طلعت الشقة وأنا حاسة إن رجلي تقيلة، لكن الغريب إني ماكنتش بعيط. أحمد طلع ورايا وهو بينادي: — سارة... استني بس واسمعيني. ما رديتش. دخلت أوضة المكتب على طول، وفتحت الدرج السفلي. أحمد وقف عند الباب. — إنتِ بتدوري على إيه؟ قلت من غير ما أبصله: — على سبع سنين من عمري. طلعت ملف أزرق قديم. كنت حاطة فيه من أول جوازنا كل حاجة تخص الشقة: فواتير الأجهزة، إيصالات النجارة، تحويلات البنك، وحتى عقود التشطيب. أحمد لما شاف الملف، وشه اتغير. قال: — إنتِ محتفظة بالحاجات دي كلها؟ بصيتله. — مستغرب ليه؟ — لا... بس... — بس إيه؟ كنت فاكر إني هرمي الورق؟ سكت. فتحت الملف وبدأت أقلب فيه. لحد ما لقيتها. ورقة قديمة مطوية جوه ظرف شفاف. أول ما طلعتها، أحمد قرب خطوة. — إيه دي؟ ضحكت. — بجد مش فاكر؟ فتحت الورقة قدامه. كانت مكتوبة قبل ما نتجوز بشهور. وقت ما الشقة كانت لسه على المحارة. ساعتها أحمد قالي إن الشقة "بتاعة العيلة"، وإن والدته موافقة إننا نعيش فيها، لكن محتاجة تشطيب كامل. أنا كنت عندي مبلغ كبير محوشاه من شغلي، ووافقت أحطه في التشطيب والأثاث. لكن أبويا، الله يرحمه، رفض إني أدفع جنيه من غير ورقة تحفظ حقي. ونوال وقتها ضحكت وقالت: — هو إحنا أغراب يا حاج؟ دي هتبقى مرات ابني. أبويا رد بهدوء: — علشان مش أغراب، يبقى الورق يريح الكل. وفي الآخر وافقت. ومضت. الورقة كانت بتثبت إن المبالغ اللي هدفعها في تجهيز الشقة تعتبر مساهمة مالية موثقة، وإنه في حالة انتهاء إقامتي فيها لأي سبب، يتم تسوية حقي المالي وفق الاتفاق والإيصالات المثبتة. مش ورقة سحرية تخليني مالكة الشقة. لكنها كانت كفاية تمنع نوال من الحكاية اللي كانت بتحاول تعملها: "دي شقتي... خدي شنطتك وامشي." رفعت الورقة قدام أحمد. — فاكر دي؟ بص فيها، وبعدين قال: — آه... تقريبًا. — تقريبًا؟ قربت منه. — أمك ماضية هنا. وإنت شاهد. سكت. قلت: — يعني قبل ما حد يطلع عفشي في الشارع، فيه حساب لازم يتعمل الأول. سمعنا صوت نوال من ورا: — حساب إيه؟ لفينا. كانت واقفة عند باب الأوضة. وأول ما شافت الورقة... لون وشها اتغير. لأول مرة من يوم ما دخلت بيتنا، شوفت الثقة تختفي من عينيها. قالت بسرعة: — الورقة دي لسه عندك؟ ابتسمت. — أهو افتكرتيها. دخلت الأوضة. — دي ورقة قديمة ومالهاش قيمة. — جميل. يبقى مفيش داعي تقلقي منها. مدت إيدها. — هاتيها. رجعت إيدي لورا. — لأ. — بقولك هاتي الورقة يا سارة. — وإنتِ مالك متوترة؟ مش بتقولي مالهاش قيمة؟ بصت لأحمد. — قول لمراتك تديني الورقة. أحمد قال بتوتر: — يا أمي، خلاص. صرخت فيه: — خلاص إيه؟! إنت سايبها تهددني في شقتي؟ قلت: — أنا ما هددتش حد. أنا بحمي حقي. نوال بصتلي وقالت: — حقك؟ إنتِ عيشتي هنا سبع سنين من غير إيجار، ولسه بتتكلمي عن حقك؟ الجملة وجعتني. مش علشان منها. علشان أحمد كان واقف ساكت. بصيتله. — هو ده الكلام اللي إنت مقتنع بيه؟ قال بسرعة: — لا طبعًا. — أمال إيه اللي حاصل؟ سكت. — ليه أمك بتطلع العفش؟ وليه بتقولي آخد أسبوع وأمشي؟ وإيه القرار اللي "اتاخد" من غير ما أعرف؟ أحمد بص لأمه. وهي بصتله نظرة واضحة جدًا. نظرة تحذير. وقتها فهمت إن سر الشقة مش هو السر الحقيقي. قلت: — فيه إيه يا أحمد؟ — مفيش. — بصلي وقولها. رفع عينه. — مفيش حاجة. عرفت إنه بيكدب. بعد سبع سنين، كنت عارفة وش أحمد وهو بيكدب. إيده اليمين كانت بتفرك في خاتمه. نفس الحركة اللي بيعملها كل مرة يخبي حاجة. قفلت الملف. — تمام. نوال قالت: — يعني إيه تمام؟ — يعني العمال يرجعوا كل حاجة مكانها. ضحكت. — وإلا؟ طلعت موبايلي. — وإلا هطلب الشرطة، وهقول إن فيه ناس بتنقل ممتلكاتي من غير إذني. وبعدها كل واحد يثبت حقه بالطريق الرسمي. مسؤول العمال كان واقف عند باب الشقة وسمع كلامي. قال فورًا: — يا جماعة إحنا مش ناقصين مشاكل. إحنا هنرجع الحاجة مكانها لحد ما تحلوا موضوعكم. نوال صرخت: — محدش يرجع حاجة! الراجل رد: — معلش يا مدام، إحنا جايين ننقل عفش مش ندخل في نزاع. وبدأ العمال يرجعوا الكنبة. نوال كانت بتبصلي كأنها عايزة تولع فيا. وأنا لأول مرة ما خفتش من نظرتها. قربت مني وقالت بصوت واطي: — إنتِ كده بتصعبيها على نفسك. قلت: — بالعكس. أنا لسه بدأت أفهم اللعبة. دخلت أوضتي، حطيت الملف في شنطتي، وخدت مفاتيح عربيتي. أحمد لحقني. — رايحة فين؟ — عند محامي. وشه اتغير. — محامي ليه؟ إحنا عيلة يا سارة. وقفت. بصيتله ثواني. وبعدين قلت: — من ساعة، أمك كانت بترمي عفشي في الشارع وإنت واقف بتقولي "فيه قرار اتاخد". دلوقتي افتكرت إننا عيلة؟ — الموضوع مش كده. — يبقى قولي هو إزاي. سكت. فتحت باب الشقة. وقبل ما أخرج، نوال قالت: — روحي لأي محامي إنتِ عايزاه. الورقة دي مش هتغير الحقيقة. لفيت ناحيتها. — إيه الحقيقة؟ ابتسمت. — إن أحمد اختار. بصيت لأحمد. وشه بقى أبيض. قلت: — اختار إيه؟ نوال فتحت بوقها، لكنه صرخ: — يا أمي خلاص! سكتنا كلنا. كانت أول مرة يزعق لأمه. قربت منه. — أحمد... اختار إيه؟ قال: — لما ترجعي نتكلم. — لأ. دلوقتي. — سارة... — دلوقتي. لكن موبايله رن. بص للشاشة. وقفل بسرعة. الحركة كانت غريبة. قلت: — مين؟ — الشغل. رن تاني. رفض المكالمة. وبعدها بثواني، وصلته رسالة. لمحت أول سطر ظهر على الشاشة: "أنا مستنياك من الصبح... قلتلي النهارده كل حاجة هتخلص." حسيت الدنيا سكتت. أحمد بسرعة قلب الموبايل على وشه. لكن خلاص. أنا قريت. قلت: — مين دي؟ — سارة، مش وقته. — مين دي يا أحمد؟ نوال تدخلت: — مالكيش دعوة بموبايل جوزك. لفيت لها ببطء. وفجأة كل حاجة بدأت تركب فوق بعضها. دخولها البيت. افتعال المشاكل. تشويه صورتي قدام أحمد. محاولة إخراجي من الشقة. "أحمد اختار." والرسالة. قربت من أحمد. — وريني الموبايل. — إنتِ مش واثقة فيا؟ ضحكت. ضحكة خرجت مني غصب. — دي أحسن جملة قدرت تقولها؟ مديت إيدي. — الموبايل يا أحمد. رفض. قلت: — خلاص. فتحت باب الشقة ومشيت. سمعته بينادي ورايا. لكن ما رجعتش. نزلت السلم وأنا حاسة إن كل درجة بتنزلني من حياة كنت فاكرة إنها مستقرة، لحياة معرفش عنها حاجة. ركبت عربيتي. وقبل ما أدور الموتور... موبايلي رن. رقم غريب. رديت: — ألو؟ صوت ست صغيرة نسبيًا قال: — مدام سارة؟ — أيوه. سكتت لحظات. وبعدين قالت: — أنا آسفة إني بكلم حضرتك بالطريقة دي... بس لازم تعرفي حاجة قبل ما حماتك تنفذ اللي في دماغها. قلبي دق. — إنتِ مين؟ قالت: — اسمي مش مهم دلوقتي. وبعدين قالت جملة خلت إيدي تبرد فوق الدركسيون: — مدام نوال مش بتجدد شقتها. سكت. فكملت: — وشقتها أصلًا مافيهاش أي تشطيب. قلت بصوت مبحوح: — إنتِ عرفتي منين؟ ردت: — لأني ساكنة في نفس العمارة. نفسي اتقطع. قالت: — هي قفلت شقتها وجت عندكم مخصوص. سألتها: — مخصوص ليه؟ سكتت شوية. وبعدين قالت: — علشان الست اللي بعتت لأحمد الرسالة من شوية. قلبي وقف تقريبًا. — إنتِ تعرفيها؟ ردت: — أعرفها. — مين هي؟ لكن الإجابة اللي قالتها ماكنتش اللي متوقعاها. قالت: — قبل ما أقولك مين هي... لازم تعرفي إن حماتك قابلتها أكتر من مرة في شقتها قبل ما تيجي تقعد عندكم. بلعت ريقي. — مين الست دي؟ قالت: — واحدة نوال كانت بتقدمها للجيران على إنها... وسكتت ثانية. ثم أكملت: — مرات أحمد الجديدة. يتبع...