقال بصوت حنين:
— تعالوا معايا يا ولاد…
لكن الولد فجأة افتكر حاجة.
مد إيده بسرعة في جيبه وطلع صورة قديمة متكرمشة.
الصورة كان لونها مصفر من الزمن، وأطرافها شبه مقطوعة.
مسكها بصوابعه المرتعشة ومدها ناحية الراجل وقال:
— شكرًا يا عمو… بس أنا حاسس إني شوفت حضرتك قبل كده.
سكت لحظة، وبعدين أشار للصورة:
— هو… الراجل اللي في الصورة دي حضرتك؟
الراجل أخد الصورة.
وأول ما بص فيها…
وشه فقد لونه.
إيده بدأت ترتعش.
لأن الصورة كانت ليه فعلًا وهو أصغر بسنين طويلة…
وكان شايل بين إيديه طفل رضيع.
فضل باصص للصورة كأنه شايف شبح طالع له من الماضي.
وبعدين رفع عينه للطفلين ببطء…
وهمس باسم واحد…
اسم خلّى كل حاجة تتغير في لحظة.
كان اسم أمهم.
والسؤال اللي دار في دماغه وقتها كان أخطر من أي حاجة:
إزاي صورة عمرها سنين طويلة وصلت لجيب الطفل ده؟
ولو الراجل ده فعلًا هو اللي في الصورة…
يبقى أم الطفلين كانت مين بالنسبة له؟
الجزء الثاني
الراجل فضل ماسك الصورة، وعينيه مش قادرة تبعد عنها.
قلب الصورة على ضهرها…
وكان فيه سطر مكتوب بقلم أزرق باهت:
“لبابا… عشان لو الأيام فرقتنا، ماتنسانيش.”
إيده اتهزت أكتر.
رفع عينه للولد وسأله:
— الصورة دي كانت مع أمك؟
الولد هز راسه.
— أيوه… كانت مخبياها في علبة صغيرة. قبل ما تمشي قالتلي آخدها وأحافظ عليها.
الراجل اتجمد.
— تمشي فين؟
الولد بص لأخته، وبعدها نزل عينه للأرض.
— معرفش.
سكت ثواني وبعدين قال:
— أمي اختفت من حوالي شهرين.
الراجل قرب منه أكتر.
— اختفت إزاي؟
الولد بلع ريقه وقال:
— كانت تعبانة وبتشتغل كتير عشان تصرف علينا. وفي يوم قالتلي: “لو اتأخرت عليك، خد أختك وروح للمكان اللي في الصورة.”
الراجل بص للصورة بسرعة.
الولد كمل:
— بس أنا ماكنتش عارف المكان فين… فضلنا عند واحدة صاحبة أمي فترة، وبعدها حصلت مشاكل واضطرينا نمشي.
الراجل سأل بصوت مرتعش:
— وأمك اسمها إيه؟
الولد قال الاسم.
في اللحظة دي…
الراجل سند إيده على أقرب كرسي.
الموظفة كانت راجعة بالأكل، لكنها وقفت مكانها لما شافت ملامحه.
قال لنفسه كأنه مش مصدق:
— مستحيل…
الولد قرب خطوة.
— حضرتك تعرفها؟
الراجل رفع عينه له.
والدموع كانت لأول مرة ظاهرة فيها.
— أعرفها؟
سكت.
وبعدين قال:
— دي بنتي.
الولد فتح بقه من الصدمة.
أما أخته الصغيرة فمسكت هدومه وقالت:
— يعني… حضرتك جدّنا؟
الراجل غمض عينه للحظة.
كأن كلمة “جدنا” كسرت جواه باب مقفول من سنين.
وبعدين مد إيده للبنت وقال:
— لو أمكم هي اللي أنا فاكرها… فأيوه.
— أنا جدكم.
الولد رجع خطوة لورا.
ملامحه ماكانتش فرحانة.
بالعكس…
كان فيها غضب.
— طب كنت فين؟
السؤال نزل على الراجل كالصاعقة.
— إيه؟
الولد رفع صوته لأول مرة:
— لو إنت جدنا… كنت فين وإحنا جعانين؟ كنت فين وأمي كانت بتعيط بالليل وهي فاكرة إننا نايمين؟
المطعم كله سكت.
الراجل ماعرفش يرد.
الولد مسح دموعه بسرعة وقال:
— أمي قالت إن ملناش حد.
الراجل همس:
— لأنها كانت فاكرة إني مش عايز أعرفها.
— ليه؟
الراجل قعد على الكرسي.
وبص للصورة القديمة.
— عشان حد خلّاها تصدق كده.
وهنا بدأت الحكاية الحقيقية.
من أكتر من عشرين سنة، بنته الوحيدة كانت شابة صغيرة.
كانت قريبة جدًا منه.
لكن بعد وفاة أمها، اتجوز هو مرة تانية.
زوجته الجديدة كانت بتتعامل مع بنته كويس قدامه…
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
كانت شايفة إن وجود البنت خطر على مستقبلها وعلى الميراث اللي نفسها يبقى ليها ولابنها.
ولما البنت قررت تتجوز شاب بسيط، أبوها رفض في البداية.
مش لأنه بيكرهه…
لكن لأنه كان خايف عليها.
حصلت بينهم خناقة كبيرة.
والبنت سابت البيت.
بعد أيام، الراجل ندم.
حاول يوصل لها.
بعت خطابات.
حول لها فلوس.
وسأل عنها في كل مكان.
لكن كل مرة كانت زوجته تقوله:
— بنتك مش عايزة تشوفك.
وفي الناحية التانية…
كانت بتوصل للبنت كلام مختلف تمامًا.
“أبوكي قال إنك مش بنته من النهارده.”
“رجّع كل خطاباتك.”
“مش عايز يعرف عنك حاجة.”
وسنة ورا سنة…
الأب صدق إن بنته كرهته.
والبنت صدقت إن أبوها تخلى عنها.
لحد ما اختفت من حياته تمامًا.
الراجل رفع الصورة قدام الطفل وقال:
— الصورة دي آخر صورة أخدتها معاها وهي رضيعة.
الولد بص للصورة.
— يعني البيبي اللي في إيدك…
— أمك.
البنت الصغيرة قربت منه وسألته ببراءة:
— طب ماما فين؟
الراجل بص لها…
ومعرفش يرد.
لكنه قام فورًا.
طلع موبايله واتصل بحد.
قال جملة واحدة:
— عايز أعرف بنتي فين… من النهارده قبل بكرة.
وبعدها أخد الطفلين معاه.
لكن الولد وقف عند باب المطعم.
— إحنا مش هنروح مع حد مانعرفوش.
الراجل بص له بإعجاب رغم وجعه.
— عندك حق.
طلع بطاقته، وكلم الشرطة والجهات المختصة بنفسه، وطلب إن كل حاجة تتم رسمي.
قال للولد:
— مش هطلب منك تثق فيا عشان صورة. هنثبت كل حاجة الأول.
بعد ساعات…
بدأت الخيوط تتجمع.
واتأكد فعلًا إن الطفلين أحفاده.
لكن المفاجأة الأكبر ظهرت لما بدأوا يدوروا على أمهم.
لأنها…
ماكنتش مفقودة بإرادتها.
الجزء الثالث
بعد يومين، وصل اتصال.
الراجل كان قاعد مع الطفلين وقتها.
الولد لاحظ إن وش جده اتغير وهو بيسمع المكالمة.
— لقيتوها؟
الراجل ما ردش فورًا.
قام ولبس جاكته.
— لقينا خيط يوصلنا لها.
الولد جري عليه.
— أنا جاي معاك.
— لأ.
— دي أمي!
الراجل بص له بحزم وحنان في نفس الوقت.
— وعشان هي أمك، لازم أرجعها لك بأمان. إنت هتفضل مع أختك.
بعد ساعات…
وصل الراجل لمستشفى صغير.
وهناك عرف الحقيقة.
بنته كانت دخلت المستشفى قبل أسابيع بعد ما فقدت الوعي في الشارع من شدة الإرهاق.
ماكانش معاها أوراق كفاية تثبت هويتها، وتليفونها كان ضايع.
وبسبب ظروفها الصحية والإجهاد الشديد، فضلت فترة تحت الرعاية وهي بتحاول تتواصل مع ولادها.
لكن الرقم اللي كانت سايباهم عنده اتغير…
والست اللي كانوا قاعدين عندها كانت نقلت من المكان بعد خلاف مع صاحب البيت.
كل طرف كان بيدور على التاني…
ولا حد عارف يوصل.
لما الراجل دخل الأوضة…
شاف بنته نايمة على السرير.
ملامحها اتغيرت.
كبرت.
وشها بقى مرهق.
لكن بالنسبة له…
كانت لسه نفس البنت اللي خرجت من بيته وهي بتعيط من سنين.
وقف عند الباب.
ومقدرش يتحرك.
هي فتحت عينيها.
بصت له.
وسكتت.
ثواني طويلة عدت.
وبعدين قالت:
— بابا؟
الكلمة خرجت منها ضعيفة.
هو قرب خطوة.
وبعدين خطوة.
لحد ما وقف جنب السرير.
— أنا آسف.
هي لفت وشها الناحية التانية.
دمعة نزلت على خدها.
— بعد كل السنين دي؟
قال:
— كنت بدور عليكي.
ضحكت بمرارة.
— وإنت فاكر إني هصدق؟
طلع من جيبه ملف صغير.
حطه جنبها.
كان فيه نسخ من خطابات قديمة.
إيصالات تحويلات.
بلاغات بحث.
وخطابات رجعت له مكتوب عليها إنها مرفوضة.
بصت للورق…
وملامحها بدأت تتغير.
— إيه ده؟
— الحاجات اللي بعتها لك وماتوصلتش.
هي رفعت عينها له.
— مراتك كانت بتقولي إنك بترجع جواباتي من غير ما تفتحها.
الراجل اتنفس ببطء.
— وهي كانت بتقولي إنك بترفضي كل حاجة ببعتها.
سكتوا.
والحقيقة ظهرت بينهم من غير ما حد يحتاج يقولها.
حد عاش سنين يبني حيطان بينهم.
لكن البنت فجأة افتكرت أهم حاجة.
قامت من السرير رغم تعبها.
— ولادي؟!
أبوها ابتسم وسط دموعه.
— بخير.
— هما فين؟!
باب الأوضة اتفتح.
الولد دخل الأول.
وقف مكانه أول ما شافها.
— ماما؟
هي شهقت.
— حبيبي!
جري عليها.
وهي فتحت دراعاتها وضمتّه بكل قوتها.
وبعده دخلت أخته الصغيرة وهي بتعيط:
— مامااا!
الأم حضنت الاتنين.
كانت بتبوس راسهم ووشوشهم وهي بتقول:
— سامحوني… سامحوني يا حبايبي… والله ما سبتكم بإرادتي.
الولد دفن وشه في حضنها.
— أنا كنت عارف إنك هترجعي.
الجد وقف عند الباب.
ماحبش يقطع اللحظة.
لكن بنته رفعت عينها له.
ولأول مرة من سنين…
قالت:
— ماتقفش بعيد.
الجملة دي كانت كفاية.
دخل.
وقعد جنبهم.
ولأول مرة…
اجتمعوا كعيلة.
لكن لسه كان فيه حساب قديم لازم يتقفل.
الجزء الرابع
بعد ما خرجت الأم من المستشفى، رفضت تروح تعيش في بيت أبوها فورًا.
قالت له:
— أنا محتاجة وقت.
رد عليها:
— خدي العمر كله لو عايزة. المهم أعرف إنك وولادك بخير.
استأجر لها مكان محترم قريب منه، وساعدها ترجع لحياتها من غير ما يحسسها إنها مدينة له بحاجة.
لكن في نفس الوقت…
بدأ يراجع الماضي.
كل خطاب.
كل تحويل.
كل رسالة.
والمفاجأة إن الحقيقة ماكانتش مجرد سوء تفاهم.
كانت فيه مراسلات اتخبّت عمدًا.
وأوراق اتغيرت.
ومبالغ مالية اتحولت بعيد عن بنته.
ولما واجه زوجته بالحقيقة، حاولت تنكر.
قالت:
— إنت هتصدق واحدة سابتك من عشرين سنة وتكذبني أنا؟
حط قدامها الأوراق.
— أنا مش بصدق حد.
وأشار للملف.
— أنا بصدق ده.
وشها اتغير.
قالت بعصبية:
— أنا كنت بحمي مستقبل ابني!
رد بهدوء:
— بأنك تسرقي بنتي من حياتي؟
— هي اللي اختارت تمشي
— وهي كانت صغيرة وغضبانة… وأنا كنت أبوها. كان المفروض أروح أجيبها بنفسي بدل ما أصدق كلامك.
سكت لحظة.
ثم قال:
— أنا غلطت.
افتكرت الزوجة إن اعترافه هيخليه يتراجع.
لكنه أكمل:
— بس غلطي إني وثقت فيكي… مش إني حبيت بنتي.
واتخذ الإجراءات القانونية المناسبة بخصوص أي أوراق أو أموال ثبت التلاعب فيها.
أما ابنه من زوجته…
فكانت المفاجأة إنه نفسه ماكانش يعرف اللي أمه عملته.
لما عرف، راح لأخته.
وقف قدام بابها وقال:
— أنا عارف إن وجودي ممكن يضايقك… بس أنا ماكنتش أعرف.
بصت له فترة طويلة.
وبعدين قالت:
— ذنب أمك مش ذنبك.
ومن هنا…
بدأت العيلة تتصلح ببطء.
مش في يوم وليلة.
ومش بكلمتين.
لكن بالمواقف.
الجزء الخامس والأخير
عدت سنة.
وفي نفس اليوم تقريبًا…
دخل الجد نفس المطعم.
لكن المرة دي ماكانش لوحده.
البنت الصغيرة كانت ماسكة إيده من ناحية.
وأخوها من الناحية التانية.
وأمهم ماشية وراهم وهي مبتسمة.
أول ما دخلوا…
الولد وقف.
افتكر اليوم اللي كان واقف فيه عند الكاونتر وبيطلب بواقي أكل لأخته.
الجد لاحظ.
انحنى له وقال:
— فاكر؟
الولد ابتسم.
— عمري ما هنسى.
الموظفة القديمة ماكانتش موجودة.
وكان فيه موظفين جداد.
لكن الجد طلب يقابل مدير المطعم.
الأم استغربت.
— فيه إيه؟
ابتسم.
— استني.
بعد شوية، المدير جه.
الجد قال له:
— عايز أعمل حساب مفتوح هنا.
— تحت اسم حضرتك؟
— لأ.
بص لحفيده.
وقال:
— تحت اسم “وجبة الكرامة”.
المدير استغرب.
الجد كمل:
— أي طفل يدخل هنا محتاج أكل ومش معاه فلوس… ياكل من غير ما حد يحرجه أو يسأله قدام الناس.
الولد بص لجده.
— ليه بتعمل كده؟
الراجل حط إيده على كتفه.
— عشان اليوم اللي دخلت فيه هنا وإنت جعان… رجعتلي بنتي.
البنت الصغيرة شدته من إيده وقالت:
— وأنا؟
ضحك لأول مرة من قلبه.
شالها بين إيديه وقال:
— وإنتِ رجعتيلي قلبي كله.
قعدوا على نفس الترابيزة اللي كان الجد قاعد عليها يوم شاف الطفلين لأول مرة.
وبعد الأكل…
الولد طلع الصورة القديمة.
لكن المرة دي كانت متصلحة ومحفوظة جوه إطار صغير.
حطها على الترابيزة.
الأم بصت لها وابتسمت بحزن.
قالت لأبوها:
— عارف أكتر حاجة وجعتني؟
— إيه؟
— إننا ضيعنا سنين كتير بسبب كلام ماواجهناش بعض بيه.
أبوها مسك إيدها.
— وأنا عرفت متأخر إن اللي بيحب حد… مايسيبش حد تاني ينقل له كلامه.
الولد كان ساكت بيسمعهم.
وبعدين قال:
— يعني لو زعلت منكوا يوم… أجيلكوا وأسألكوا بنفسي؟
الأم ضحكت ومسحت على شعره.
— بالظبط.
الجد قال:
— حتى لو قالولك إننا مش عايزين نشوفك.
البنت الصغيرة رفعت إيدها بحماس:
— وأنا كمان؟
ضحكوا كلهم.
الأم حضنتها وقالت:
— وإنتِ أول واحدة.
بعدها خرجوا من المطعم سوا.
وقبل ما الجد يعدي الباب، وقف وبص للمكان اللي شاف فيه حفيده لأول مرة.
يومها كان فاكر إنه اشترى وجبتين لطفلين غريبين.
لكن الحقيقة…
إنه ماكانش بيدفع تمن أكل.
كان ربنا بيرد له عيلة ضاعت منه سنين.
والصورة القديمة اللي فضلت محفوظة كل السنين دي ماكانتـش مجرد ذكرى…
كانت خيط رفيع جدًا بين أب وبنته.
خيط اتشد واتقطع واتخبّى…
لكنه مااختفاش.
أما الطفل اللي دخل المطعم يومها وهو مكسوف يطلب بواقي أكل…
كبر وهو فاكر حاجة واحدة قالها له جده:
“الفقر عمره ما يقلل من قيمة الإنسان… واللي محتاج مساعدة، ماينفعش نخليه يدفع تمنها من كرامته.”
ومن يومها، فضلت “وجبة الكرامة” موجودة.
وفي كل مرة كان طفل محتاج يدخل المطعم وياكل من غير إحراج…
كان الجد يبص للصورة القديمة المعلقة في مكتبه ويبتسم.
لأن وجبة واحدة قدمها في يوم عادي…
رجعت له بنتًا افتقدها سنين،
وحفيدين ماكانش يعرف إنهم موجودين،
وعيلة كان فاكر إنه خسرها للأبد.
تمت



